-والفتنة في مسارعة هذا البعض من العلماء إلى إصدار الفتاوى التي ترضي السلطان، وتهيئ له الفرصة للبطش بالعلماء والدعاة الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، وتمكنه من شق صف العلماء وزعزعة موقفهم أمام عدوهم.
-والفتنة أيضًا في اقتتال المسلمين فيما بينهم، وقد وردت آيات وأحاديث كثيرة في هذا الشأن منها ما رواه البخاري عن سعيد بن جبير قال:"خرج علينا عبد الله بن عمر فرجونا أن يحدثنا حديثًا حسنًا، قال: فبادرنا إليه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن! حدثنا عن القتال في الفتنة والله يقول { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } فقال: هل تدري ما الفتنة ثكلتك أمك؟ وإنما كان محمد صلى الله عليه وسلم يقاتل المشركين، وكان الدخول في دينهم فتنة وليس كقتالكم" (1) .
إن ما يطلبه الناس من العلماء هو بيان حكم الشرع فيمن استبدل شريعة الطاغوت بشريعة الله، وليس المطلوب منهم حمل السلاح أو دعوة الناس إلى ذلك... ولا يجوز لهم كتمان ما ائتمنهم الله عليه، قال تعالى: { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه، فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلًا فبئس ما يشترون } [آل عمران: 187] .
ولعن الله الذين كفروا من بني إسرائيل لأنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، قال تعالى: { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون } [المائدة: 78 و 79] .
وكل من يفعل فعل الذين كفروا من بني إسرائيل يستحق اللعنة، قال تعالى: { إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون } [البقرة: 159] وللمفسرين أقوال مهمة في تفسير هذه الآية: قال الطبري:
(1) - رواه البخاري في الجامع الصحيح، كتاب الفتن 8/95.