وهنا استأنف الشيخ القرضاوي كلامه متأثرًا بتوجيه أحمد منصور قائلًا: (ليسوا كفارًا بالله... ويؤمنون بالله، ويؤمنون باليوم الآخر، ويؤمنون بعبادة الله سبحانه وتعالى، ويؤمنون بالقيم الأخلاقية، ولذلك نحن دعونا إلى الحوار الإسلامي المسيحي لأن هناك أرضية مشتركة بيننا وبينهم، {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [...] ، وقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت: 46] ) - وقد أسقط من الآية قوله تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} ، ومكانه بين القوسين، ولعله مجرد سهو -
ثم أردف قائلًا: (فنحن نؤمن بالله، ونؤمن بالفضائل، ونؤمن بالعبادات، ونؤمن بالآخرة. هذه قواسم مشتركة بيننا وبينهم. إنما ليسوا مسلمين يقينًا، هم يعتبروننا كفارًا، ونحن نعتبرهم كفارًا، هذا أمر طبيعي... نحن كفار بدينهم، لا نؤمن بالمسيحية الموجودة، وهم كفار بديننا لا يؤمنون برسالة محمد وأن القرآن كلام الله، هذا أمر طبيعي يجب أن [...] ، ومع هذا... الإسلام يدعو إلى التسامح مع هؤلاء الناس، وأباح مؤاكلتهم ومصاهرتهم والتزوج منهم... رابطة اجتماعية نسبًا وصهرًا [...] المصاهرة إحدى الروابط الأساسية، هذا هو الذي...) .
أضف إلى ذلك أنه خاطب نصرانيًا من لبنان، بعد أن علم بنصرانيته، خاطبه: (يا أخي... يا أخي...) ، في لين بليغ وعبارات ودودة.
وقبل تحليل كلام القرضاوي وفسخه، وبيان ما فيه من التدليس والتلبيس على المسلمين، أحب أن أنبه أن الشيخ القرضاوي مجرح في فتاواه عند أهل العلم، ونظرة شرعية خاطفة على كتاباته وفتواه تكفي لمعرفة مدى التسيب والتلاعب بالدين عند الرجل. حيث إنه يتتبع رخص الأولين والآخرين، ويمطّ دائرة الضرورة من غير ضرورة شرعية حتى أحل بذلك كثيرًا مما حرم الله... جريًا خلف ما يسميه التيسير على المسلمين، والتبشير بالإسلام، فنسج على منوال التمييع أثوابًا قذرة تعكس طعونًا بليغة في ثوابت الدين المحكمة.
ونحن مع التيسير والتبشير، ولسنا مع التعسير والتنفير، لكن دون أن يكون هذا ذريعة للاجتهاد في ما لا يجوز فيه الاجتهاد، كما يفعل القرضاوي وهو الذي أولَ كثيرًا من النصوص بالهوى، مداهنة لمن طغى وغوى، فصار علمًا في التأويل الفاسد... وهاهو اليوم يشكك المسلمين في دينهم، ويشوه عقيدتهم عبر الفضائيات، حتى أصبح محط المدح المفرط من طرف النصارى والفساق والمتسيبين، فضلًا عن الطوائف والفرق الدينية المبتدعة التي اتخذته مُنَظِّرًا وإمامًا وهاديًا إلى صراط معوج... فما عاد ينفع حوار، والقرضاوي عندهم أعلم من يهدي، وأهدى من يعلم.
الرد على القرضاوي، لا ينتهي، فمنكراته ومثالبه لا أول لها ولا آخر، ولقد رددت بعضًا من جهالاته الفظيعة حول مفهومه"للديموقراطية"في كتابي"الشورى المفترى عليها والديموقراطية"، ورد عليه آخرون وآخرون، في هذا وفي غير هذا.
والرجل ليس في حاجة إلى نصح أو موعظة، إنما هو في حاجة إلى استتابة، والمطلوب أن يصدر فيه العلماء الأحرار تحذيرهم ونذيرهم حتى لا يستفحل الأمر أكثر، ولا سيما وقد بدأت ترخيصاته وتيسيراته المزعومة تتحول إلى دين وسلوك للمسلمين... فوجب البيان.
وردًا عليه حول ما سبق ذكره، أبدأ في هذه العجالة بمخاطبته للنصراني اللبناني في تودد مكشوف: (يا أخي... ! يا أخي...) :
فأقول: لإن كانت هذه الأخوة المعلنة دينية، فهي ردة واضحة ولا أبا بكر لها، والله تعالى يقول: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] بالحصر، ويقول: {فإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة: 11] ، واليهود والنصارى وغيرهم من الكفار ليسوا إخوة للمسلمين، ولم يصبحوا وإيانا بنعمة الله إخوانًا.
أما إن كانت هذه الأخوة في جانبها الإنساني، باعتبارنا جميعًا أبناء آدم وحواء عليهما السلام؛ على نحو ما ورد في قوله تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} [الأعراف: 65] ، وفي قوله سبحانه: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} [الأعراف: 73] ، وقوله عز ثناؤه: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} [هود: 84] ، وما أشبه ذلك، فبعيد بكل تأكيد، ومعلوم أن هذه الأخوة المشار إليها في الآيات بين أولئك الأنبياء وأقوامهم الكفرة أخوة على نحو ما ذكر المفسرون.
قال الإمام القرطبي رحمه الله في آية الأعراف (65) : (أي وأرسلنا إلى عاد أخاهم هودا، قال ابن عباس أي ابن أبيهم، وقيل: أخاهم في القبيلة، وقيل: أي بشرًا من بني أبيهم آدم، وفي مصنف أبي داود أن أخاهم هودا أي صاحبهم...) [الجامع لأحكام القرآن للقرطبي] .
وبالتأكيد ليس في هذا للقرضاوي معض ولا مستمسك، فليس ذلك النصراني اللبناني ابن أبيه أو ابن أبي المصريين جميعهم، وليس أخًا لهم في القبيلة، وليس صاحبهم، إلا أن يكون بشرًا من بني آدم، فنعود إلى الأخوة الإنسانية، وهو ما لا يشي به سياق الحوار في البرنامج؛ ذلك الحوار المطبوع بالذلة وخفض الجناح للنصارى، في حين كانت عباراته في حقي، أنا المسلم، تنبعث منها رائحة الكراهية والسخط، كأني أفوت عليهم فرصة للتقارب أكيدة يقوم على أساسها جلاء الجيوش النصرانية من بلاد الإسلام شرقًا وغربًا.