الصفحة 24 من 96

إذا شئنا الحديث عن وظائف العز بن عبد السلام التي عزل عنها بلغة هذا العصر، فهي: وزارة المعارف، ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ووزارة الإعلام، أو معظم أقسام هذه الوزارات، وهذا مما لا يطمع به أي عالم من علماء السلاطين اليوم، ومع ذلك فهو لم يتردد في التخلي عنها إرضاء لله سبحانه وتعالى. يقول تلميذه القرافي أن بعض أرباب الدولة كتب إليه يحضه على الاجتماع بملك وقتهم، والتردد إليه ليكون ذلك مقيمًا لجاهه وكابتًا لعدوه، فقال:"قرأت العلم لأكون سفيرًا بين الله وبين خلقه وأتردد إلى أبواب هؤلاء؟!".

ولما كان التطبيق العملي يبين معادن الرجال، ويكشف ما تكنه الصدور، فإن رد العز بن السلام على بعض خواص السلطان الذين جاؤوه يعرضون عليه الاعتذار مقابل العودة إلى وظائفه المغرية خير دليل على أنه يتبع القول العمل.

قالوا له: بينك وبين أن تعود إلى مناصبك وما كنت عليه أن تنكسر للسلطان وتقبل يده لا غير.

قال: والله ما أرضاه أن يقبل يدي فضلًا عن أن أقبل يده. يا قوم أنتم في واد وأنا في واد، الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به.

قالوا: يا شيخ قد رسم لنا أن توافق على ما يطلب منك، وإلا اعتقلناك.

قال: افعلوا ما بدا لكم، ثم أخذوه معتقلًا في خيمة مجاورة لخيمة السلطان.

وقعت الحرب بين الأخوين، وأسفرت عن انتصار السلطان نجم الدين أيوب على السلطان إسماعيل وحلفائه الصليبيين. ونجا الشيخ ابن عبد السلام من الأسر، ثم دخل مصر معززًا مكرمًا، وتولى منصب قاضي القضاة فيها... ولكن: هل أخلد الشيخ إلى الراحة، وشغله منصبه الرفيع عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟، وعنده مسوغات كثيرة لو شاء اتخاذ مثل هذا القرار.

يقول السبكي: لم يثبت عند الشيخ أن أمراء الدولة الأتراك أحرار، ولهذا فإن حكم الرق مستصحب عليهم لبيت مال المسلمين، وقام الشيخ بإبلاغهم ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت