إن العلماء المعنيين لا يجهلون هذه الأحكام التي عرضناها، ومع ذلك فقد سئلوا وألح عليهم السائلون فكتموا ما أوجب الله عليهم بيانه والصدع به، وسكتوا عن بيان قواعد الدين وإسقاطها على الواقع خوفًا من السلطان، والله جلَّ وعلا أحق بالخوف والخشية من أعتى سلاطين أهل الأرض، وهذه والله هي الفتنة!!.
وإذا كنا نتفق مع المخالفين في الإقتداء بأئمة السلف، فلا بأس من التذكير بشيء من فهمهم للنصوص الآنفة الذكر، مع الإشارة إلى بعض مواقفهم في إنكار المنكر وعدم كتمان العلم:
1 -أبو حنيفة النعمان: رفض الأعطيات التي كان يعرضها عليه أبو جعفر المنصور، وقال لرسول الخليفة:"ما وصلني أمير المؤمنين في ماله بشيء فرددته، ولو وصلني بذلك لقبلته إنما أوصلني أمير المؤمنين من بيت مال المسلمين ولا حق لي في بيت مالهم، إني لست ممن يقاتل من ورائهم، فآخذ ما يأخذه المقاتل، ولست من ولدانهم فآخذ ما يأخذه الولدان، ولست من فقرائهم فآخذ ما يأخذه الفقراء".
ورفض رئاسة القضاء، وعُذب من أجل ذلك، فكان رده على المنصور:"... إن هذا دعاني للقضاء فأعلمته أني لا أصلح، ولا يصلح للقضاء إلا رجل يكون له نفس يحكم بها عليك، وعلى ولدك وقوادك، وليس تلك النفس لي، إنك لتدعوني فما ترجع نفسي حتى أفارقك" (1) .
2 -مالك بن أنس: بدأت محنة الإمام مالك في درس من دروسه التي كان يقررها في المسجد النبوي بالمدينة، وذلك عندما شرح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ليس على مستكره طلاق"ووجد المناوئون لحكم أبي جعفر المنصور في هذا الحديث مستندًا قويًا على التحلل من بيعته لأنها جاءت عن طريق الإكراه، إذ قاسوا البيعة على الطلاق، فقالوا:"وليس على مستكره بيعة".
(1) - انظر تاريخ بغداد: 13/328، والمناقب للمكي: 1/215.