74 -الْإِعْسَارُ: ضِيقُ الْحَالِ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ الْمَالِ . وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تَسْقُطُ عَنْ الذِّمِّيِّ بِالْإِعْسَارِ الطَّارِئِ سَوَاءٌ أَطَرَأَ عَلَيْهِ الْإِعْسَارُ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ أَمْ بَعْدَ انْتِهَائِهِ . وَبِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَعْسَرَ أَكْثَرَ الْحَوْلِ ; لِأَنَّ الْإِعْسَارَ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ ابْتِدَاءً . وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْجِزْيَةَ لَا تَسْقُطُ عَنْ الذِّمِّيِّ بِالْإِعْسَارِ الطَّارِئِ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْتَبِرُونَ الْإِعْسَارَ مَانِعًا مِنْ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ ابْتِدَاءً . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا تَسْقُطُ الْجِزْيَةُ عَنْهُ , وَتُعْتَبَرُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ , وَيُمْهَلُ إلَى وَقْتِ يَسَارٍ يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ الْأَدَاءِ . أَخْذًا بِعُمُومِ قوله تعالى: { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ } . وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تَسْقُطُ عَنْ الذِّمِّيِّ بِالْإِعْسَارِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ لِأَنَّ الْجِزْيَةَ لَا تَجِبُ , وَلَا تُؤْخَذُ قَبْلَ كَمَالِ الْحَوْلِ , أَمَّا إذَا كَانَ الْإِعْسَارُ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْحَوْلِ , فَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ , وَتُصْبِحُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ , وَيُنْظَرُ وَيُمْهَلُ إلَى وَقْتِ يَسَارٍ يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ الْأَدَاءِ
الْخَامِسُ: التَّرَهُّبُ وَالِانْعِزَالُ عَنْ النَّاسِ:
75 -إذَا تَرَهَّبَ الذِّمِّيُّ بَعْدَ عَقْدِ الذِّمَّةِ , فَانْعَزَلَ عَنْ النَّاسِ وَانْقَطَعَ لِلْعِبَادَةِ فِي الْأَدْيِرَةِ وَالصَّوَامِعِ , فَهَلْ تَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَابْنُ الْقَاسِمِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ إلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تَسْقُطُ بِالتَّرَهُّبِ , لِأَنَّهُ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ ابْتِدَاءً فَأَشْبَهَ الْعَجْزَ وَالْجُنُونَ , فَتَسْقُطُ عَنْهُ مُطْلَقًا وَلَوْ مُتَجَمِّدَةً عَنْ سِنِينَ . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْأَخَوَانِ ( مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ ) مِنْ الْمَالِكِيَّةِ إلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لَا تَسْقُطُ بِالتَّرَهُّبِ الطَّارِئِ ; لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ مَانِعًا مِنْ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ ابْتِدَاءً , فَلَا يُعْتَبَرُ عُذْرًا لِإِسْقَاطِ الْجِزْيَةِ عَمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ . وَعَلَّلَهُ الْأَخَوَانِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّهُ قَدْ يَتَّخِذُهُ وَسِيلَةً لِلتَّهَرُّبِ مِنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ , فَلَا تَسْقُطُ الْجِزْيَةُ بِهِ . وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّ التَّرَهُّبَ الطَّارِئَ لَا يُسْقِطُ الْجِزْيَةَ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْحَوْلِ , وَتُصْبِحُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ . أَمَّا إذَا تَرَهَّبَ أَثْنَاءَ الْحَوْلِ فَتَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ ; لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ وَلَا تُؤْخَذُ قَبْلَ كَمَالِ الْحَوْلِ . وَقَالُوا: الْمُرَادُ بِالرَّاهِبِ الَّذِي تَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ , هُوَ مَنْ لَا يَبْقَى بِيَدِهِ مَالٌ إلَّا بُلْغَتَهُ فَقَطْ وَيُؤْخَذُ مِمَّا بِيَدِهِ زَائِدًا عَلَى ذَلِكَ , وَأَمَّا الرُّهْبَانُ الَّذِينَ يُخَالِطُونَ النَّاسَ وَيَتَّخِذُونَ الْمَتَاجِرَ وَالْمَزَارِعَ فَحُكْمُهُمْ كَسَائِرِ النَّصَارَى تُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ اتِّفَاقًا .
السَّادِسُ: الْجُنُونُ:
76 -إذَا أُصِيبَ الذِّمِّيُّ - بَعْدَ الِالْتِزَامِ بِالْجِزْيَةِ - بِالْجُنُونِ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ إلَى سُقُوطِهَا بِالْجُنُونِ الطَّارِئِ إذَا اسْتَمَرَّ أَكْثَرَ الْعَامِ , لِأَنَّهُ يَمْنَعُ وُجُوبَ الْجِزْيَةِ ابْتِدَاءً - كَمَا بَيَّنَّا فِي شُرُوطِ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ - وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ إلَى أَنَّ الْجُنُونَ الطَّارِئَ إنْ كَانَ يَسِيرًا كَسَاعَةٍ مِنْ شَهْرٍ أَوْ يَوْمٍ مِنْ سَنَةٍ فَلَا تَسْقُطُ . وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا كَيَوْمٍ إفَاقَةً وَيَوْمٍ جُنُونًا فَإِنَّ الْإِفَاقَةَ تُلَفَّقُ فَإِذَا بَلَغَتْ سَنَةً وَجَبَتْ الْجِزْيَةُ . أَمَّا الْجِزْيَةُ الْمُسْتَقِرَّةُ فِي الذِّمَّةِ فَلَا تَسْقُطُ بِالْجُنُونِ طِبْقًا لِمَذْهَبِهِمْ فِي عَدَمِ تَدَاخُلِ الْجِزْيَةِ كَمَا سَبَقَ فِي ( ف 73 ) . وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ إلَى أَنَّ الْجُنُونَ الطَّارِئَ لَا يُسْقِطُ الْجِزْيَةَ إذَا كَانَ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْحَوْلِ . أَمَّا إذَا طَرَأَ الْجُنُونُ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ فَتَسْقُطُ الْجِزْيَةُ ; لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ وَلَا تُؤْخَذُ قَبْلَ كَمَالِ الْحَوْلِ . وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الرَّابِعُ عِنْدَهُمْ أَنَّهَا تَسْقُطُ وَلَا تَجِبُ .
السَّابِعُ: الْعَمَى وَالزَّمَانَةُ وَالشَّيْخُوخَةُ: