إن غشيان العلماء لمجالس الأئمة العدول بقصد تذكيرهم بيوم الحشر والمعاد، وتحذيرهم من الركون إلى الدنيا، وتبليغهم بمظالم الرعية التي لم تبلغهم واجب شرعي لقوله صلى الله عليه وسلم:"الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" (1) ، بل هو [النصح] أصل عظيم من أصول الإسلام، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم عندما يبايع أحدًا، يشترط عليه النصح لكل مسلم. قال جرير بن عبد الله رضي الله عنه:"بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم" (2) .
أما إذا كان السلطان ظالمًا مفسدًا كذابًا، لا يقبل نصحًا، ولا يفي بوعد، فقد وردت الآثار باعتزال مجلسه، ورفض أعطياته.
-عن كعب بن عجرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم:"سيكون بعدي أمراء، فمن دخل عليهم فصدَّقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه وليس بوارد علي الحوض، ومن لم يدخل عليهم ولم يعنهم على ظلمهم ولم يُصدِّقهم بكذبهم، فهو مني وأنا منه وهو وارد عليّ الحوض" (3) .
قال أبو سليمان الخطابي:"ليت شعري من الذي يدخل إليهم اليوم فلا يصدقهم على كذبهم، ومن الذي يتكلم بالعدل إذا شهد مجالسهم، ومن الذي ينصح ومن الذي ينتصح منهم؟ إن أسلم لك يا أخي في هذا الزمان وأحوط لدينك أن تقلَّ من مخالطتهم وغشيان أبوابهم ونسأل الله الغنى عنهم والتوفيق لهم" (4) .
(1) - رواه مسلم في كتاب الإيمان.
(2) - رواه مسلم في كتاب الإيمان، وانظر كتاب الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة، مصدر سابق، ص:408 .
(3) - رواه الترمذي في الفتن، ورواه أحمد عن ابن عمر، وقال أحمد شاكر: صحيح الإسناد: 8/62، من المسند [عن الإمامة العظمى، ص: 400] .
(4) - العزلة والخلطة [عن الإمامة العظمى، ص: 401] .