يؤثِّر مرور الزمن على هؤلاء الشيوخ، فيألفون المنكرات اليومية التي يرونها، والتي كانوا من قبل يقيمون النكير على فاعليها، وتتضاعف عندهم الرغبة في التماس الأعذار، ولو أراد باحث جمع فتاويهم بين القديم والحديث لوجد تناقضات مخجلة: فالمستحيل أصبح ممكنًا، والمقطوع بأمره صار يحتمل عدة وجوه، والحكم بغير ما أنزل الله أخرجوه من أقسام التوحيد، ومن خالفهم أضافوا اسمه إلى قوائم الخوارج والمبتدعة والمتطرفين الإرهابيين.
وإن مما لا ينقضي منه العجب أن هؤلاء الشيوخ يعرفون حقيقة ما يجري من انحرافات خطيرة، وأعمال مكفرة لأنهم على صلة قوية بالنظام وبعامة أهل الخير في مختلف مرافق الدولة، وينقلون إليهم الأمور بالوثائق والأرقام، وتمر بهم أحيانًا حالات إحباط فيقولون لخاصة جلسائهم كلامًا شبيهًا بالكلام الذي يقوله من يرمونهم بالتطرف والابتداع، غير أن ولاة الأمور يسارعون إلى استرضاء الشيوخ، وامتصاص المشكلة التي أغضبتهم، فيعودون بعد هذا الاسترضاء إلى سيرتهم السابقة في الثناء على ولاة أمورهم، وفي التماس الأعذار لهم، ولما كان أثر هذا الصنف من الشيوخ لا يقارن بأثر الصنف الأول الذين مردوا على النفاق، وبالغوا في تقديس السلاطين والتقيد بتعليماتهم وأوامرهم، لذا فقد رأينا مناقشة أهم الشبهات التي يثيرونها لعل في ذلك خيرا ً لنا ولهم.
كلما طلب الناس من هؤلاء إنكار منكرات السلاطين وبطانتهم قالوا: تجنبوا طرح هذه المسائل لأنها تثير الفتنة. مع أن هذه المنكرات قد تصل إلى حد الكفر البواح.. فما هو المفهوم الشرعي لمصطلح الفتنة، وما هو موقف أئمة السلف من هذا المفهوم؟!، هذا ما سنبينه فيما يلي:
قال تعالى: { ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني، ألا في الفتنة سقطوا، وإن جهنم لمحيطة بالكافرين } [التوبة: 50] ، وقال تعالى: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله } [الأنفال: 39] .