-ومنهم من وضع شروحًا وحواشي لخطبة من خطب ولي أمره مع أن مثل هذه الخطب تعتبر مادة لنوادر وطرائف يتناقلها الناس ويشبعون ضحكًا منها وسخرية بها.
-وأكثر هؤلاء أفتوا بإباحة دماء العلماء والدعاة الذين أقدم الجلادون على سفك دمائهم من غير حق.
وقصارى القول: فإن هؤلاء المحسوبين على زمرة العلماء يؤثرون الدنيا على الآخرة، ويأكلون بألسنتهم، ويأمرون الناس بالمعروف وينسون أنفسهم، ومن كان منهم عالمًا فإنه ممن لم ينتفعوا بعلمهم... وهذه الصفات تدفعهم إلى الإفتاء بكل ما يطلبه الظلمة منهم.
هناك صنف آخر من العلماء اشتهروا بين الناس بالعلم والصلاح والورع، وتجنبوا في حياتهم الخاصة والعامة مواطن الشبهات، مثل التسكع على أعتاب السلاطين، وتزيين قبائحهم، والنفاق لهم، وقد أكسبتهم هذه الصفات شعبية واسعة، ومكانة مرموقة داخل بلدانهم وخارجها، ولهذا يتطلع الناس إليهم في الملمات ينتظرون ماذا سيقولون، وإذا حددوا مواقفهم تبعهم في ذلك خلق كثير.
السلطان بخبثه ودهائه، ثم بمكر مخابراته وكبار مستشاريه من شياطين العلمانية، يسعى إلى هؤلاء العلماء، ويطلب منهم بإلحاح قبول الوظائف الدينية الكبيرة، ويعدهم بالتعاون معهم من أجل إجراء إصلاحات واسعة في سائر مرافق الدولة.
وبعد وقوع هؤلاء العلماء في شراكه، يرتب كيفية عملهم، ويضعهم في موضع من يتأثر ولا يؤثر، بحيث لو أرادوا الخروج على قواعد اللعبة المرسومة لهم لما وجدوا إلى ذلك سبيلًا، لأن الذي اختارهم هو الذي اختار مساعديهم وحتى صغار الموظفين في مكاتبهم، وماذا يفعل المرء إذا أراد أن يسير في اتجاه لا يساعده على السير فيه أقرب الناس إليه؟!.