إن هؤلاء وغيرهم كثير عندما انزلقوا في هذا الطريق الموحش، وألفوا هذه الحياة، أدركوا رغم كل ما قدموه للسلطان أنهم لن يستطيعوا إرضاءه، وأنهم لن يبلغوا ما بلغه زملاؤهم العلمانيون، وما ذلك إلا لبقايا من دين في قلوبهم، ورغم ذلك فقد أصروا على المضي في هذا الطريق وعز عليهم التوبة الصادقة، وهذه عاقبة من طلب رضى الناس بسخط الله.
نصيحة:إن هذه الحياة الدنيا لا تساوي عند الله سبحانه وتعالى جناح بعوضة، لأنها متاع زائل لا محالة مهما طال أجل المرء، وعلا شأنه، وكثر ماله، وعندما تبلغ الروح الحلقوم تتراءى الأعمال أمام ناظري المتوفى فيتمنى أن يخرج من هذه الدنيا لا له ولا عليه. قال الله جلَّ وعلا على لسان مؤمن آل فرعون الذي كان يعظ قومه ويحذرهم من سوء العاقبة:
{ يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع، وإن الآخرة هي دار القرار، من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها، ومن عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب } [غافر: 39 - 40] .
إن هؤلاء العلماء المتأخرين الذين نعنيهم في هذا البحث: يشرحون هذه الآية ومثيلاتها في دروسهم ومواعظهم وخطبهم شرحًا وافيًا، ويستخرجون منها العبر والعظات، ويستدلون بأمثلة من أحوال الأمم الغابرة، فكيف بالله لا يتعظون بما يقولون:
{ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتًا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون } .
إن الصغير فيهم قد أصبح على مشارف الستين، ومن بلغ هذا السن فقد صار مثل الزرع في أوان حصاده، قال ابن المبارك:
يا طالب العلم بادر الورعا
يا أيها الناس أنتم عشب
لا يحصد المرء عند فاقته ... وهاجر النوم واهجر الشبعا
يحصده الموت كلما طلعا
إلا الذي في حياته زرعا (1)
(1) - جامع بيان العلم وفضله، لابن عبر البر: 1/193.