الصفحة 17 من 96

"وهذه الآية وإن كانت نزلت في خاصِّ من الناس، فإنها معنيٌّ بها كل كاتم علمًا فرض الله تعالى بيانه للناس، وذلك نظير الخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: [من سئل عن علم يعلمه فكتمه، أُلجِمَ يوم القيامة بلجام من نار] " (1) .

وقال صاحب المنار:

"إن العبرة في الآية هي أن حكمها عام وإن كان سببها خاصًا، فكل من يكتم آيات الله وهدايته عن الناس فهو مستحق لهذه اللعنة. ولما كان هذا الوعيد وأشباهه حجة على الذين لبسوا لباس الدين من المسلمين وانتحلوا الرئاسة لأنفسهم بعلمه، حاولوا التفصي منه، فقال بعضهم: إن الكتمان لا يتحقق إلا إذا سئل العالم عن حكم الله تعالى فكتمه، وأخذوا من هذا التأويل قاعدة هي أن العلماء لا يجب عليهم نشر ما أنزل الله تعالى ودعوة الناس إليه وبيانه لهم، وإنما يجب على العالم أن يجيب إذا سئل عما يعلمه وزاد بعضهم: إذا لم يكن هناك عالم غيره وإلا كان له أن يحيل على غيره."

وهذه القاعدة مسلمة عند أكثر المنتسبين إلى العلم اليوم وقبل اليوم بقرون، وقد ردها أهل العلم الصحيح فقالوا: إن القرآن الكريم لم يكتف بالوعيد على الكتمان، بل أمر ببيان هذا للناس، وبالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأوعد من يترك هذه الفريضة، وذكر لهم العبر فيما حكاه عن الذين قصروا فيها من قبل... وختم كلامه بقوله:

ما ورد عن تدافع علماء السلف في الفتوى فإنما هو في الوقائع العملية الاجتهادية، التي تعرض للناس، لا في الدعوة إلى مقاصد الدين الثابتة بالنصوص وسياجها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (2) ."

(1) - تفسير الطبري، دار المعارف بمصر: 3/252، وخرج أحمد شاكر الحديث فقال: هذا حديث صحيح رواه أحمد في المسند من حديث أبي هريرة، وخرجناه في شرح المسند، وفي صحيح ابن حبان بتحقيقنا.

(2) - تفسير المنار: 2/51.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت