التكليف كغيرها من شعائر الدين من إمامة وجمعة وخطبة،فهي وظائف تكليفية لا يقوم بها أهل البرزخ لانقطاع التكليف عنهم واشتغالهم بما هو أعظم من ذلك .
ومن فهم من كلام أمير المؤمنين أنه إنما توسل بالعباس - ولم يتوسل برسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأن العباس حيٌّ والنبي - صلى الله عليه وسلم - ميت - فقد ماتَ فهمُه وغلب عليه وهمه ونادى على نفسه بحالة ظاهرة - أو عصبية لرأيه قاهرة،فإنما عمر لم يتوسل بالعباس إلا لقرابته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ،تلمح ذلك في قوله وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا - وهو بذلك قد توسلَ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أبلغ الوجوه .
وقد بعُد عن الصواب كل البعد من رمى المسلمين بالشرك بسبب ذلك مع قوله بجواز التوسل بالحيِّ،فإن التوسلَ لو كان شركًا ما جاز بالحيِّ ولا الميتِّ - ألا ترى أن اعتقاد الربوبية واستحقاق العبادة لغير الله من نبي أو ملك أو ولي هو شرك وكفر لا يجوز هنا في حياته الدنيا ولا الآخرة .
فهل سمعت من يقول:إن اعتقاد الربوبية لغير الله جائز إذا كان حيًا أمَّا بعد وفاته فشركٌ .
وقد عرفت أن اتخاذ المعظَّم وسيلةٌ إلى الله تعالى لا يكون عبادةً للوسيلة إلا إذا اعتقد أنه ربٌّ كما كان ذلك شأنُ عبَّاد الأوثان مع أوثانهم،فإذا لم يعتقد ذلك فيه وكان مأمورًا منه عز وجل باتخاذه وسيلةً،كان ذلك الاتخاذُ عبادة للآمرِ سبحانه وتعالى .
6-إنَّ هذا الاسترسال السابق هو في دفع شبهٍ فقط،وإلا فالصحابة رضي الله عنهم توسلوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - بعد انتقاله،ثبت ذلك عن ابن عمر،وبلال بن الحارث المزني وعائشة كما سيأتي إن شاء الله تعالى،وتقدمت الأبيات المصرحة بالتوسل بالعباس رضي الله تعالى عنه . ثم لا يخفى على اللبيب أنَّ المتوسّل لم يطلب من الميت أو الحي شيئًا،وإنما طلب من الله عز وجل فقط متوسلًا أي متقربًا إلى الله تعالى بكرامة هذا الميت أو الحي أو عمله الصالح أو نحو ذلك،فهل في هذا ونحوه عبادة للميت أو تأليه له،نعوذ بالله من المجازفة والهجوم على أعراض المسلمين .اهـ [1]
(1) - راجع رفع المنارة لتخريج أحاديث التوسل والزيارة - ج1 / ص 8) فما بعدها