الصفحة 10 من 96

انتبه الشيخ رشيد رضا رحمه الله إلى أهمية هذه المسألة، فكتب يقول:"... ولم أر قولًا لأحد جمع به بين كل ما ورد من الآيات والأحاديث في هذا الباب، ووضع كلًا منها في الموضع الذي يقتضيه سبب وروده مراعيًا اختلاف الحالات في ذلك، مبينًا مفهومات الألفاظ بحسب ما كانت تستعمل به في زمن التنزيل دون ما بعده. مثال هذا لفظ (الجماعة) إنما كان يراد بها جماعة المسلمين التي تقيم أمر الإسلام بإقامة كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولكن صارت كل دولة أو إمارة من دول المسلمين تحمل كلمة الجماعة على نفسها، وإن هدمت السنة، وأقامت البدعة، وعطلت الحدود، وأباحت الخمور. ومثال اختلاف الأحوال تعدد الدول، فأيها تجب طاعته والوفاء ببيعته؟ وإذا قاتل أحدها الآخر فأيها يعد الباغي الذي يجب على سائر المسلمين قتاله حتى يفيء إلى أمر الله؟ كل قوم يطبقون النصوص على أهوائهم مهما كانت ظاهرة" (1) .

وبعد مضي أكثر من سبعين عامًا على هذه الصيحة التي أعلنها رشيد رضا في تفسيره، لا تزال الحاجة ملحة إلى صدور مثل هذه الدراسات لاسيما بعد جراءة الحكام على إصدار قرارات ما كانوا قادرين على إصدارها في مرحلة الثلاثينيات من هذا القرن لأنهم كانوا يتدرجون في نبذهم للأحكام والآداب الإسلامية مراعاة لمشاعر الأمة وخوفًا من الانفجار، أما اليوم فلم تعد بهم حاجة لهذا التدرج، وما عادت مشاعر الأمة تستحق المراعاة.

(1) - تفسير المنار: 6/367، قاله في معرض تفسيره لقول الله تعالى: { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله... } الآيتان: 36 و 37 من سورة المائدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت