لا أعتقد أن في هذا القول المختصر الذي عرضناه جديدًا عليكم، ولا أعتقد أن هناك واحدًا بينكم لم يسرد هذه الشواهد والأدلة في معرض رده على المقلدين المتعصبين الذين لا يرون حلالًا ولا حرامًا إلا من خلال ما يقرره شيوخهم، فما بالكم غفر الله لنا ولكم وقعتم فيما وقعوا به؟!، ألأنكم وثقتم من منهج شيوخكم، وهذا أيضًا ما تأخذونه على غيركم، فللشيخ مهما كان فاضلًا زلات، وأهواء، وسقطات ولا يجوز اتباعه فيها.
يا قوم: مما تحاججون به المقلدين المتعصبين أنه لا يجوز تقديم قول أبي بكر وعمر على قول الله ورسوله، وتحتجون أيضًا بقول ابن عباس الذي رواه عنه الإمام أحمد:"ليس منا أحد إلا يؤخذ من وقوله ويدع، غير النبي صلى الله عليه وسلم".
أي ليس من الصحابة والتابعين ومن تبعهم من الأئمة الأعلام إلا يؤخذ من قوله ويدع، وهذا الذي ندع قوله يبقى عالمًا فاضلًا مشهودًا له بالصلاح والصدق، ولكن لا نتبعه في زلته أو في اجتهاد قد أخطأ فيه.. فما الذي أصابكم حتى وضعتم شيوخكم في مرتبة دونها مرتبة أبي بكر وعمر وغيرهما من رجال الرعيل الأول (1) ؟!.
يا قوم: أعيدوا النظر بمواقفكم، ولا تزنوا الأقوال بقيمة قائليها في نفوسكم، وإنما بمقدار قربها من الصواب، وراجعوا ما نعرضه عليكم من أقوال في هذه المسألة التي اختلفنا فيها مع شيوخكم، وستعلمون حينئذ أن عندنا على ذلك أدلة من كتاب الله ومن سنة نبيه، ومن أقوال الصحابة، بل ومن إجماعهم في بعض الحالات، وعندنا شواهد من أقوال أئمة الإسلام وقد عرضنا نماذج منها فيما مضى من هذا البحث، كما أن عندنا شواهد من أقوال ومواقف شيوخ شيوخكم، ومن أقوال شيوخكم قبل أن يغيروا مواقفهم، واعلموا بعد ذلك كله أن هذا الذي نتبناه وندعو إليه ليس حالة شاذة لم نسبق إليها.
(1) - كان ذلك عن تسرع منهم يخالف ما هم عليه من تمسك بمنهج أهل الحق.