"إن الظلمة في العصر الأول لقرب عهدهم بزمان الخلفاء الراشدين كانوا مستشعرين من ظلمهم ومتشوفين إلى استمالة قلوب الصحابة والتابعين وحريصين على قبولهم عطاياهم وجوائزهم، وكانوا يبعثون إليهم من غير سؤال وإذلال. بل كانوا يتقلدون المنة بقبولهم ويفرحون به، وكانوا يأخذون منهم ويفرقون ولا يطيعون السلاطين في أغراضهم ولا يغشون مجالسهم ولا يكثرون جمعهم ولا يحبون بقاءهم بل يدعون عليهم ويطلقون اللسان فيهم وينكرون المنكرات منهم عليهم، فما كان يحذر أن يصيبوا من دينهم بقدر ما أصابوا من دنياهم ولم يكن بأخذهم بأس، فأما الآن فلا تسمح نفوس السلاطين بعطية إلا لمن طمعوا في استخدامهم والتكثر بهم والاستعانة بهم على أغراضهم والتجمل بغشيان مجالسهم وتكليفهم المواظبة على الدعاء والثناء والتزكية والإطراء في حضورهم ومغيبهم، فلو لم يذل الآخذ نفسه بالسؤال أولًا، وبالتردد بالخدمة ثانيًا، وبالثناء والدعاء ثالثًا، وبالمساعدة له على أغراضه عند الاستعانة رابعًا، وبتكثير جمعه في مجلسه وموكبه خامسًا، وبإظهار الحب والموالاة والمناصرة على أعدائه سادسًا، وبالستر على ظلمه ومقابحه ومساوئ أعماله سابعًا، لم ينعم عليه بدرهم واحد ولو كان في فضل الشافعي رحمه الله مثلًا (1) ، فإذًا لا يجوز أن يؤخذ منهم في هذا الزمان ما يعلم أنه حلال لإفضائه إلى هذه المعاني فكيف ما يعلم أنه حرام أو يشك فيه؟ فمن استجرأ على أموالهم وشبّه نفسه بالصحابة والتابعين فقد قاس الملائكة بالحدادين" (2) اهـ.
(1) - للشافعي رحمه الله فضائل كثيرة، ولكن إفراد أبي حامد الغزالي لاسمه في هذا الموضع دليل على تعصبه المذهبي.
(2) - إحياء علوم الدين، لأبي حامد الغزالي: 2/139.