بِنَهَاوَنْدَ حَتَّى قَالَ لِأَمِيرِ الْجَيْشِ:يَا سَارِيَةَ الْجَبَلَ مُحَذِّرًا لَهُ مِنْ وَرَاءِ الْجَبَلِ لِكَمِينِ الْعَدُوِّ هُنَاكَ،وَسَمَاعُ سَارِيَةَ كَلَامَهُ وَبَيْنَهُمَا مَسَافَةُ شَهْرَيْنِ [1] ،وَشُرْبُ خَالِدٍ السُّمَّ مِنْ غَيْرِ تَضَرُّرٍ بِهِ [2] .وَقَدْ جَرَتْ خَوَارِقُ عَلَى أَيْدِي الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ لَا يُمْكِنُ إنْكَارُهَا
(1) - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، بَعَثَ جَيْشًا , وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا يُدْعَى سَارِيَةَ قَالَ:فَبَيْنَا عُمَرُ يَخْطُبُ قَالَ:فَجَعَلَ يَصِيحُ وهو عَلَى الْمِنْبَرِ يَا سَارِيَةُ:الْجَبَلَ ، يَا سَارِيَةُ الْجَبَلَ ، قَالَ:فَقَدِمَ رَسُولُ الْجَيْشِ , فَسَأَلَهُ , فَقَالَ:يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، لَقِينَا عَدُوَّنَا فَهَزَمُونَا وَإِنَّ الصَّائِحَ لَيَصِيحُ ، يَا سَارِيَةُ:الْجَبَلَ ، يَا سَارِيَةُ:الْجَبَلَ ، فَشَدَدْنَا ظُهُورَنَا بِالْجَبَلِ , فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ ، فَقِيلَ لِعُمَرَ:إِنَّكَ كُنْتَ تَصِيحُ بِذَلِكَ . قَالَ ابْنُ عَجْلَانَ:وَحَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ بِذَلِكَ . وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ أَوْجُهٍ ، عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ:مَا كُنَّا نُنْكِرُ وَنَحْنُ مُتَوَافِرُونَ أَنَّ السَّكِينَةَ تَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ ، وَعنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ:مَا رَأَيْتُ عُمَرَ قَطُّ إِلَّا وَكَأَنَّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ ، وَعنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ:كَانَ عُمَرُ يَقُولُ الْقَوْلَ فَنَنْتَظِرُ مَتَى يَقَعُ قَالَ الشَّيْخُ:وَكَيْفَ لَا يَكُونُ ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِنَّهُ كَانَ فِي الْأُمَمِ مُحَدَّثُونَ , فَإِنْ يَكُنْ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ فَهُوعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي جَوَازِ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ ، وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ وَلَا مُحَدَّثٍ ) ، وَقَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ كَذَلِكَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قِيلَ:كَيْفَ يُحَدَّثُ ؟ قَالَ:تَتَكَلَّمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى لِسَانِهِ ، وَذَلِكَ يُوَافِقُ مَا رُوِّينَا عَنْ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ"الِاعْتِقَادُ لِلْبَيْهَقِيِّ (289) والمقاصد الحسنة للسخاوي (1333) وهو حديث صحيح مشهور وانظر فتاوى الشبكة الإسلامية- (ج 4 / ص 739) رقم الفتوى 20692 سارية بن زنيم.. والأعجوبة التي حصلت على يديه والفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي - (ج 1 / ص 707) وفتاوى الزحيلي - (ج 2 / ص 455) والرسالة القشيرية - (ج 1 / ص 159) وبريقة محمودية في شرح طريقة محمدية وشريعة نبوية - (ج 1 / ص 497) ومدارج السالكين - (ج 3 / ص 228) والروح لابن القيم - (ج 1 / ص 113) وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب - (ج 1 / ص 447) وتاريخ الرسل والملوك - (ج 2 / ص 397) ومقدمة ابن خلدون - (ج 1 / ص 50) والبداية والنهاية لابن كثير مدقق - (ج 7 / ص 29) وتاريخ الإسلام للإمام الذهبي - (ج 1 / ص 384) وتاريخ المدينة - (ج 2 / ص 754) "
(2) - عَنْ أَبِي السَّفَرِ ، قَالَ:لَمَّا قَدِمَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ إلَى الْحِيرَةِ نَزَلَ عَلَى بَنِي الْمَرَازِبَةِ ، قَالَ:فَأُتِيَ بِالسُّمِّ فَأَخَذَهُ فَجَعَلَهُ فِي رَاحَتِهِ ، وَقَالَ:بِسْمِ اللهِ , فَاقْتَحَمَهُ , فَلَمْ يَضُرَّهُ بِإِذْنِ اللهِ شَيْئًا"مصنف ابن أبي شيبة (33724) وتاريخ دمشق - (ج 37 / ص 365) والإصابة في تمييز الصحابة [ جزء 2 - صفحة 254 ] ومعرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني (2172 ) وهو حسن لغيره"
ثُمَّ سَارَ خَالِدٌ فَنَزَلَ الْخَوَرْنَقَ وَالسَّدِيرَ وَالنَّجَفَ، وَبَثَّ سَرَايَاهُ هَا هُنَا وَهَا هُنَا، يُحَاصِرُونَ الْحُصُونَ مِنَ الْحِيرَةِ، وَيَسْتَنْزِلُونَ أَهْلَهَا قَسْرًا وَقَهْرًا، وَصُلْحًا وَيُسْرًا، وَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَنْ نَزَلَ بِالصُّلْحِ قَوْمٌ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ، فِيهِمُ ابْنُ بُقَيْلَةَ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ، وَكَتَبَ لِأَهْلِ الْحِيرَةِ كِتَابَ أَمَانٍ، فَكَانَ الَّذِي رَاوَضَهُ عَلَيْهِ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْمَسِيحِ بْنِ بُقَيْلَةَ، وَوَجَدَ خَالِدٌ مَعَهُ كِيسًا، فَقَالَ: مَا فِي هَذَا ؟ - وَفَتَحَهُ خَالِدٌ فَوَجَدَ فِيهِ شَيْئًا - فَقَالَ ابْنُ بُقَيْلَةَ: هُوَ سُمُّ سَاعَةٍ. فَقَالَ: وَلِمَ اسْتَصْحَبْتَهُ مَعَكَ ؟ فَقَالَ: حَتَّى إِذَا رَأَيْتُ مَكْرُوهًا فِي قَوْمِي أَكَلْتُهُ، فَالْمَوْتُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ. فَأَخَذَهُ خَالِدٌ فِي يَدِهِ وَقَالَ: إِنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَأْتِيَ عَلَى أَجَلِهَا. ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ خَيْرِ الْأَسْمَاءِ، رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، الَّذِي لَيْسَ يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ دَاءٌ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ: وَأَهْوَى إِلَيْهِ الْأُمَرَاءُ؛ لِيَمْنَعُوهُ مِنْهُ فَبَادَرَهُمْ فَابْتَلَعَهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ ابْنُ بُقَيْلَةَ قَالَ: وَاللَّهِ يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ لَتَمْلِكُنَّ مَا أَرَدْتُمْ مَا دَامَ مِنْكُمْ أَحَدٌ . ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَهْلِ الْحِيرَةِ فَقَالَ: لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ أَوْضَحَ إِقْبَالًا مِنْ هَذَا. ثُمَّ دَعَاهُمْ وَسَأَلُوا خَالِدًا الصُّلْحَ، فَصَالَحَهُمْ، وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا بِالصُّلْحِ، وَأَخَذَ مِنْهُمْ أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ عَاجِلَةً، وَلَمْ يَكُنْ صَالَحَهُمْ حَتَّى سَلَّمُوا كَرَامَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمَسِيحِ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ يُقَالُ لَهُ: شُوَيْلٌ. وَذَلِكَ أَنَّهُ {لَمَّا ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قُصُورَ} الْحِيرَةِ كَأَنَّ شُرَفَهَا أَنْيَابُ الْكِلَابِ، فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَبْ لِيَ ابْنَةَ بُقَيْلَةَ . فَقَالَ:"هِيَ لَكَ". فَلَمَّا فُتِحَتِ ادَّعَاهَا شُوَيْلٌ، وَشَهِدَ لَهُ اثْنَانِ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَامْتَنَعُوا مِنْ تَسْلِيمِهَا إِلَيْهِ وَقَالُوا: مَا تُرِيدُ إِلَى امْرَأَةٍ ابْنَةِ ثَمَانِينَ سَنَةً ؟ فَقَالَتْ لِقَوْمِهَا: ادْفَعُونِي إِلَيْهِ فَإِنِّي سَأَفْتَدِي مِنْهُ، وَإِنَّهُ قَدْ رَآنِي وَأَنَا شَابَّةٌ. فَسُلِّمَتْ إِلَيْهِ، فَلَمَّا خَلَا بِهَا قَالَتْ: مَا تُرِيدُ إِلَى امْرَأَةٍ ابْنَةِ ثَمَانِينَ سَنَةً ؟ وَأَنَا أَفْتَدِي مِنْكَ فَاحْكُمْ بِمَا أَرَدْتَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَفْدِيكِ بِأَقَلَّ مِنْ عَشْرِ مِائَةٍ. فَاسْتَكْثَرَتْهَا خَدِيعَةً مِنْهَا، ثُمَّ أَتَتْ قَوْمَهَا فَأَحْضَرُوا لَهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَلَامَهُ النَّاسُ وَقَالُوا: لَوْ طَلَبْتَ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ لَدَفَعُوهَا إِلَيْكَ. فَقَالَ: وَهَلْ عَدَدٌ أَكْثَرُ مِنْ عَشْرِ مِائَةٍ ؟ وَذَهَبَ إِلَى خَالِدٍ وَقَالَ: إِنَّمَا أَرَدْتُ أَكْثَرَ الْعَدَدِ. فَقَالَ خَالِدٌ: أَرَدْتَ أَمْرًا وَأَرَادَ اللَّهُ غَيْرَهُ، وَإِنَّا نَحْكُمُ بِظَاهِرِ قَوْلِكَ، وَنِيَّتُكَ عِنْدَ اللَّهِ، كَاذِبًا كُنْتَ أَمْ صَادِقًا..تاريخ الرسل والملوك - (ج 2 / ص 191) والبداية والنهاية لابن كثير محقق - موافق للمطبوع - (6 / 382