فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 60

إحداهما تضمُّ ما يقدح في العدالة: كالكذب على الرسول - صلى الله عليه وسلم - ،أو التهمة به أو الكذبِ في أحاديث الناس،أو الفسق أو جهالة الراوي أو الابتداع بمكفر ونحو ذلك،فكلُّ ما كان ضعفُه ناشئًا عن مثل هذه الأسباب لا تؤثِّرُ فيه كثرةُ الطرق،ولا يرتقي عن درجة الضعف لشدةِ أسبابِ هذا الضعف،وتقاعدِ الجابر عن جبر ضعفِ المروي،نعم, قد يَرْتقي بمجموع طُرقه عن كَوْنهِ مُنْكرًا, أو لا أصل له, كما صرَّح به ابن حجر،حيث قال:"بَل ربَّما كَثُرت الطُّرقُ, حتَّى أوصلتهُ إلى درجة المَسْتُور, أو السَّيء الحفظ, بحيث إذا وجد له طريق آخر, فيه ضعفٌ قريبٌ مُحتمل, ارتقَى بمجمُوع ذلك إلى درجة الحَسَن.." [1]

والفئةُ الثانيةُ: ينطوي تحتها ما يقدحُ في الحفظ والضبط والاتصال،والأسباب القادحةُ فيهما: الغفلةُ وكثرةُ الغلط وسوءُ الحفظ والاختلاطُ والوهمُ،كوصل مرسل أو منقطع،فكلُّ ما كان ضعفُه بسببِ عدمِ ضبطِ راويه الصدوقِ الأمينِ،الذي لم تثلمْ عدالتُه فإنَّ كثرة الطرق تقويه،ويجبرُ ضعفُه بمجيئهِ من وجهٍ آخرَ؛ لأننا نعرفُ من الوجهِ الآخر أنَّ حفظَ راو الطريقِ الأول لم يختلَّ فيه ضبطُه وبهذا يرتقي من درجة الضعيفِ ضعفًا يسيرًا إلى درجةِ الحسَنِ لغيرهِ .

وَهَذَا أَيْضًا كَثِيرٌ جِدًّا . وَهُوَ فِي التَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ إلَى الْأَئِمَّةِ الْمَشْهُورِينَ مِن بَعْدِهِمْ أَكْثَرُ مِن الْعَصْرِ الْأَوَّلِ أَوْ كَثِيرٌ مِن الْقِسْمِ الْأَوَّلِ ،فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ كَانَتْ قَدْ انْتَشَرَتْ وَاشْتَهَرَتْ لَكِنْ كَانَتْ تَبْلُغُ كَثِيرًا مِن الْعُلَمَاءِ مِن طُرُقٍ ضَعِيفَةٍ، وَقَدْ بَلَغَتْ غَيْرَهُمْ مِن طُرُقٍ صَحِيحَةٍ غَيْرِ تِلْكَ الطُّرُقِ فَتَكُونُ حُجَّةً مِن هَذَا الْوَجْهِ مَعَ أَنَّهَا لَمْ تَبْلُغْ مَن خَالَفَهَا مِن هَذَا الْوَجْهِ، وَلِهَذَا وُجِدَ فِي كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِن الْأَئِمَّةِ تَعْلِيقُ الْقَوْلِ بِمُوجِبِ الْحَدِيثِ عَلَى صِحَّتِهِ فَيَقُولُ: قَوْلِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَذَا وَقَدْ رُوِيَ فِيهَا حَدِيثٌ بِكَذَا ؛ فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فَهُوَ قَوْلِي.

كما في السنن الكبرى للبيهقي (ج 8 / ص 111) برقم (16837) عَن حَنَشِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ الْكِنَانِىِّ عَن عَلِىٍّ رَضِىَ اللَّهُ عَنهُ قَالَ: بَعَثَنِى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى الْيَمَنِ فَذَكَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ ثُمَّ قَالَ قَالَ عَلِىٌّ رَضِىَ اللَّهُ عَنهُ: اجْمَعُوا فِى الْقَبَائِلِ الَّذِينَ حَضَرُوا رُبُعَ الدِّيَةِ وَثُلُثَ الدِّيَةِ وَنِصْفَ الدِّيَةِ وَالدِّيَةَ كَامِلَةً فَلِلأَوَّلِ الرُّبُعُ مِن أَجْلِ أَنَّهُ أَهْلَكَ مَن يَلِيهِ وَالثَّانِى ثُلُثُ الدِّيَةِ مِن أَجْلِ أَنَّهُ أَهْلَكَ مَن فَوْقَهُ وَالثَّالِثِ نِصْفُ الدِّيَةِ مِن أَجْلِ أَنَّهُ أَهْلَكَ مَن فَوْقَهُ وَالرَّابِعِ الدِّيَةُ كَامِلَةً فَزَعَمَ حَنَشٌ أَنَّ بَعْضَ الْقَوْمِ كَرِهَ ذَلِكَ حَتَّى أَتَوُا النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - فَلَقُوهُ عِنْدَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَصُّوا عَلَيْهِ الْقِصَّةَ فَاحْتَبَى بُرْدَهُ ثُمَّ قَالَ أَنَا أَقْضِى بَيْنَكُمْ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: إِنَّ عَلِيًّا قَضَى بَيْنَنَا فَقَصُّوا عَلَيْهِ الْقِصَّةَ فَأَجَازَهُ. فَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ أُرْسِلَ آخِرُهُ. {ج} وَحَنَشُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ غَيْرُ مُحْتَجٍّ بِهِ قَالَ الْبُخَارِىُّ: حَنَشُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ قَالَ وَقَالَ بَعْضُهُمُ ابْنُ رَبِيعَةَ يَتَكَلَّمُونَ فِى حَدِيثِهِ أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ الْمَالِينِىُّ أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِىٍّ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ حَمَّادٍ يَذْكُرُهُ عَنِ الْبُخَارِىِّ. {ق} وَأَصْحَابُنَا يَقُولُونَ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ فِى الأَوَّلِ ثُلُثَا الدِّيَةِ ثُلُثُهَا عَلَى عَاقِلَةِ الثَّانِى وَثُلُثُهَا عَلَى عَاقِلَةِ الثَّالِثِ لأَنَّهُ مَاتَ مِن فِعْلِ نَفْسِهِ وَفِعْلِ اثْنَيْنِ فَسَقَطَ ثُلُثُ الدِّيَةِ لِفِعْلِ نَفْسِهِ وَوَجَبَ الثُّلُثَانِ وَفِى الثَّانِى ثُلُثَا الدِّيَةِ ثُلُثُهَا عَلَى عَاقِلَةِ الأَوَّلِ وَثُلُثُهَا عَلَى عَاقِلَةِ الثَّالِثِ وَفِى الثَّالِثِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَةِ الثَّانِى وَالآخَرُ ثُلُثَا الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَةِ الأَوَّلِ وَالثَّانِى وَفِى الرَّابِعِ جَمِيعُ الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَةِ الثَّالِثِ وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهَا عَلَى عَاقِلَةِ الأَوَّلِ وَالثَّانِى وَالثَّالِثِ فَإِنْ صَحَّ الْحَدِيثُ تُرِكَ لَهُ الْقِيَاسُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وفي معرفة السنن والآثار للبيهقي: قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَإِنْ أَتَى رَجُلٌ امْرَأَتَهُ حَائِضًا أَوْ بَعْدَ تَوْلِيَةِ الدَّمِ وَلَمْ تَغْتَسِلْ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ وَلَا يَعُدْ ، وَقَدْ رُوِيَ فِيهِ شَيْءٌ لَوْ كَانَ ثَابِتًا أَخَذْنَا بِهِ ، وَلَكِنَّهُ لَا يُثْبَتُ مِثْلَهُ وَإِنَّمَا أَرَادَ مَا ( 4441 ) أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَن شُعْبَةَ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَن عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَن مِقْسَمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ قَالَ:"يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أَوْ بِنِصْفِ دِينَارٍ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ السُّنَنِ ، عَن مُسَدَّدٍ ، ثُمَّ قَالَ: وَرُبَّمَا لَمَ يَرْفَعْهُ شُعْبَةُ ، وَهُوَ كَمَا قَالَ فَقَدْ رَوَاهُ عَفَّانُ وَجَمَاعَةٌ ، عَن شُعْبَةَ مَوْقُوفًا ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، عَن شُعْبَةَ مَوْقُوفًا ، ثُمَّ قَالَ: قِيلَ لِشُعْبَةَ: إِنَّكَ كُنْتَ تَرْفَعُهُ قَالَ: إِنِّي كُنْتُ مَجْنُونًا فَصَحِحْتُ ، فَرَجَعَ عَن رَفْعِهِ بَعْدَ مَا كَانَ يَرْفَعُهُ"."

قلت: وقد اختلف هذا الحديث اختلافًا شديدا ، فأعل بالوقف ، وبالاضطراب ، وبضعف بعض رواته ، وعلى ذلك أئمة الشافعية الكبار بما فيهم الدارقطني وابن الصلاح والنووي ..

وردَّ عليهم من صحح الحديث ، بردود قوية كذلك .

وقد ذكر ابن الملقن رحمه الله في كتابه النفيس البدر المنير ، كل ما يتعلق به جرحاَ وتعديلًا ، ورد على من ضعفه من الشافعية ، بكلام مطول بديع ، وهذه شذرات منه:

(وسيتكرر) عَلَى سَمعك من بعض الْمُحدثين أَن هَذَا الحَدِيث فِي كَفَّارَة من أَتَى حَائِضًا لَا يَصح ، فَليعلم أَنه لَا (عيب) لَهُ عِنْدهم إِلَّا الِاضْطِرَاب - زَعَمُوا - فَمِمَن صرح بذلك: أَبُو عَلّي بن السكن قَالَ: (هَذَا) حَدِيث مُخْتَلف فِي إِسْنَاده وَلَفظه وَلَا يَصح مَرْفُوعا ، لم يُصَحِّحهُ البُخَارِيّ ، وَهُوَ صَحِيح من كَلَام ابْن عَبَّاس . انْتَهَى كَلَامه .

فَنَقُول لَهُ الرِّجَال الَّذين رَوَوْهُ مَرْفُوعا ثِقَات ، وَشعْبَة إِمَام أهل الحَدِيث قد تثبت فِي رَفعه إِيَّاه ، فَمِمَن رَوَاهُ عَنهُ مَرْفُوعا يَحْيَى الْقطَّان ، وناهيك بِهِ ، وغندر وَهُوَ أخص النَّاس بشعبة مَعَ ثقته . وَرَوَاهُ سعيد بن عَامر ، عَن شُعْبَة فَقَالَ فِيهِ: عَن الحكم ، عَن عبد الحميد ، عَن مقسم ، عَن ابْن عَبَّاس من قَوْله (وَقفه) عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ شُعْبَة: أما حفظي فمرفوع . وَقَالَ فلَان وَفُلَان أَنه كَانَ لَا يرفعهُ . فَقَالَ لَهُ بعض الْقَوْم: يَا أَبَا بسطَام حَدثنَا حفظك وَدعنَا من فلَان وَفُلَان . فَقَالَ: وَالله مَا أحب أَنِّي حدثت بِهَذَا - وَسكت - أَو أَنِّي عمرت فِي الدُّنْيَا عمر نوح عَلَيْهِ السَّلَام فِي قومه . فَهَذَا غَايَة التثبت فِيهِ ، وهبك أَن أوثق أهل الأَرْض خَالفه فِيهِ ، فَوَقفهُ عَلَى ابْن عَبَّاس كَانَ مَاذَا ؟ أَلَيْسَ إِذا رَوَى (الصَّحَابِيّ) حَدِيثا عَن النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - َ يجوز لَهُ بل يجب عَلَيْهِ أَن ينْقل مُقْتَضَاهُ فيفتي بِهِ ، هَذَا قُوَّة للْخَبَر لَا توهين لَهُ ، فَإِن قلت فَكيف بِمَا ذكر ابْن السكن ، ثَنَا يَحْيَى وَعبد الله بن سُلَيْمَان وَإِبْرَاهِيم قَالُوا: ثَنَا عبد الرَّحْمَن بن مهْدي ، نَا شُعْبَة بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدّم مثله مَوْقُوفا ، فَقَالَ لَهُ رجل: إِنَّك كنت ترفعه ؟ فَقَالَ: إِنِّي كنت مَجْنُونا فصححت . (قلت: فَظن أَنه لما) أَكثر عَلَيْهِ فِي رَفعه إِيَّاه توقَّى رَفعه ، لَا لِأَنَّهُ مَوْقُوف ، لَكِن إبعاد (الظنة) عَن نَفسه ، وَأبْعد من هَذَا الِاحْتِمَال أَن يكون شكّ فِي رَفعه فِي ثَانِي حَال فَوَقفهُ ، فَإِن كَانَ هَذَا فَلَا يبالى بذلك أَيْضا ، بل لَو نسي (الحَدِيث) بعد أَن حدث بِهِ لم يضرّهُ ، فَإِن أَبيت إِلَّا أَن يكون شُعْبَة رَجَعَ عَن رَفعه ، فَاعْلَم أَن غَيره من أهل (النَّقْد) وَالْأَمَانَة (قد) رَوَاهُ عَن الحكم مَرْفُوعا كَمَا رَوَاهُ شُعْبَة (فِيمَا تقدم ، وَهُوَ عَمْرو بن قيس الْملَائي وَهُوَ ثِقَة ، قَالَ فِيهِ عَن الحكم مَا قَالَه شُعْبَة) (من رَفعه) إِيَّاه

وَإِذا تنبهت لهَذِهِ الدقائق الْمَذْكُورَة ظهر لَك احْتِيَاج هَذَا الْفَنّ إِلَى جودة التفكر (وَالنَّظَر) وَأَن الْأَمر لَيْسَ بالهين (لَا) كَمَا يَظُنّهُ قوم أَنه مُجَرّد [ حفظ ] وَنقل لَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى غَيرهمَا

قلت: وَضعف (هَذَا) الحَدِيث من الْفُقَهَاء بعد الشَّافِعِي: إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزالِيّ ، وَقَالَ ابْن الصّلاح فِي «مشكله» : إِنَّه حَدِيث ضَعِيف من أَصله لَا يَصح رَفعه ، وَإِنَّمَا هُوَ مَوْقُوف عَلَى ابْن عَبَّاس من قَوْله . قَالَ: وَقد حكم الْحَاكِم أَبُو عبد الله الْحَافِظ النَّيْسَابُورِي بِأَنَّهُ حَدِيث صَحِيح وَلَا الْتِفَات إِلَى ذَلِك مِنهُ فَإِنَّهُ خلاف (قَول غَيره من أَئِمَّة الحَدِيث) (وَالْحَاكِم) مَعْرُوف بالتساهل فِي مثل ذَلِك .

قلت: لم يتساهل فِي ذَلِك بل الْحق مَعَه كَمَا (قَرَّرْنَاهُ) وَتَبعهُ عَلَى ذَلِك النَّوَوِيّ كعادته فَقَالَ فِي «خلاصته» بعد أَن ذكره فِي فصل الضَّعِيف: لَا يعْتد بقول الْحَاكِم أَنه حَدِيث صَحِيح ، فَإِنَّهُ مَعْرُوف بالتساهل فِي التَّصْحِيح . قَالَ: وَاتفقَ الْحفاظ عَلَى ضعف هَذَا الحَدِيث واضطرابه وتلونه . وَقَالَ فِي «شرح الْمُهَذّب» أَيْضا: اتّفق المحدثون عَلَى ضعفه واضطرابه ، وَرُوِيَ مَوْقُوفا ومرسلًا وألوانًا كَثِيرَة ، وَقد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَلَا يَجعله ذَلِك صَحِيحا . قَالَ: وَأما قَول الْحَاكِم أَنه صَحِيح فخلاف مَا قَالَه أَئِمَّة الحَدِيث . قَالَ: وَهُوَ عِنْدهم مَعْرُوف بالتساهل . وَقَالَ فِي «تنقيحه» : هَذَا (حَدِيث) ضَعِيف بِاتِّفَاق الْحفاظ ، وأنكروا عَلَى الْحَاكِم تَصْحِيحه ، وَإِنَّمَا هُوَ من قَول ابْن عَبَّاس مَوْقُوف عَلَيْهِ هَذَا آخر كَلَامه.

وَالْحق عدم الْإِنْكَار عَلَى الْحَاكِم و (تَصْحِيحه) من (طَرِيقه) كَمَا سبق تَقْرِيره وَاضحا وَالله (الملهم للصَّوَاب) . [2]

السَّبَبُ الثَّالِثُ

اعْتِقَادُه ضَعْفِ الْحَدِيثِ

السَّبَبُ الثَّالِثُ: اعْتِقَادُ ضَعْفِ الْحَدِيثِ .بِاجْتِهَادِ قَدْ خَالَفَهُ فِيهِ غَيْرُهُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَن طَرِيقٍ آخَرَ سَوَاءٌ كَانَ الصَّوَابُ مَعَهُ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ أَوْ مَعَهُمَا عِنْدَ مَن يَقُولُ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ .

وَلِذَلِكَ أَسْبَابٌ:

1-مِنهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُحَدِّثُ بِالْحَدِيثِ يَعْتَقِدُهُ أَحَدُهُمَا ضَعِيفًا ؛ وَيَعْتَقِدُهُ الْآخَرُ ثِقَةً

وَمَعْرِفَةُ الرِّجَالِ عِلْمٌ وَاسِعٌ جدا.

قلت: نصفُ السنَّة النبوية قائم على رجال مختلف فيهم ، فمنهم من وثقه قوم ، ومنهم من ضعفه قوم ، والعلماء في الجرح والتعديل ثلاثة أصنافٍ:

متشددون في الجرح ، يجرحون الراوي لأدنى شبهة ويردون حديثه.

والنوع الثاني متساهلون في الجرح والتعديل .

والنوع الثالث معتدلون في الجرح والتعديل .

وعلى ضوء ذلك يختلف الحكم على الحديث ، فمن أخذ بقول المتشددين في الحديث ترك كثيرا من الأحاديث لعدم صحتها عنده ,

ومن أخذ بقول المتساهلين يكون قد صحح أو حسَّن أحاديث واحتجَّ بها وهي لا تستحقُّ ذلك على الصحيح .

ومن أخذ بقول المعتدلين كان وسطًا بين الطرفين ، وهم الغالبية العظمى من علماء الجرح والتعديل أمثال البخاري وأحمد وابن سعد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والدارقطني وابن عدي والمنذري والبيهقي والحافظ العراقي والهيثمي ، وابن الملقن والحافظ ابن حجر العسقلا ني والسخاوي والشوكاني..

وهذه بعض الأمثلة من هذا ذكرهم الحافظ ابن حجر في التقريب ،مقارنة بتهذيب التهذيب لبعضهم وبقول الإمام الذهبي ولا سيما في الكاشف، لتتميز نقاط الاتفاق والاختلاف بينهما:

(12 ) أحمد بن بديل بن قريش أبو جعفر اليامي بالتحتانية قاضي الكوفة صدوق له أوهام من العاشرة مات سنة ثمان وخمسين ت ق.

وفي التهذيب [3] :"قال النسائي لا بأس به وقال ابن أبي حاتم محله الصدق وقال ابن عقدة رأيت إبراهيم بن إسحاق الصواف ومحمد بن عبد الله بن سليمان وداود بن يحيى لا يرضونه وقال ابن عدي حدث عن حفص بن غياث وغيره أحاديث أنكرت عليه وهو ممن يكتب حديثه على ضعفه وقال الدارقطني لين وقال صالح جزرة كان يسمَّى راهب الكوفة فلما تقلد القضاء، قال خذلت على كبر السن، وقال النضر قاضي همدان ثنا أَحْمَدُ بْنُ بُدَيْلٍ الْيَامِيُّ ، ثنا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ ، عَن نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [4] فذكرته لأبي زرعة فقال: من حدثك قلت ابن بديل قال:شرٌّ له قال الدارقطني تفرد به أحمد عن حفص قال مطين مات 258 قلت: ذكره النسائي في أسماء شيوخه، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مستقيم الحديث ."

وفي الكاشف"أحمد بن بديل أبو جعفر اليامي قاضي الكوفة ثم همذان سمع أبا بكر بن عياش وحفص بن غياث وعدة وعنه الترمذي وابن ماجة وابن صاعد وابن عيسى الوزير وخلق قال: النسائي لا بأس به ،ولينه ابن عدي والدارقطني وكان عابدا توفي 258 ت ق [5] "

(227 ) إبراهيم بن عيينة بن أبي عمران الهلالي مولاهم الكوفي أبو إسحاق أخو سفيان صدوقٌ يهِمُ من الثامنة مات قبل المائتين د س ق

وفي التهذيب [6] :"قال ابن معين كان مسلما صدوقا لم يكن من أصحاب الحديث، وقال أبو حاتم: شيخ يأتي بمناكير، وقال النسائي: ليس بالقوي،وقال الحضرمي مات سنة 197 وقال ابن أبي عاصم سنة تسع يعني بتقديم التاء، قلت وقال العجلي: صدوق وذكره ابن حبان في الثقات ،وقال أبو داود في بني عيينة: كلهم صالح"

وفي الكاشف"إبراهيم بن عيينة الهلالي عن أبي حيان التيمي وجماعة وعنه ابن معين والفلاس وابن عفان العامري حسن قال النسائي: ليس بالقوي توفي 199 د س ق [7] ."

(274 ) إبراهيم بن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق السبيعي صدوق يهم من السابعة مات سنة ثمان وتسعين خ م د س ق

وفي التهذيب [8] :"قال عباس الدوري عن يحيى بن معين: ليس بشيء ،وقال النسائي: ليس بالقوي ،وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: ضعيف الحديث، وقال أبو حاتم:حسن الحديث يكتب حديثه، وقال أبو أحمد بن عدي له: أحاديث صالحة وليس بمنكر الحديث يكتب حديثه، قال أبو نصر الكلاباذي مات سنة ثمان وتسعين ومئة، روى له الجماعة سوى بن ماجة ، قلت: قرأت بخط الذهبي إبراهيم لم يدرك جده أبا إسحاق، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الدارقطني: ثقة ،وقال ابن المديني: ليس كأقوى ما يكون، وقال الآجري: سألت أبا داود عنه فقال: ضعيف".

وفي الكاشف"إبراهيم بن يوسف بن إسحاق بن الشيخ أبي إسحاق السبيعي عن أبيه وجده وعنه أبو كريب وجماعة فيه لين مات 198 خ م د ت س [9] ."

(289 ) الأحوص بن جواب بفتح الجيم وتشديد الواو الضبي يكنى أبا الجواب كوفي صدوق ربما وهم من التاسعة مات سنة إحدى عشرة م د ت س

وفي التهذيب [10] :"قال ابن معين ثقة، وقال مرة: ليس بذاك القوي، وقال أبو حاتم: صدوق ،وقال مطين مات سنة 211 ،قلت: وقال ابن حبان في الثقات: كان متقنا ربما وهم" [11] .

وفي الكاشف"أحوص بن جواب أبو الجواب عن ابن أبي ليلى ويونس بن أبي إسحاق وعدة وعنه حجاج بن الشاعر وعباس الدوري وجمع صدوق توفي 211 م د ت س [12] "

(1542) حميد بن الأسود بن الأشقر البصري أبو الأسود الكرابيسي صدوق يهم قليلا من الثامنة خ 4

وفي التهذيب [13] :"قال القواريري كان صدوقا، وقال أبو حاتم ثقة، وقال غيره كان عفان يحمل عليه، وذكره ابن حبان في الثقات، روى له البخاري مقرونا بغيره والباقون سوى مسلم، قلت: وقال الأثرم عن أحمد:سبحان الله ما أنكر ما يجيء به، وقال العقيلي في الضعفاء: كان عفان يحمل عليه، لأنه روى حديثنا منكرا ،وقال الساجي والأزدي صدوق عنده مناكير، وقال الحاكم عن الدارقطني ليس به بأس"

وفي الكاشف"حميد بن الأسود الكرابيسي بصري عن سهيل وحبيب بن الشهيد وعنه مسدد وعلي ثقة خ 4 [14] ."

(1903 ) الربيع بن يحيى بن مقسم الأشناني بضم الألف وسكون المعجمة أبو الفضل البصري صدوق له أوهام من كبار العاشرة مات سنة أربع وعشرين خ د

وفي التهذيب [15] :"قال أبو حاتم ثقة ثبت وذكره ابن حبان في الثقات [16] ، قال ابن قانع مات سنة 224 ،قلت:وقال ابن قانع إنه ضعيف، وقال الدارقطني ضعيف ليس بالقوي يخطىء كثيرا حدث عن الثوري عن ابن المنكدر عن جابر جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الصلاتين وهذا حديث ليس لابن المنكدر فيه ناقة ولا جمل وهذا يسقط مائة ألف حديث، وقال أبو حاتم في العلل: هذا باطل عن الثوري" [17]

وفي الكاشف"الربيع بن يحيى الأشناني عن مالك بن مغول وشعبة وعنه البخاري وأبو داود والكجي قال أبو حاتم ثقة ثبت توفي 224 خ د [18] "

وفي ميزان الاعتدال"الربيع بن يحيى الاشنانى [ خ، د ] عن شعبة وغيره،صدوق،روى عنه البخاري،وقد قال أبو حاتم مع تعنته: ثقة، ثبت: وأما الدارقطني فقال: ضعيف يخطئ كثيرا، قد أتى عن الثوري بخبر منكر، عن محمد بن المنكدر، عن جابر في الجمع بين الصلاتين،قال بعض الحفاظ: هذا يسقط كذا كذا ألف حديث،مات سنة أربع وعشرين ومائتين. [19] "

2-قَدْ يَكُونُ الْمُصِيبُ مَن يَعْتَقِدُ ضَعْفَهُ ؛ لِاطِّلَاعِهِ عَلَى سَبَبٍ جَارِحٍ .

كحديث مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ , عَن سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ , عَن أَبِيهِ , عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ:"مَن جَلَسَ مَجْلِسًا كَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ ، فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ".

(1) - قواعد التحديث للقاسمي- (ج 1 / ص 69) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي- (ج 1 / ص 119)

(2) - البدر المنير - (ج 3 / ص 87) فما بعدها

(3) - تهذيب التهذيب [ج 1 -ص15 ] وانظر تهذيب الكمال [ج1 -ص 270 ] (13)

(4) - فَضَائِلُ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ لِلْحَسَنِ الْخَلَّالِ (34 )

(5) - الكاشف [ ج1 - ص190 ] (10 )

(6) - تهذيب التهذيب [ ج1 - ص131 ] و تهذيب الكمال [ ج2 - ص163 ] (223 )

(7) - الكاشف [ ج1 - ص220 ] (184 )

(8) - تهذيب التهذيب [ج1 - ص160 ] وتهذيب الكمال [ ج2 - ص249 ] (269)

(9) - الكاشف [ ج1 - ص227 ] (225 )

(10) - تهذيب التهذيب [ج1 - ص167 ]

(11) - الثقات لابن حبان [ ج6 - ص89 ] (6850)

(12) - الكاشف [ ج1 - ص229 ] (238 )

(13) - تهذيب التهذيب [ج3 - ص32 ] وتهذيب الكمال [ ج7 - ص350 ] (1523 )

(14) - الكاشف [ ج1 - ص352 ] (1246 )

(15) - تهذيب التهذيب [ج3 - ص218 ]

(16) - وفي الثقات لابن حبان [ ج8 - ص240 ] (13218 ) الربيع بن يحيى أبو الفضل الأشناني من أهل البصرة يروى عن شعبة وزائدة روى عنه يعقوب بن سفيان والعراقيون يخطىء.

(17) - وفي علل الحديث (313) وَسَمِعْتُ أَبِي ، وقيل لَهُ: حَدِيث مُحَمَّد بْن المنكدر ، عَن جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي الجمع بين الصلاتين فَقَالَ: حَدَّثَنَا الربيع بْن يَحْيَى ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، غير أَنَّهُ باطل عِنْدِي هَذَا خَطَأٌ لم أدخله فِي التصنيف أَرَادَ: أبا الزبير ، عَن جَابِرٍ ، أو: أبا الزبير ، عَن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، والخطأ من الربيع

(18) - الكاشف [ ج1 - ص392 ] (1542 )

(19) - ميزان الاعتدال (ج 2 / ص 43) ( 2747) وانظر لمزيد من الأمثلة كتابي ( الحافظ ابن حجر ومنهجه في تقريب التهذيب ) المرتبة الخامسة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت