فهرس الكتاب

الصفحة 260 من 743

72 -اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي سُقُوطِ الْجِزْيَةِ بِالْمَوْتِ , فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ مُطْلَقًا , سَوَاءٌ أَحَصَلَ الْمَوْتُ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ أَمْ بَعْدَ انْتِهَائِهِ . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ: بِأَنَّ الْجِزْيَةَ وَجَبَتْ عُقُوبَةً عَلَى الْكُفْرِ , فَتَسْقُطُ بِالْمَوْتِ كَالْحُدُودِ . وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ وَجَبَتْ وَسِيلَةً إلَى الْإِسْلَامِ , وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَتَحَقَّقُ بَعْدَ الْمَوْتِ . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لَا تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ إذَا حَصَلَ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْحَوْلِ . بَلْ تُؤْخَذُ مِنْ التَّرِكَةِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ . أَمَّا إذَا حَصَلَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ , فَلَا تَسْقُطُ بِهِ أَيْضًا فِي الْقَوْلِ الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ , وَتُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ بِقِسْطِ مَا مَضَى مِنْ الْحَوْلِ . وَتَسْقُطُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي قَوْلٍ آخَرَ لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ وَلَا تُؤْخَذُ قَبْلَ كَمَالِ حَوْلِهَا وَاسْتَدَلُّوا لِعَدَمِ سُقُوطِهَا بِالْمَوْتِ بِالْأَدِلَّةِ الْآتِيَةِ: 1 - مَا أَوْرَدَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُنَادَةَ - كَاتِبِ حَيَّانِ بْنِ سُرَيْجٍ - وَكَانَ حَيَّانُ بَعَثَهُ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ , وَكَتَبَ يَسْتَفْتِيهِ أَيَجْعَلُ جِزْيَةَ مَوْتَى الْقِبْطِ عَلَى أَحْيَائِهِمْ ؟ فَسَأَلَ عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ عِرَاكَ بْنَ مَالِكٍ - وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ يَسْمَعُ - فَقَالَ: مَا سَمِعْت لَهُمْ بِعَقْدٍ وَلَا عَهْدٍ , إنَّمَا أُخِذُوا عَنْوَةً بِمَنْزِلَةِ الْعَبِيدِ , فَكَتَبَ عُمَرُ إلَى حَيَّانِ بْنِ سُرَيْجٍ يَأْمُرَهُ: أَنْ يَجْعَلَ جِزْيَةَ الْأَمْوَاتِ عَلَى الْأَحْيَاءِ . 2 - وَلِأَنَّهَا اسْتَقَرَّتْ فِي ذِمَّتِهِ بَدَلًا عَنْ الْعِصْمَةِ وَالسُّكْنَى , فَلَمْ تَسْقُطْ بِمَوْتِهِ كَسَائِرِ دُيُونِ الْآدَمِيِّينَ .

الثَّالِثُ: اجْتِمَاعُ جِزْيَةِ سَنَتَيْنِ فَأَكْثَرَ:

73 -اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَدَاخُلِ الْجِزَى: فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالصَّاحِبَانِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ إلَى عَدَمِ التَّدَاخُلِ وَتَجِبُ الْجِزَى كُلُّهَا . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ: بِأَنَّ الْجِزْيَةَ حَقٌّ مَالِيٌّ يَجِبُ فِي آخِرِ كُلِّ حَوْلٍ , فَلَمْ تَتَدَاخَلْ كَالزَّكَاةِ وَالدِّيَةِ وَغَيْرِهِمَا . وَلِأَنَّ الْمُدَّةَ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي إسْقَاطِ الْوَاجِبِ كَخَرَاجِ الْأَرْضِ . وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّهُ إذَا مَضَتْ عَلَى الْجِزْيَةِ سَنَةٌ وَدَخَلَتْ ثَانِيَةٌ فَإِنَّ الْجِزَى تَتَدَاخَلُ , فَتَسْقُطُ جِزَى السَّنَوَاتِ الْمَاضِيَةِ وَيُطَالَبُ بِجِزْيَةِ السَّنَةِ الْحَالِيَّةِ . وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ: بِأَنَّ الْجِزْيَةَ وَجَبَتْ عُقُوبَةً عَلَى الْكُفْرِ , وَالْعُقُوبَاتُ إذَا تَرَاكَمَتْ تَدَاخَلَتْ خَاصَّةً إذَا كَانَتْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَالْحُدُودِ . أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ زَنَى مِرَارًا ثُمَّ رُفِعَ أَمْرُهُ إلَى الْإِمَامِ لَمْ يَسْتَوْفِ مِنْهُ إلَّا حَدًّا وَاحِدًا بِجَمِيعِ الْأَفْعَالِ . وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ وَجَبَتْ بَدَلًا عَنْ حَقْنِ الدَّمِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ , فَإِذَا صَارَ دَمُهُ مَحْقُونًا فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ , فَلَا تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ لِأَجْلِهَا , لِانْعِدَامِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ , كَمَا إذَا أَسْلَمَ أَوْ مَاتَ تَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ , لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى الْحَقْنِ بِالْجِزْيَةِ ; وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ مَا وَجَبَتْ إلَّا لِرَجَاءِ الْإِسْلَامِ , وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ حَتَّى دَخَلَتْ سَنَةٌ أُخْرَى انْقَطَعَ الرَّجَاءُ فِيمَا مَضَى , وَبَقِيَ الرَّجَاءُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَيُؤْخَذُ لِلسَّنَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ .

الرَّابِعُ: طُرُوءُ الْإِعْسَارِ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت