بعد هذا الانتصار الفاصل كان لابد للمسلمين المجاهدين من تأديب: النصارى، والنصيريين، والرافضة، والاسماعيليين الذين غدروا بالمسلمين، وقدّموا جميع أنواع الدعم للغزاة، كما تعاونوا من قبل مع جحافل الغزاة الصليبيين، وسوف تبقى الجبهة الداخلية ضعيفة ومفككة إذا ترك الحبل على غاربيه لهؤلاء الخونة العملاء. لا سيما وأن شيخ الإسلام ابن تيمية - وهو الخبير بأساليب الباطنيين - يعلم حق العلم أن الرافضي الخبيث ابن العلقمي - وزير المستعصم بالله المستنصر آخر الخلفاء العباسيين - استغل ثقة الخليفة به، فقام بدور لا مثيل له في تاريخنا الإسلامي: فهو من جهة كان يراسل"هولاكو"الوثني قائد جيش التتار بعد احتلاله لإيران ويحرّضه على احتلال بغداد، ومن جهة أخرى فقد أشار على المستعصم المثول بين يدي هولاكو عندما اقتربت جيوشه من عاصمة الإسلام، ومن جهة ثالثة فقد أقنع القائد التتري بقتل الخليفة، ففعل وقتل معه سبعمائة راكب من القضاة والفقهاء وسائر أعيان الدولة وأركانها عندما مثلوا بين يديه. ثم دخل طاغية التتار بغداد يتقدمهم الرافضي ابن العلقمي. وزميله الرافضي نصير الدين الطوسي الذي اتخذه هولاكو ليكون في خدمته كالوزير المشير… وفي بغداد قتل التتار كل من قدروا عليه: من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان، ودخل كثير من الناس في الآبار، وقنى الوسخ، وكمنوا كذلك أيامًا لا يظهرون، وكان الجماعة من الناس يجتمعون إلى الخانات ويغلقون عليهم الأبواب، فيفتحها التتار إما بالكسر وإما بالنار، ثم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي الأمكنة فيقتلونهم بالأسطحة حتى يجري الميازيب من الدماء بالأزقة (1) .
(1) - البداية والنهاية، أحداث سنة 656 هـ: 13/200 مع الاختصار والتصرف اليسير.