إن السلطان يشترط فيمن يختارهم من العلماء شروطًا تختلف عن الشروط التي أشار إليها الإمام أحمد وغيره من الأئمة؛ فهو [السلطان] لابد أن يستفتي أجهزة أمنه أولًا، وهذه الأجهزة تقدم له تقريرًا كاملًا عن الشيخ ومدى استعداده لإطاعة السلطة، ثم تبيّن له نقاط الضعف التي يسهل اختراقه من خلالها... وإذا جاء هذا التقرير موافقًا لرغبة السلطان، فغير مهم أمر العلم (1) ، ويكفي الشكل، والقدرة على الخطابة، وأن يكون معروفًا بين العامة أنه من زمرة العلماء، أما الحديث عن الحلم والسكينة والوقار فتتعارض مع وقوف الشيخ الساعات الطوال على أعتاب السلطان ينتظر الإذن بالدخول، وأما معرفة الناس فيتم معظمها عن طريق مؤسسات الدولة، والقائمون على هذه المؤسسات يعرفون كيف يحددون مناط الفتوى للشيخ.
رحم الله الإمام أبي حنيفة كم كان مصيبًا في قوله للمنصور:
"إن هذا دعاني للقضاء فأعلمته أني لا أصلح، ولا يصلح للقضاء إلا رجل يكون له نفس يحكم بها عليك، وعلى ولدك، وقوادك، وليس تلك النفس لي، إنك لتدعوني فما ترجع نفسي حتى أفارقك" (2) .
الخلاصة: واجه علماؤنا الذين نعتز بهم الظالمين بظلمهم وانحرافاتهم، وكانوا لا يخشون في صدعهم بالحق أحدًا إلا الله تعالى، وفيما يلي تلخيص لأهم مواقفهم التي أوضحناها في الصفحات الماضية:
-كانوا ينأون بأنفسهم عن مجالسة الظالمين والتزلف لهم وقبول وظائفهم وأعطياتهم، والذين كانوا يقبلون الوظائف منهم ما كانوا يترددون في التنازل عنها عندما تتعارض مع مواقفهم الثابتة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(1) - اطلعت قبل أشهر على أقوال لشيخ الأزهر ومفتي مصر في الرافضة وفي أمور أخرى تنم عن جهل يترفع عنه حتى المبتدئ في طلب العلم.
(2) - مر معنا هذا القول فيما ذكرناه عن الإمام أبي حنيفة.