الوجه الخامس: أن العقد مع أهل الذمة على أن تكون الدار لنا تجري فيها أحكام الإسلام و على أنهم أهل صغار و ذلة على هذا وهدوا و صولحوا فإظهار شتم الرسول الله صلى الله عليه و سلم و الطعن في الدين ينافي كونهم أهل صغار و ذلة فإن من أظهر سب الدين و الطعن فيه لم يكن من الصغار في شيء فلا يكون عهده باقيا الوجه السادس: أن الله فرض علينا تعزير رسوله و توقيره و تعزيره: نصره و منعه و توقيره: إجلاله و تعظيمه و ذلك يوجب صون عرضه بكل طريق بل ذلك أول درجات التعزير و التوقير فلا يجوز أن نصالح أهل الذمة أن يسمعونا شتم نبينا و يظهروا ذلك فإن تمكينهم من ذلك ترك للتعزير و التوقير و هم يعلمون أنا لا نصالحهم على ذلك بل الواجب علينا أن نكفهم عن ذلك و نزجرهم عنه بكل طريق و على ذلك عاهدناهم فإذا فعلوه فقد نقضوا الشرط الذي بيننا و بينهم
الوجه السابع: إن نصر رسول الله صلى الله عليه و سلم فرض علينا لأنه من التعزير المفروض و لأنه من أعظم الجهاد في سبيل الله و لذلك قال سبحانه: { مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض } إلى قوله { إلا تنصروه فقد نصره الله } [ التوبة: 40 ] و قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله } الآية [ الصف: 14 ] بل نصر آحاد المسلمين واجب بقوله صلى الله عليه و سلم: [ انصر أخاك ظالما أو مظلوما ] و بقوله: [ المسلم أخو المسلم لا يسلمه و لا يظلمه ] فكيف لا ينصر رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟
و من أعظم النص حماية عرضه ممن يؤذيه إلا ترى إلى قوله صلى الله عليه و سلم: [ من حمى مؤمنا من منافق يؤذيه حمى اله جلده من نار جهنم يوم القيامة ] و لذلك سمى من قابل الشاتم بمثل شتمه منتصرا
و سب رجل أبا بكر عند النبي صلى الله عليه و سلم و هو ساكت فلما أخذ لينتصر قام فقال: يا رسول الله كان يسبني و أنت قاعد فلما أخذت لأنتصر قمت فقال: [ كان الملك يرد عليه فلما انتصرت ذهب الملك فلم أكن لأقعد و قد ذهب الملك ] أو كما قال صلى الله عليه و سلم
و هذا كثير معروف في كلامهم يقولون لمن كافى الساب و الشاتم [ منتصرا ] يقولون لمن كافى الضارب و القاتل [ منتصرا ]
و قد تقدم أنه صلى الله عليه و سلم قال للذي بنت مروان لما شتمه: [ إذا أحببتم أن تنظروا إلى رجل نصر الله و رسول بالغيب فانظروا إلى هذا ] و قال للرجل الذي خرق صف المشركين حتى ضرب بالسيف ساب النبي صلى الله عليه و سلم فقال النبي صلى الله عليه و سلم: [ أعجبتم من رجل نصر الله و رسوله ؟ ]
و حماية عرضه صلى الله عليه و سلم في كونه نصرا أبلغ من ذلك في حق غيره لأن الوقعية في عرض قد لا تضر مقصوده بل يكتب له بها حسنات أما انتهاك عرض رسول الله صلى الله عليه و سلم فإنه مناف لدين الله بالكلية فإن العرض متى انتهك سقط الاحترام و التعظيم فسقط ما جاء به من الرسالة فبطل الدين فقيام المدحة و الثناء عليه و التعظيم و التوقير له قيام الدين كله و سقوط ذلك سقوط الدين كله و إذا كان كذلك وجب علينا أن تنتصر له ممن انتهك عرضه و الانتصار له بالقتل لأن انتهاك عرضه انتهاك لدين الله
و من المعلوم من سعى في دين الله بالإفساد استحق القتل بخلاف انتهاك عرض غيره معينا فإنه لا يبطل الدين و المعاهد لم نعاهده على ترك الانتصار لرسول الله صلى الله عليه و سلم [ منه ] و لا من غيره كما لم نعاهد على ترك استيفاء حقوق المسلمين و لا يجوز أن نعاهده على ذلك و هو يعلم أنا لم نعاهده على ذلك فإذا سبه فقد وجب علينا أن ننتصر له بالقتل و لا عهد معه على ترك ذلك فيجب قتله و هذا بين واضح لمن تأمله
الوجه الثامن: أن الكفار قد عوهدوا على أن لا يظهروا شيئا من المنكرات التي تختص بدينهم في بلاد الإسلام فمتى أظهروا استحقوا العقوبة على إظهارها و إن كان إظهارها دينا لهم فمتى أظهروا سب رسول الله صلى الله عليه و سلم استحقوا عقوبة ذلك القتل كما تقدم
الوجه التاسع: أنه لا خلاف بين المسلمين ـ علمناه ـ أنهم ممنوعون من إظهار السب و أنهم يعاقبون عليه إذا فعلوه بعد النهي ن فعلم أنهم لم يقروا عليه كما أقروا على ما هم [ عليه ] من الكفر و إذا فعلوا ما لم يقروا عليه من الجنايات استحقوا العقوبة بالاتفاق و عقوبة السب إما أن تكون جلدا حبسا أو قطعا او قتلا و الأول باطل فإن مجرد سب الواحد من المسلمين و سلطان المسلمين يوجب الجلد و الحبس فلو كان سب الرسول كذلك استوى من سب الرسول و [ من ] سب غيره من الأمة و هو باطل بالضرورة و القطع لا معنى له فتعين القتل
الوجه العاشر: أن القياس الجلي يقتضي أنهم متى خالفوا شيئا مما عوهدوا عليه انتقض عهدهم كما ذهب إليه طائفة من الفقهاء فإن الدم مباح بدون العهد و العهد عقد من العقود و إذا لم يف أحد المتعاقدين بما عاقد عليه فإما أن يفسح العقد بذلك أو يتمكن العاقد الآخر من فسخه هذا أصل مقرر في عقد البيع و النكاح و الهبة و غيرها من العقود و الحكمة فيه ظاهرة فإنه إنما التزم ما التزمه بشرط أن يلتزم الآخر بما التزمه فإذا لم يلتزمه الآخر صار هذا غير ملتزم فإن الحكم المعلق بشرط لا يثبت بعينه عند عدمه باتفاق العقلاء و إنما اختلفوا في ثبوت مثله