لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي التَّوَسُّل بِالنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى مَعْنَى الإِْيمَانِ بِهِ وَمَحَبَّتِهِ،وَذَلِكَ كَأَنْ يَقُول:أَسْأَلُك بِنَبِيِّك مُحَمَّدٍ وَيُرِيدُ:إِنِّي أَسْأَلُك بِإِيمَانِي بِهِ وَبِمَحَبَّتِهِ،وَأَتَوَسَّل إِلَيْك بِإِيمَانِي بِهِ وَمَحَبَّتِهِ،وَنَحْوِ ذَلِكَ [1] . قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ رحمه الله:
مَنْ أَرَادَ هَذَا الْمَعْنَى فَهُوَ مُصِيبٌ فِي ذَلِكَ بِلاَ نِزَاعٍ،وَإِذَا حُمِل عَلَى هَذَا الْمَعْنَى كَلاَمُ مَنْ تَوَسَّل بِالنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بَعْدَ مَمَاتِهِ مِنَ السَّلَفِ - كَمَا نُقِل عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَعَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ - كَانَ هَذَا حَسَنًا . وَحِينَئِذٍ فَلاَ يَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ نِزَاعٌ،وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْعَوَامّ يُطْلِقُونَ هَذَا اللَّفْظَ وَلاَ يُرِيدُونَ هَذَا الْمَعْنَى،فَهَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ مَنْ أَنْكَرَ . وَهَذَا كَمَا أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُرِيدُونَ بِالتَّوَسُّل بِهِ التَّوَسُّل بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ،وَهَذَا جَائِزٌ بِلاَ نِزَاعٍ،ثُمَّ إِنَّ أَكْثَر النَّاسِ فِي زَمَانِنَا لاَ يُرِيدُونَ هَذَا الْمَعْنَى بِهَذَا اللَّفْظِ". [2] "
قلتُ:الصوابُ حملُ قولهم على هذا المعنَى المتَّفق عليه،ولا يجوزُ لنا أن نقوِّلهم ما لم يقولوا،ولا أن نبحثَ عن مقاصدهم،والأصلُ حملُ كلام المسلِم على محملٍ شرعيٍّ مقبولٍ إن أمكن ذلك،فلماذا نفترض عكس ذلك في هذه القضية ؟!.
قَال العلامة الآلُوسِيُّ رحمهُ اللهُ:
"أَنَا لاَ أَرَى بَأْسًا فِي التَّوَسُّل إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِجَاهِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى حَيًّا وَمَيِّتًا،وَيُرَادُ مِنَ الجَاهِ مَعْنًى يَرْجِعُ إِلَى صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى،مِثْل أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَحَبَّةُ التَّامَّةُ الْمُسْتَدْعِيَةُ عَدَمَ رَدِّهِ وَقَبُول شَفَاعَتِهِ،فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْل الْقَائِل:إِلَهِي أَتَوَسَّل بِجَاهِ نَبِيَّك - صلى الله عليه وسلم - أَنْ تَقْضِيَ لِي حَاجَتِي . إِلَهِي اجْعَل مَحَبَّتَك لَهُ وَسِيلَةً فِي قَضَاءِ حَاجَتِي،وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَقَوْلِك:إِلَهِي أَتَوَسَّل بِرَحْمَتِك أَنْ تَفْعَل كَذَا،إِذْ مَعْنَاهُ أَيْضًا إِلَهِي اجْعَل رَحْمَتَك وَسِيلَةً فِي فِعْل كَذَا،وَالْكَلاَمُ فِي الْحُرْمَةِ ( أَيِ الْمَنْزِلَةِ - وَالْمُرَادُ حُرْمَةُ النَّبِيِّ ) كَالْكَلاَمِ فِي الْجَاهِ". [3]
وقال أيضًا:
(1) - الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 14 / ص 154)
(2) - مجموع الفتاوى (ج 1 / ص 221) .
(3) -تفسير الألوسي 6 / 128 . وتفسير الألوسي (ج 4 / ص 475) الشاملة2