إن هذه كلها تبدو يسرا وراحة وانطلاقا . ولكنها في حقيقتها مشقة وجهد وثقلة . وعقابيلها في حياة المجتمع - بل في حياة كل فرد - عقابيل مؤذية مدمرة ماحقة .
والنظر إلى الواقع في حياة المجتمعات التي"تحررت !"من قيود الدين والأخلاق والحياء في هذه العلاقة , يكفي لإلقاء الرعب في القلوب . لو كانت هنالك قلوب !
لقد كانت فوضى العلاقات الجنسية هي المعول الأول الذي حطم الحضارات القديمة . حطم الحضارة الإغريقية وحطم الحضارة الرومانية وحطم الحضارة الفارسية . وهذه الفوضى ذاتها هي التي اخذت تحطم الحضارة الغربية الراهنة ; وقد ظهرت آثار التحطيم شبه كاملة في انهيارات فرنسا التي سبقت في هذه الفوضى ;وبدأت هذه الآثار تظهر في أمريكا والسويد وانجلترا , وغيرها من دول الحضارة الحديثة .
وقد ظهرت آثار هذه الفوضى في فرنسا مبكرة , مما جعلها تركع على أقدامها في كل حرب خاضتها منذ سنة 1870 إلى اليوم , وهي في طريقها إلى الانهيار التام , كما تدل جميع الشواهد . وهذه بعض الأمارات التي أخذت تبدو وأضحة من بعد الحرب العالمية الأولى:
"إن أول ما قد جر على الفرنسيين تمكن الشهوات منهم:اضمحلال قواهم الجسدية , وتدرجها إلى الضعف يوما فيوما . فإن الهياج الدائم قد أوهن أعصابهم ; وتعبد الشهوات يكاد يأتي على قوة صبرهم وجلدهم ; وطغيان الأمراض السرية قد أجحف بصحتهم . فمن أوائل القرن العشرين لا يزال حكام الجيش الفرنسي يخفضون من مستوى القوة والصحة البدنية المطلوب في المتطوعة للجند الفرنسي , على فترة كل بضع سنين . لأن عدد الشبان الوافين بالمستوى السابق من القوة والصحة لا يزال يقل ويندر في الأمة على مسير الأيام . . وهذا مقياس أمين , يدلنا كدلالة مقياس الحرارة - في الصحة والتدقيق - على كيفية اضمحلال القوى الجسدية في الأمة الفرنسية . ومن أهم عوامل هذا الاضمحلال:الأمراض السرية الفتاكة . يدل على ذلك أن كان عدد الجنود الذين اضطرت الحكومة إلى أن تعفيهم من العمل , وتبعث بهم إلى المستشفيات , في السنتين الأوليين من سني الحرب العالمية الأولى , لكونهم مصابين بمرض الزهري , خمسة وسبعين الفا . وابتلي بهذا المرض وحده 242 جنديا في آن واحد في ثكنة متوسطة . وتصور - بالله - حال هذه الأمة البائسة في الوقت الذي كانت فيه - بجانب - في المضيق الحرج بين الحياة والموت , فكانت أحوج ما تكون إلى مجاهدة كل واحد من أبنائها المحاربين لسلامتها وبقائها . وكان كل فرنك من ثروتها مما يضن به ويوفر ; وكانت الحال تدعو إلى بذل أكثر ما يمكن من القوة والوقت وسائر الأدوات والوسائل في سبيل الدفاع . وكان - بجانب آخر - أبناؤها الشباب الذين تعطل آلاف منهم عن أعمال الدفاع , من جراء انغماسهم في اللذات ; وما كفى أمتهم ذلك خسرانا , بل ضيعوا جانبا من ثروة الأمة ووسائلها في علاجهم , في تلك الأوضاع الحرجة ."
"يقول طبيب فرنسي نطاسي يدعى الدكتور ليريه:إنه يموت في فرنسا ثلاثون ألف نسمة بالزهري , وما يتبعه من الأمراض الكثيرة في كل سنة . وهذا المرض هو أفتك الأمراض بالأمة الفرنسية بعد حمى [ الدق ] . وهذه جريرة مرض واحد من الأمراض السرية التي فيها عدا هذا أمراض كثيرة أخرى".
والأمة الفرنسية يتناقص تعدادها بشكل خطير:ذلك أن سهولة تلبية الميل الجنسي , وفوضى العلاقات الجنسية والتخلص من الأجنة والمواليد , لا تدع مجالا لتكوين الأسرة , ولا لاستقرارها ولا لاحتمال تبعة الأطفال الذين يولدون من الالتقاء الجنسي العابر . ومن ثم يقل الزواج , ويقل التناسل , وتتدحرج فرنسا منحدرة إلى الهاوية .
"سبعة أو ثمانية في الألف هو معدل الرجال والنساء الذين يتزوجون في فرنسا اليوم . ولك أن تقدر من هذا المعدل المنخفض كثرة النفوس التي لا تتزوج من أهاليها . ثم هذا النزر القليل من الذين يعقدون الزواج , قل فيهم من ينوون به التحصن والتزام المعيشة البرة الصالحة بل هم يقصدون به كل غرض سوى هذا الغرض . حتى إنه كثيرا ما يكون من مقاصد زواجهم أن يحللوا به الولد النغل الذي قد ولدته أمه قبل النكاح ! ويتخذوه ولدا شرعيا !"
فقد كتب"بول بيورو":من العادة الجارية في طبقة العاملين في فرنسا أن المرأة منهم تأخذ من خدنها ميثاقا قبل أن يعقد بينهما النكاح , أن الرجل سيتخذ ولدها الذي ولدته قبل النكاح ولدا شرعيا له . وجاءت امرأة في محكمة الحقوق بمدينة سين فصرحت:إنني كنت قد آذنت بعلي عن النكاح بأني لا أقصد بالزواج إلا استحلال الأولاد الذين ولدتهم نتيجة اتصالي به قبل النكاح . وأما أن أعاشره وأعيش معه كزوجة , فما كان في نيتي عند ذاك , ولا هو في نيتي الآن . ولذلك اعتزلت زوجي في أصيل اليوم الذي تم فيه زواجنا , ولم ألتق به إلى هذا اليوم , لأني كنت لا أنوي قط أن أعاشره معاشرة زوجية .
"قال عميد كلية شهيرة في باريس لبول بيورد:"
إن عامة الشباب يريدون بعقد النكاح استخدام بغي في بيتهم أيضا . ذلك أنهم يظلون مدة عشر سنين أو أكثر يهيمون في أودية الفجور أحرارا طلقاء . ثم يأتي عليهم حين من دهرهم يملون تلك الحياة الشريدة المتقلقلة , فيتزوجون بامرأة بعينها , حتى يجمعوا بين هدوء البيت وسكينته , ولذة المخادنة الحرة خارج البيت"."
وهكذا تدهورت فرنسا . وهكذا هزمت في كل حرب خاضتها , وهكذا تتوارى عن مسرح الحضارة ثم عن مسرح الوجود يوما بعد يوم . حتى تحق سنة الله التي لا تتخلف ; وإن بدت بطيئة الدوران في بعض الأحيان !
بالقياس إلى تعجل الإنسان !