فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 743

هو منهج العصبة المؤمنة من قبل ومن بعد . ومنهج الأمة الواحدة التي يجمعها موكب الإيمان على مدار القرون .

بذلك يجمع القرآن بين المهتدين إلى الله في كل زمان ومكان ; ويكشف عن وحدة منهج الله في كل زمان ومكان ; ويربط بين الجماعة المسلمة والموكب الإيماني الموصول , في الطريق اللاحب الطويل . وهي لفتة تشعر المسلم بحقيقة أصله وأمته ومنهجه وطريقه . .

إنه من هذه الأمة المؤمنة بالله , تجمعها آصرة المنهج الإلهي , على اختلاف الزمان والمكان , واختلاف الأوطان ; والألوان وتربطها سنة الله المرسومة للمؤمنين في كل جيل , ومن كل قبيل .

(ويتوب عليكم) . .

فهو - سبحانه - يبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم , ليرحمكم . . .

ليأخذ بيدكم إلى التوبة من الزلل , والتوبة من المعصية . ليمهد لكم الطريق , ويعينكم على السير فيه . .

(والله عليم حكيم) . .

فعن العلم والحكمة تصدر هذه التشريعات . ومن العلم والحكمة تجيء هذه التوجيهات . العلم بنفوسكم وأحوالكم . والعلم بما يصلح لكم وما يصلحكم . والحكمة في طبيعة المنهج وفي تطبيقاته على السواء . .

(والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما) . .

وتكشف الآية الواحدة القصيرة عن حقيقة ما يريده الله للناس بمنهجه وطريقته , وحقيقة ما يريده بهم الذين يتبعون الشهوات , ويحيدون عن منهج الله - وكل من يحيد عن منهج الله إنما يتبع الشهوات - فليس هنالك إلا منهج واحد هو الجد والاستقامة والالتزام , وكل ما عداه إن هو إلا هوى يتبع , وشهوة تطاع , وانحراف وفسوق وضلال .

فماذا يريد الله بالناس , حين يبين لهم منهجه , ويشرع لهم سنته ?

إنه يريد أن يتوب عليهم . يريد أن يهديهم . يريد أن يجنبهم المزالق . يريد أن يعينهم على التسامي في المرتقى الصاعد إلى القمة السامقة .

وماذا يريد الذين يتبعون الشهوات , ويزينون للناس منابع ومذاهب لم يأذن بها الله , ولم يشرعها لعباده ? إنهم يريدن لهم أن يميلوا ميلا عظيما عن المنهج الراشد , والمرتقى الصاعد والطريق المستقيم .

وفي هذا الميدان الخاص الذي تواجهه الآيات السابقة:ميدان تنظيم الأسرة ; وتطهير المجتمع ; وتحديد الصورة النظيفة الوحيدة , التي يحب الله أن يلتقي عليها الرجال والنساء ; وتحريم ما عداها من الصور , وتبشيعها وتقبيحها في القلوب والعيون . . في هذا الميدان الخاص ما الذي يريده الله وما الذي يريده الذين يتبعون الشهوات ?

فأما ما يريده الله فقد بينته الآيات السابقة في السورة . وفيها إرادة التنظيم , وإرادة التطهير , وإرادة التيسير , وإرادة الخير بالجماعة المسلمة على كل حال .

وأما ما يريده الذين يتبعون الشهوات فهو أن يطلقوا الغرائز من كل عقال:ديني , أو أخلاقي , أو اجتماعي . .

يريدون أن ينطلق السعار الجنسي المحموم بلا حاجز ولا كابح , من أي لون كان . السعار المحموم الذي لا يقر معه قلب , ولا يسكن معه عصب , ولا يطمئن معه بيت , ولا يسلم معه عرض , ولا تقوم معه أسرة . يريدون أن يعود الآدميون قطعانا من البهائم , ينزو فيها الذكران على الإناث بلا ضابط إلا ضابط القوة أو الحيلة أو مطلق الوسيلة !

كل هذا الدمار , وكل هذا الفساد , وكل هذا الشر باسم الحرية , وهي - في هذا الوضع - ليست سوى اسم آخر للشهوة والنزوة !

وهذا هو الميل العظيم الذي يحذر الله المؤمنين إياه , وهو يحذرهم ما يريده لهم الذين يتبعون الشهوات . وقد كانوا يبذلون جهدهم لرد المجتمع المسلم إلى الجاهلية في هذا المجال الأخلاقي , الذي تفوقوا فيه وتفردوا بفعل المنهج الإلهي القويم النظيف . وهو ذاته ما تريده اليوم الأقلام الهابطة والأجهزة الموجهة لتحطيم ما بقي من الحواجز في المجتمع دون الانطلاق البهيمي , الذي لا عاصم منه , إلا منهج الله , حين تقره العصبة المؤمنة في الأرض إن شاء الله .

واللمسة الأخيرة في التعقيب تتولى بيان رحمة الله بضعف الإنسان , فيما يشرعه له من منهج وأحكام . والتخفيف عنه ممن يعلم ضعفه , ومراعاة اليسر فيما يشرع له , ونفي الحرج والمشقة والضرر والضرار .

(يريد الله أن يخفف عنكم , وخلق الإنسان ضعيفا) . .

فأما في هذا المجال الذي تستهدفه الآيات السابقة , وما فيها من تشريعات وأحكام وتوجيهات , فإرادة التخفيف واضحة ; تتمثل في الاعتراف بدوافع الفطرة , وتنظيم الاستجابة لها وتصريف طاقتها في المجال الطيب المأمون المثمر , وفي الجو الطاهر النظيف الرفيع ; دون أن يكلف الله عباده عنتا في كبتها حتى المشقة والفتنة ; ودون أن يطلقهم كذلك ينحدرون في الاستجابة لها بغير حد ولا قيد .

وأما في المجال العام الذي يمثله المنهج الإلهي لحياة البشر كلها فإرادة التخفيف تبدو كذلك واضحة ; بمراعاة فطرة الإنسان , وطاقته , وحاجاته الحقيقية ; وإطلاق كل طاقاته البانية . ووضع السياج الذي يقيها التبدد وسوء الاستعمال !

وكثيرون يحسبون أن التقيد بمنهج الله - وبخاصة في علاقات الجنسين - شاق مجهد . والانطلاق مع الذين يتبعون الشهوات ميسر مريح !

وهذا وهم كبير . . .

فإطلاق الشهوات من كل قيد ; وتحري اللذة - واللذة وحدها - في كل تصرف ; واقصاء"الواجب"الذي لا مكان له إذا كانت اللذة وحدها هي الحكم الأول والاخير ; وقصر الغاية من التقاء الجنسين في عالم الإنسان على ما يطلب من مثل هذا الالتقاء في عالم البهائم ; والتجرد في علاقات الجنسين من كل قيد أخلاقي , ومن كل التزام اجتماعي . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت