71 -اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ , فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ إلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تَسْقُطُ عَمَّنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ , سَوَاءٌ أَسْلَمَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ أَوْ بَعْدَهُ , وَلَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ جِزْيَةُ سِنِينَ . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا يَلِي: 1 - قوله تعالى: { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ } تَدُلُّ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى سُقُوطِ الْجِزْيَةِ عَمَّنْ أَسْلَمَ ; لِأَنَّ الْأَمْرَ بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِمَّنْ يَجِبُ قِتَالُهُ عَلَى الْكُفْرِ إنْ لَمْ يُؤَدِّهَا , وَمَتَى أَسْلَمَ لَمْ يَجِبْ قِتَالُهُ , فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ . 2 - قوله تعالى: { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ } فَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ , وَأَنَّ الْكَافِرَ إذَا أَسْلَمَ لَا يُطَالَبُ بِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ مِنْ صَلَاةٍ أَوْ زَكَاةٍ , وَكَذَا لَا يُطَالَبُ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ جِزْيَةٍ قَبْلَ إسْلَامِهِ . قَالَ مَالِكٌ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ أَشْهَبَ عَنْهُ:"الصَّوَابُ عِنْدِي أَنْ يُوضَعَ عَمَّنْ أَسْلَمَ الْجِزْيَةُ حِينَ يُسْلِمُ , وَلَوْ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ مِنْ السَّنَةِ إلَّا يَوْمٌ وَاحِدٌ لقوله تعالى { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا . . . } يَعْنِي مَا قَدْ مَضَى قَبْلَ الْإِسْلَامِ مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ أَوْ شَيْءٍ". 3 - وَيُرْوَى فِي ذَلِكَ بَعْضُ الْآثَارِ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ . 4 - وَاسْتَدَلُّوا بِالْمَعْقُولِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْجِزْيَةَ وَجَبَتْ وَسِيلَةً إلَى الْإِسْلَامِ , فَلَا تَبْقَى بَعْدَ الْإِسْلَامِ . وَالثَّانِي: أَنَّ الْجِزْيَةَ إنَّمَا وَجَبَتْ عُقُوبَةً عَلَى الْكُفْرِ , وَلِهَذَا سُمِّيَتْ جِزْيَةً: أَيْ جَزَاءَ الْإِقَامَةِ عَلَى الْكُفْرِ , فَوَجَبَ أَنْ تَسْقُطَ بِالْإِسْلَامِ . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَأَبُو يُوسُفَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ إلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لَا تَسْقُطُ عَنْ الذِّمِّيِّ إذَا أَسْلَمَ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْحَوْلِ , أَمَّا إذَا أَسْلَمَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ , فَتَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ وَلَا يُطَالَبُ بِقِسْطِ مَا مَضَى مِنْ السَّنَةِ وَهَذَا قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ , وَلِلشَّافِعِيَّةِ قَوْلٌ آخَرُ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ: وَهُوَ أَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْهُ بِقِسْطِ مَا مَضَى مِنْ السَّنَةِ كَالْأُجْرَةِ . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا يَلِي: 1 - أَنَّ الْجِزْيَةَ عِوَضٌ عَنْ حَقْنِ الدَّمِ , وَقَدْ وَصَلَ إلَى الذِّمِّيِّ الْمُعَوَّضُ وَهُوَ حَقْنُ الدَّمِ , فَصَارَ الْعِوَضُ وَهُوَ الْجِزْيَةُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ , فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِالْإِسْلَامِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ . 2 - أَنَّ الْجِزْيَةَ عِوَضٌ عَنْ سُكْنَى الدَّارِ , وَقَدْ اسْتَوْفَى الذِّمِّيُّ مَنَافِعَ الدَّارِ الْمُسْتَأْجَرَةِ , فَلَا تَسْقُطُ الْأُجْرَةُ بِإِسْلَامِ الذِّمِّيِّ . 3 - وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تَجِبُ بِالْعَقْدِ وُجُوبًا غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ , وَتَسْتَقِرُّ بِانْقِضَاءِ الزَّمَنِ كَالْأُجْرَةِ , فَكُلَّمَا مَضَتْ مُدَّةٌ مِنْ الْحَوْلِ اسْتَقَرَّ قِسْطُهَا مِنْ جِزْيَةِ الْحَوْلِ .
الثَّانِي: الْمَوْتُ: