الصفحة 35 من 96

"ما يصنع أعدائي بي، أنا جنتي وبستاني في صدري أين رحت فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة، وكان يقول في مجلسه في القلعة:"

لو بذلت ملء الأرض ذهبًا ما عدل عندي شكر هذه النعمة، أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا إلى فيه من الخير ونحو هذا. وكان يقول في سجوده وهو محبوس:

"اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ماشاء الله. وقال لي مرة (1) : المحبوس من حبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه، ولما أدخل ووصل إلى القلعة وصار داخل سورها، نظر إليه وقال:"

[فضرب بينهم بسور له باب، باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب] . وعلم الله ما رأيت [ما يزال الكلام لابن القيم] أحدًا أطيب عيشًا منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعيم بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرجاف، وهو مع ذلك أطيب الناس عيشًا، وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرهم نفسًا، تلوح نضرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت بنا الظنون، وضاقت بنا الأرض، أتيناه فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله، فينقلب انشراحًا وقوة ويقينًا وطمأنينة" (2) ."

ومن شجاعته وترفعه عن التقرب إلى أولي النهي والسلطان ما حكاه في الكواكب قال:

"لما وشوا به إلى السلطان الأعظم الملك الناصر لدين الله، وأحضره بين يديه قال من جملة كلامه: إنني أخبرت أنك قد أطاعك الناس، وأن في نفسك أخذ الملك، فلم يكترث به، بل قال له بنفس مطمئنة وقلب ثابت، وصوت عال سمعه كثير من حضر:"

(1) - هذا النص كله يرويه عنه تلميذه ابن قيم الجوزية الذي كان محبوسًا معه في سجن القلعة.

(2) - الكلم الطيب والعمل الصالح، لابن القيم [عن كتاب حياة شيخ الإسلام ابن تيمية لمؤلفه محمد بهجت البيطار] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت