وقد استفاض ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى حول تسخير الإنس الكفار للجنِّ الكفار،بما يشتبه على كثير من الناس أنه نوع من الكرامة، وإذا صحَّ هذا مع كفر الفريقين،فيصحُّ عكسه مع إيمان الفريقين بالله تعالى والاعتماد عليه،واستمداد الحول القوة منه،وسأنقل شيئا من كلام ابن تيمية رحمه الله بما يدلُّ على الجواز والمراد،قال رحمه الله:"وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَخْدِمُهُمْ فِي أُمُورٍ مُبَاحَةٍ إمَّا إحْضَارِ مَالِهِ أَوْ دَلَالَةٍ عَلَى مَكَانٍ فِيهِ مَالٌ لَيْسَ لَهُ مَالِكٌ مَعْصُومٌ أَوْ دَفْعِ مَنْ يُؤْذِيهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَذَا كَاسْتِعَانَةِ الْإِنْسِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضِ فِي ذَلِكَ". [1]
ثم يقول:
"النَّوْعُ الثَّالِثُ:أَنْ يَسْتَعْمِلَهُمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ كَمَا يُسْتَعْمَلُ الْإِنْسُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ فَيَأْمُرَهُمْ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ وَيَنْهَاهُمْ عَمَّا نَهَاهُمْ اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ كَمَا يَأْمُرُ الْإِنْسَ وَيَنْهَاهُمْ .وَهَذِهِ حَالُ نَبِيِّنَا - صلى الله عليه وسلم - وَحَالٌ مَنِ اتَّبَعَهُ وَاقْتَدَى بِهِ مِنْ أُمَّتِهِ وَهُمْ أَفْضَلُ الْخَلْقِ،فَإِنَّهُمْ يَأْمُرُونَ الْإِنْسَ وَالْجِنَّ بِمَا أَمَرَهُمْ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ،وَيَنْهَوْنَ الْإِنْسَ وَالْجِنَّ عَمَّا نَهَاهُمْ اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ ؛ إذْ كَانَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - مَبْعُوثًا بِذَلِكَ إلَى الثَّقَلَيْنِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ،وَقَدْ قَالَ اللَّهُ لَهُ:"قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ" (يوسف:108) ، وَقَالَ:"قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" (31) سورة آل عمران . وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا نَادَى يَا سَارِيَةُ الْجَبَلَ قَالَ:إنَّ لِلَّهِ جُنُودًا يُبَلِّغُونَ صَوْتِي [2] . وَجُنُودُ اللَّهِ هُمْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَمِنْ صَالِحِي الْجِنِّ فَجُنُودُ اللَّهِ بَلَّغُوا صَوْتَ عُمَرَ إلَى سَارِيَةَ وَهُوَ أَنَّهُمْ نَادَوْهُ بِمِثْلِ صَوْتِ عُمَرَ،وَإِلَّا نَفْسُ صَوْتِ عُمَرَ لَا يَصِلُ نَفْسُهُ فِي هَذِهِ الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ [3] ،وَهَذَا كَالرَّجُلِ يَدْعُو آخَرَ وَهُوَ بَعِيدٌ عَنْهُ فَيَقُولُ:يَا فُلَانُ،فَيُعَانُ عَلَى ذَلِكَ فَيَقُولُ الْوَاسِطَةُ بَيْنَهُمَا يَا"
(1) -ابن تيمية، دقائق التفسير،ج 2 ص 139 - 141.
(2) - قول عمر"إنَّ لِلَّهِ جُنُودًا يُبَلِّغُونَ صَوْتِي"لم أجده بهذا اللفظ.
(3) - قلت:طالما أنها كرامة ، والكرامة خرق للعادة ، فهل يعجز الله تعالى عن إيصال صوت عمر رضي الله للمجاهدين أينما كانوا دون وسائط ؟!! فهذا التعليل فيه نظر ، لأنه يكاد يمنع الكرامة .