ومن جهة أخرى فقد يكون في البلد المفضول قدر من الحرية يسمح بنقد المسؤولين وبيان أخطائهم، ثم تنتشر هذه الأخطاء والمفاسد في وسائل الإعلام ويتحدث بها القاصي والداني، في حين تنعدم هذه الحرية في البلد الفاضل [حسب ادعائهم] ولا تجرؤ وسائل الإعلام على نقد أحد كبار المسؤولين، ومن يفعل ويقترف مثل هذه الجريمة فإنه معرض لأية عقوبة، وقد تبلغ حد الموت. أما إذا اطمأن المواطنون في مجالسهم الخاصة، وداخل الأبواب المغلقة، وأمنوا شر الجواسيس، فيتحدثون عن أضعاف المفاسد التي تشهدها البلدان الأخرى، ثم لابد بعد ذلك أن تبقى بعض الانحرافات المجهولة التي لا يعرف الناس شيئًا عنها.
ومن جهة ثالثة فقد يكون نقد البلدان الأخرى وسيلة من وسائل تجنيد الدولة لهذا النوع من الدعاة في حملتها الدعائية المعادية لهذه الدولة، وليس للدعوة الإسلامية أية فائدة من هذه المهاترات الشخصية الفاجرة.
ومن جهة رابعة فقد يكون الحال في بلد من البلدان أفضل حالًا مما هو عليه في البلدان الأخرى، ومع ذلك فإن هذه الحقيقة لا تعفي العلماء والدعاة من وجوب إنكار المنكر في بلدهم، وبيان حكمها الشرعي، وهم آثمون إذا لم ينهضوا بما أوجبه الله عليهم، ولندلل على ذلك بالمثال الآتي:
لنفترض أن السلطان في البلد الفاضل أصدر مرسومًا تشريعيًا يسمح بإقامة بنوك ربوية، وينظم مقدار الفائدة، وبموجب هذا القانون أصبحت هذه البنوك بأبنيتها الشاهقة معلمًا من معالم المدن داخل البلد المشار إليه، ويستطيع أي باحث لهذه المسألة أن يتوصل لمعلومات دقيقة عن تعامل هذه الدولة: مع صندوق النقد الدولي، ومع البنوك العالمية والمحلية، وعن مقدار الاستثمارات الربوية في البنوك الغربية وغيرها.