وصنف آخر: قربوا إليهم العلماء، وأسندوا إليهم وظائف كبيرة ولكنها خاوية من المضمون الفعال، وأغدقوا عليهم الأموال ومنحوهم الأراضي الواسعة والمنح المجزية، فاغتنى هؤلاء العلماء بعد فقر مدقع، وتلذذوا بنعم الدنيا التي ما كانوا يسمعون بها بعد خشونة العيش التي تربوا عليها وعاشوا في كنفها أبا عن جد، واعتادوا ركوب السيارات الفارهة، وملكوا مئات الملايين من الجنيهات والدولارات… وباتوا أسرى لما امتلكوه، وتناسوا أنهم كانوا من قبل يحذّرون الحكام مما وقعوا هم فيه، وتعذّر عليهم التخلي عن مكاسبهم ووظائفهم وأعوانهم وجلسائهم.
وهكذا كانت سياسة هذا الصنف من الحكام أكثر تدميرًا وأسوأ عاقبة من سياسة الصنف الأول، وتمكن السلاطين الذين يدّعون أنهم حماة لدين الله من نقض العديد من عرى الإسلام بعد أن ضعفت نفوس كثير من العلماء، ووقعوا في تناقضات مؤسفة، وقعدوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وصدق أبو حامد الغزالي رحمه الله فالسلاطين لا تسمح نفوسهم بعطية إلا للذين يطمعون في استخدامهم، والاستعانة بهم على أغراضهم، ولو لم يذل الآخذ نفسه بالسؤال وبالتسكع على الأعتاب، وبإظهار الحب والموالاة، وبالستر على ظلم السلاطين وفسادهم وقبائح أفعالهم، لم ينعم عليهم هؤلاء بدرهم واحد.
يطير أعضاء حزب الولاة فرحًا بكل فتوى شاذة إذا كانت مما يرضاه ويريده السلطان، ويبذلون جهدًا واسعًا من أجل تدريسها وترسيخ معانيها، ثم من أجل إشاعتها بين أكثر عدد ممكن من الناس.. ومما فعلوه في هذا المجال: جمع هذه الأقوال والفتاوى وإصدارها في كتيبات على شكل متون، وتولوا هم (!!) شرح هذه المتون بأساليبهم المتعسفة المعوجة وبألفاظهم البذيئة الشائنة.