ولما كان الحكام لا يهتمون بشيء كما يهتمون بمناصبهم وبطاعة الناس لهم، ولما كان العلماء خيرًا لهم من أسطول إعلامي ضخم، لهذا وذاك فقد سعوا منذ القديم إلى كسب ود العلماء، واستخدموا معهم سلاح الترغيب تارة، وسلاح الترهيب تارة أخرى، ووجدوا بعد خبرة طويلة أن الترغيب أعظم نفعًا وأكثر جدوى من الترهيب، وهذا الذي كان يحذّر منه أئمة السلف رحمهم الله، يقول سفيان الثوري:"ما أخاف من إهانتهم لي إنما أخاف من إكرامهم فيميل قلبي إليهم (1) ."
وكان أبو حامد الغزالي رحمه الله يفتي بعدم جواز أخذ أعطيات الظالمين وقبول ولاياتهم، فقال له بعض الذين يخالفونه فيما أفتى به: إن بعض الصحابة والتابعين كانوا يأخذون أعطيات وجوائز الظالمين، فكان له هذا القول الجميل في الرد عليهم:
(1) - تلبيس إبليس، ابن الجوزي، دار الفكر، ص: 122.