أنا أفعل ذلك؟ والله إن ملكك وملك المغول لا يساوي عندي فلسًا، فتبسم السلطان لذلك وأجابه في مقابلة بما أوقع الله له في قلبه من الهيبة العظيمة: إنك والله لصادق، وإن الذي وشى بك إلي لكاذب، واستقر له في قلبه من المحبة الدينية ما لولاه لكان قد فتك به منذ دهر طويل من كثرة ما يلقى إليه في حقه من أقاويل الزور والبهتان، ممن ظاهر حاله العدالة، وباطنه مشحون بالفسق والجهالة" (1) ."
لقد كان السلطان يعلم من سيرة هذا الشيخ ومن مواقفه المجردة من الأهواء والمنافع أن ملكه وملك المغول لا يساوي عند ابن تيمية فلسًا، فكيف بما هو أدنى من ذلك كمنصب وزير أو قاضي القضاة أو غير ذلك؟، أما شيخ الإسلام فما كان يبالي بما سيفعله السلطان عندما رد عليه هذا الرد الحاسم.
إن أمة يبرز فيها أمثال ابن تيمية لابد وأن تتبوأ مكانتها القيادية المرموقة، وإذا تعرضت لانتكاسة كما حدث في غزوة التتار، فإن فشلها إلى نجاح وهزيمتها إلى نصر بإذن الله، فليتق الله الذين يبررون تخاذلهم بشواهد يستدلون بها من أقوال شيخ الإسلام، أو ليبينوا لنا كيف يقرأون ويفهمون هذه المواقف التي عرضناها؟ (( (
يقولون: إن الأوضاع العامة في بلدنا - رغم وجود بعض الأخطاء والانحرافات - أفضل مما هي عليه في البلدان المجاورة، بل من الظلم مقارنة هذا بذاك، والواجب شكر الله على نعمه الكثيرة التي أنعم بها علينا، ونسأله جل وعلا أن يجنبنا الخلافات والفتن والحروب التي تشهدها البلدان الأخرى.
وقولهم هذا عائم وغير منضبط بالضوابط الشرعية، وفيه حيدة ظاهرة عن الحق، ومن الدلائل على ذلك أن بعض العلماء والدعاة في كل بلد يستطيعون ترديد مثل هذا الادعاء، ولا يعدمون ميزة يمتازون بها عن غيرهم، وتدفعهم إلى الافتخار بها.
(1) - حياة شيخ الإسلام ابن تيمية، للشيخ محمد بهجت البيطار، ص: 15.