إنه لا شيء كان يمنع الإمام النووي رحمه الله من وقوف هذه المواقف الجريئة، لأنه رفض الألقاب والوظائف، ونأى بنفسه عن مجالس الأمراء والسلاطين، وكان طعامه خشنًا، ويكتفي بأكلة واحدة في اليوم، وينام في غرفة بمدرسة الرواحية، ولم يكن له أبناء ولا زوجة، فأي شيء يشده - رحمه الله - إلى مفاتن الدنيا وشهواتها؟!.
7 -العز بن عبد السلام: استعان الملك إسماعيل بن العادل بالصليبيين ضد أخيه نجم الدين سلطان مصر، وأعطاهم مقابل ذلك صيدا [حسب رواية السبكي] وقلعة صفد وغيرها [حسب رواية المقريزي] ، ثم سمح للصليبيين بدخول دمشق بقصد شراء السلاح وسائر آلات الحرب.
وقف سلطان العلماء العز بن عبد السلام بوجه هذه الخيانة (1) وأفتى بتحريم بيع السلاح، ثم صعد منبر الجامع الأموي حيث كان خطيبه الرسمي وأعلن فتواه المشهورة بتحريم بيع السلاح للصليبيين ثم قطع من الخطبة الدعاء للسلطان إسماعيل، وهذا يعني نزع البيعة له ثم راح يدعو الدعاء التالي والناس يضجون بالتأمين على دعائه:"اللهم أبرم لهذه الأمة إبرام رشد يُعزُ فيه أولياءك، وتذل فيه أعداءك، ويعمل فيه بطاعتك، وينهى فيه عن معصيتك".
كان السلطان الصالح إسماعيل خارج دمشق، وعندما جاءه الخبر أمر بعزل الشيخ ابن عبد السلام من خطبة الجمعة ومن سائر وظائفه، واعتقاله مع صاحبه الشيخ ابن الحاجب المالكي لاشتراكه معه في هذا الإنكار، ثم لما قدم دمشق أمر بالإفراج عنهما، وفرض الإقامة الجبرية على العز بن عبد السلام.
(1) - أكثر من هذا يحدث اليوم في كل بلد إسلامي، ولا نجد عالمًا واحدًا من كبار علماء السلاطين يقفون الموقف الذي وقفه العز بن عبد السلام فإنا لله وإنا إليه راجعون.