قَالَ الشَّافِعِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَقَدْ أَمَرَ بِاتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ وَاجْتِنَابِ مَا نَهَى عَنهُ وَفَرَضَ اللَّهُ ذَلِكَ فِى كِتَابِهِ عَلَى خَلْقِهِ وَمَا فِى أَيْدِى النَّاسِ مِن هَذَا إِلاَّ مَا تَمَسَّكُوا بِهِ عَنِ اللَّهِ ثُمَّ عَنِ رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ عَن دَلاَلَتِهِ وَلَكِنْ قَوْلُهُ إِنْ كَانَ قَالَهُ لاَ يُمْسِكَنَّ النَّاسُ عَلَىَّ بِشَىْءٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا كَانَ بِمَوْضِعِ الْقُدْوَةِ فَقَدْ كَانَتْ لَهُ خَوَاصٌّ أُبِيحَ لَهُ فِيهَا مَا لَمْ يُبَحْ لِلنَّاسِ وَحَرُمَ عَلَيْهِ فِيهَا مَا لَمْ يَحْرُمْ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: « لاَ يُمْسِكَنَّ النَّاسُ عَلَىَّ بِشَىْءٍ مِنَ الَّذِى لِى أَوْ عَلَىَّ دُونَهُمْ فَإِنْ كَانَ مِمَّا عَلَىَّ وَلِى دُونَهُمْ فَلاَ يُمْسِكَنَّ بِهِ » . وَذَلِكَ مِثْلُ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَحَلَّ لَهُ مِن عَدَدِ النِّسَاءِ مَا شَاءَ وَأَنْ يَسْتَنْكِحَ الْمَرْأَةَ إِذَا وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَهُ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى (خَالِصَةً لَكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) فَلَمْ يَكُنْ لأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: قَدْ جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَ أَكْثَرَ مِن أَرْبَعٍ وَنَكَحَ امْرَأَةً بِغَيْرِ مَهْرٍ وَأَخَذَ صَفِيًّا مِنَ الْمَغْنَمِ وَكَانَ لَهُ خُمُسُ الْخُمُسِ فَلاَ يَكُونُ ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ بَعْدَهُ وَلاَ لِوُلاَتِهِمْ كَمَا يَكُونُ لَهُ لأَنَّ اللَّهَ قَدْ بَيَّنَ فِى كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ ذَلِكَ لَهُ دُونَهُمْ وَفَرَضَ اللَّهُ أَنْ يُخَيِّرَ أَزْوَاجَهُ فِى الْمُقَامِ مَعَهُ أَوِ الْفِرَاقِ فَلَمْ يَكُنْ لأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ عَلَىَّ أَنْ أُخَيِّرَ امْرَأَتِى عَلَى مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - إِنْ كَانَ قَالَهُ: « لاَ يُمْسِكَنَّ النَّاسُ عَلَىَّ بِشَىْءٍ » . {ق} قَالَ الشَّيْخُ: وَإِنَّمَا تَوَقَّفَ الشَّافِعِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِى صِحَّةِ الْخَبَرِ فَقَالَ: إِنْ كَانَ قَالَهُ لأَنَّ الْحَدِيثَ مُرْسَلٌ وَلَيْسَ مَعَهُ مَا يُؤَكِّدُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى مَا قَالَهُ الشَّافِعِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَيَكُونُ وَاضِحًا وَلِلأُصُولِ مُوَافِقًا. [1]
2.عَن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى رَافِعٍ عَن أَبِيهِ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « لاَ أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الأَمْرُ مِن أَمْرِى مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنهُ فَيَقُولُ لاَ نَدْرِى مَا وَجَدْنَا فِى كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ » . [2]
وفي رواية , عَن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ , عَن أَبِيهِ أَبِي رَافِعٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"لَا أَعْرِفَنَّ الرَّجُلَ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِن أَمْرِي إِمَّا أَمَرْتُ بِهِ وَإِمَّا نَهَيْتُ عَنهُ ، فَيَقُولُ: مَا أَدْرِي مَا هَذَا ؟ عِنْدَنَا كِتَابُ اللَّهِ لَيْسَ هَذَا فِيهِ" [3]
3.وعَنِ الْحَسَنِ بْنِ جَابِرٍ , قَالَ: سَمِعْتُ الْمِقْدَامَ بْنَ مَعْدِ يكَرِبٍ يَقُولُ: حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَشْيَاءَ يَوْمَ خَيْبَرَ ثُمَّ قَالَ:"يُوشِكُ رَجُلٌ مُتَّكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدَّثُ بِحَدِيثِي فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ , فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِن حَلَالٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ , وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِن حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ , وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ"». [4]
وفي رواية عَنِ الْحَسَنِ بْنِ جَابِرٍ , قَالَ: سَمِعْتُ الْمِقْدَامَ بْنَ مَعْدِ يكَرِبٍ يَقُولُ: حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَشْيَاءَ يَوْمَ خَيْبَرَ ثُمَّ قَالَ:"يُوشِكُ رَجُلٌ مُتَّكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدَّثُ بِحَدِيثِي فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ , فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِن حَلَالٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ , وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِن حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ , وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ" [5]
4.عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ السُّلَمِىِّ قَالَ نَزَلْنَا مَعَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - خَيْبَرَ وَمَعَهُ مَن مَعَهُ مِن أَصْحَابِهِ وَكَانَ صَاحِبُ خَيْبَرَ رَجُلًا مَارِدًا مُنْكَرًا فَأَقْبَلَ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أَلَكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا حُمُرَنَا وَتَأْكُلُوا ثَمَرَنَا وَتَضْرِبُوا نِسَاءَنَا فَغَضِبَ يَعْنِى النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - وَقَالَ « يَا ابْنَ عَوْفٍ ارْكَبْ فَرَسَكَ ثُمَّ نَادِ أَلاَ إِنَّ الْجَنَّةَ لاَ تَحِلُّ إِلاَّ لِمُؤْمِنٍ وَأَنِ اجْتَمِعُوا لِلصَّلاَةِ» . قَالَ فَاجْتَمَعُوا ثُمَّ صَلَّى بِهِمُ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ قَامَ فَقَالَ « أَيَحْسَبُ أَحَدُكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ قَدْ يَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئًا إِلاَّ مَا فِى هَذَا الْقُرْآنِ أَلاَ وَإِنِّى وَاللَّهِ قَدْ وَعَظْتُ وَأَمَرْتُ وَنَهَيْتُ عَن أَشْيَاءَ إِنَّهَا لَمِثْلُ الْقُرْآنِ أَوْ أَكْثَرُ وَأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُحِلَّ لَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتَ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ بِإِذْنٍ وَلاَ ضَرْبَ نِسَائِهِمْ وَلاَ أَكْلَ ثِمَارِهِمْ إِذَا أَعْطَوْكُمُ الَّذِى عَلَيْهِمْ » . [6] .
5.عَن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"لَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَنْ يَأْتِيَهُ حَدِيثٌ مِن حَدِيثِي وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ فَيَقُولُ: دَعُونَا مِن هَذَا , مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَا". [7]
6.إن فتنة الاكتفاء بالقرآن ليست حديثة العهد، فقد قذفها الشيطان في نفوس بعض الناس في القرن الأول، ففي الْفَقِيهُ وَالْمُتَفَقِّهُ لِلْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ ( 230 ) قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ:"السُّنَّةُ هِيَ الْمُفَسِّرَةُ لِلتَّنْزِيلِ , وَالْمُوضِحَةُ لِحُدُودِهِ وَشَرَائِعِهِ , أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ فِي كِتَابِهِ حِينَ ذَكَرَ الْحُدُودَ , فَقَالَ: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ , فَجَعَلَهُ حُكْمًا عَامًّا فِي الظَّاهِرِ , عَلَى كُلِّ مَن زَنَا , ثُمَّ حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - , فِي الثَّيِّبَيْنِ بِالرَّجْمِ , وَلَيْسَ هَذَا بِخِلَافِ الْكِتَابِ , وَلَكِنَّهُ لَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا عَنَى بِالْآيَةِ الْبِكْرَيْنِ دُونَ غَيْرِهِمَا وَكَذَلِكَ لَمَّا ذَكَرَ الْفَرَائِضَ , فَقَالَ: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ , فَكَانَتِ الْآيَةُ شَامِلَةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ فَلَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ , وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ , لَمْ يَكُنْ هَذَا بِخِلَافِ التَّنْزِيلِ , وَلَكِنْ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا عَنَى بِالْمُوَارَثَةِ أَهْلَ الدِّينِ الْوَاحِدِ دُونَ أَهْلِ الدِّينَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ , وَكَذَلِكَ لَمَّا ذَكَرَ الْوُضُوءَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ , ثُمَّ مَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى الْخُفَّيْنِ وَأَمَرَ بِهِ , تَبَيَّنَ لَنَا أَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا عَنَى بِغُسْلٍ الأَرْجُلِ , إِذَا كَانَتِ الْأَقْدَامُ بَادِيَةً , لَا خِفَافَ عَلَيْهَا , وَكَذَلِكَ شَرَائِعُ الْقُرْآنِ كُلُّهَا , إِنَّمَا نَزَلَتْ جُمَلًا حَتَّى فَسَّرَتْهَا السُّنَّةُ"
وعَن قَتَادَةَ: أَنَّ عِكْرِمَةَ , أَنْكَرَ مَسَحَ الْخُفَّيْنِ , فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ قَالَ:"ابْنُ عَبَّاسٍ إِذَا خَالَفَ الْقُرْآنَ لَمْ يُؤْخَذْ عَنهُ"قَالَ هَمَّامٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: عَن قَتَادَةَ قَالَ: قُلْتُ لِعِكْرِمَةَ: لَوْلَا ابْنُ عَبَّاسٍ مَا سَأَلَكَ أَحَدٌ عَن شَيْءٍ قُلْتُ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ مِن عِكْرِمَةَ , وَإِنَّمَا مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِثُبُوتِ ذَلِكَ عِنْدَهُ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَعَلَهُ , وَحَمَلَ الْآيَةَ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا عِكْرِمَةُ عَلَى مَا ذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ , أَنَّ الْمُرَادَ بِغَسْلِ الْأَرْجُلِ إِذَا لَمْ تَكُنْ مَسْتُورَةً بِالْخِفَافِ , أَنَّ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَسَّرَتْ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ""
وعَن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ , أَنَّهُمْ تَذَاكَرُوا عِنْدَهُ الْأَحَادِيثَ عَن رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - , فَقَالَ رَجُلٌ عِنْدَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: دَعَوْنَا مِنَ الْحَدِيثِ , وَهَاتُوا كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى , فَقَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ:"إِنَّكَ لَأَحْمَقُ , أَتَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الصَّلَاةَ مُفَسَّرَةً , فِي كِتَابِ اللَّهِ الصِّيَامُ مُفَسَّرٌ ؟ , الْكِتَابُ أَحْكَمَهُ والسُّنَّة فَسَّرَتْهُ"
وعَن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ رَجُلًا , أَتَاهُ فَسَأَلَهُ عَن شَيْءٍ , فَحَدَّثَهُ , فَقَالَ الرَّجُلُ: حَدِّثُوا عَن كِتَابِ اللَّهِ , وَلَا تُحَدِّثُوا عَن غَيْرِهِ , فَقَالَ:"إِنَّكَ امْرُؤٌ أَحْمَقُ , أَتَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ , أَنَّ صَلَاةَ الظُّهْرِ أَرْبَعٌ لَا يُجْهَرُ فِيهَا ؟ - وَعَدَّ الصَّلَوَاتِ , وَعَدَّ الزَّكَاةَ وَنَحْوَهَا ثُمَّ قَالَ: أَتَجِدُ هَذَا مُفَسَّرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ ؟ إِنَّ كِتَابَ اللَّهِ قَدْ أَحْكَمَ ذَلِكَ , والسُّنَّة تُفَسِّرُ ذَلِكَ"
وعَنِ الْحَسَنِ: أَنَّ رَجُلًا , قَالَ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: يَا أَبَا نُجَيْدٍ , إِنَّكُمْ لَتُحَدِّثُونَا بِأَحَادِيثَ , اللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِهَا , حَدِّثُونَا بِالْقُرْآنِ قَالَ:"الْقُرْآنُ وَاللَّهِ نَعَمْ , أَرَأَيْتَ لَوْ رَفَعْنَا إِلَيْهِ , وَقَدْ وَجَدْتَ فِي الْقُرْآنِ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ , ثُمَّ لَمْ نَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - , كَيْفَ سَنَّ لَنَا , كَيْفَ نَرْكَعُ , كَيْفَ كُنَّا نَسْجُدُ ،كَيْفَ كُنَّا نُعْطِي زَكَاةَ أَمْوَالِنَا قَالَ: فَأَفْحَمَ الرَّجُلُ"
وعَنِ الْحَسَنِ , قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا نُجَيْدٍ , حَدِّثْنَا بِالْقُرْآنِ , قَالَ:"أَلَيْسَ تَقْرَأُ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ , أَكُنْتُمْ تَعْرِفُونَ مَا فِيهَا , وَمَا رُكُوعُهَا وَسُجُودُهَا , وَحُدُودُهَا , وَمَا فِيهَا ؟ أَكُنْتَ تَدْرِي كَمِ الزَّكَاةُ فِي الْوَرِقِ وَالذَّهَبِ وَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ , وَأَصْنَافِ الْمَالِ ؟ شَهِدْتَ وَوَعَيْتَ فَرْضَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - , فِي الزَّكَاةِ كَذَا وَكَذَا"قَالَ الرَّجُلُ: أَحْيَيْتَنِي يَا أَبَا نُجَيْدٍ , أَحْيَاكَ اللَّهُ كَمَا أَحْيَيْتَنِي قَالَ: فَمَا مَاتَ ذَلِكَ الرَّجُلُ حَتَّى كَانَ مِن فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ""
الفصل الرابع
قضايا منوعة حول أسباب اختلاف الفقهاء
المبحث الأول
بيان الفرق بين أهل الحديث وأصحاب الرأي [8]
اعلم أنه كان من العلماء في عصر سعيد بن المسيب وإبراهيم والزهري وفي عصر مالك وسفيان وبعد ذلك قومٌ يكرهون الخوضَ بالرأي، ويهابون الفتيا والاستنباط، إلا لضرورة ، لا يجدون منها بدا، وكان أكبرُ همِّهم روايةَ حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فعَن شَقِيقٍ قَالَ: سُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ عَن شَىْءٍ فَقَالَ: إِنِّى لأَكْرَهُ أَنْ أُحِلَّ لَكَ شَيْئًا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ ، أَوْ أُحَرِّمَ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ لَكَ. [9]
وعن الصَّلْتَ بْنِ رَاشِدٍ قَالَ: سَأَلْتُ طَاوُسًا عَن مَسْأَلَةٍ فَقَالَ لِى: كَانَ هَذَا ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: آللَّهِ؟ قُلْتُ: آللَّهِ. قَالَ: إِنَّ أَصْحَابَنَا أَخْبَرُونَا عَن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّهُ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ لاَ تَعْجَلُوا بِالْبَلاَءِ قَبْلَ نُزُولِهِ فَيُذْهَبَ بِكُمْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا ، وَإِنَّكُمْ إِنْ لَمْ تَعْجَلُوا بِالْبَلاَءِ قَبْلَ نُزُولِهِ لَمْ يَنْفَكَّ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَن إِذَا سُئِلَ سَدَّدَ ، وَإِذَا قَالَ وُفِّقَ. [10]
وروي نحو ذلك عن عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود في كراهة التكلم فيما لم ينزل ،وعَن جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَقِيَهُ فِى الطَّوَافِ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الشَّعْثَاءِ إِنَّكَ مِن فُقَهَاءِ الْبَصْرَةِ فَلاَ تُفْتِ إِلاَّ بِقُرْآنٍ نَاطِقٍ أَوْ سُنَّةٍ مَاضِيَةٍ ، فَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ غَيْرَ ذَلِكَ هَلَكْتَ وَأَهْلَكْتَ. [11]
وعَن أَبِى نَضْرَةَ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ أَبُو سَلَمَةَ الْبَصْرَةَ أَتَيْتُهُ أَنَا وَالْحَسَنُ ، فَقَالَ لِلْحَسَنِ: أَنْتَ الْحَسَنُ؟ مَا كَانَ أَحَدٌ بِالْبَصْرَةِ أَحَبَّ إِلَىَّ لِقَاءً مِنكَ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ بَلَغَنِى أَنَّكَ تُفْتِى بِرَأْيِكَ ، فَلاَ تُفْتِ بِرَأْيِكَ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ سُنَّةٌ عَن رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَوْ كِتَابٌ مُنَزَّلٌ. [12]
وعَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: إِنَّ الْعَالِمَ يَدْخُلُ فِيمَا بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ عِبَادِهِ فَلْيَطْلُبْ لِنَفْسِهِ الْمَخْرَجَ. [13]
وعَن دَاوُدَ قَالَ: سَأَلْتُ الشَّعْبِىَّ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ إِذَا سُئِلْتُمْ؟ قَالَ: عَلَى الْخَبِيرِ وَقَعْتَ ، كَانَ إِذَا سُئِلَ الرَّجُلُ قَالَ لِصَاحِبِهِ أَفْتِهِمْ ، فَلاَ يَزَالُ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الأَوَّلِ. [14]
وعن مَالِكَ - هُوَ ابْنُ مِغْوَلٍ - قَالَ قَالَ لِىَ الشَّعْبِىُّ قَالَ: مَا حَدَّثُوكَ هَؤُلاَءِ عَن رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَخُذْ بِهِ ، وَمَا قَالُوهُ بِرَأْيِهِمْ فَأَلْقِهِ فِى الْحُشِّ. [15]
فوقع شيوعُ تدوين الحديث والأثر في بلدان الإسلام، وكتابة الصحف والنسخ حتى قلَّ من يكون من أهل الرواية إلا كان له تدوينٌ أو صحيفةٌ أو نسخةٌ من حاجتهم بموقع عظيم، فطاف من أدرك من عظمائهم ذلك الزمان بلادَ الحجاز والشام والعراق ومصر واليمن وخراسان، وجمعوا الكتب وتتبعوا النسخ، وأمعنوا في التفحص عن غريب الحديث ونوادر الأثر، فاجتمع باهتمام أولئك من الحديث والآثار ما لم يجتمع لأحدٍ قبلهم ، وتيسَّر لهم ما لم يتيسر لأحد قبلهم، وخلص إليهم من طرق الأحاديث شيءٌ كثير، حتى كان لكثير من الأحاديث عندهم مائةُ طريق فما فوقها، فكشفَ بعضَ الطرق ما استتر في بعضها الآخر ، وعرفوا محلَّ كلِّ حديث من الغرابة والاستفاضة، وأمكن لهم النظر في المتابعات والشواهد، وظهر عليهم أحاديثُ صحيحةٌ كثيرةٌ لم تظهرَ على أهل الفتوى من قبل، وقال أَحْمَدُ بن حنبلٍ: قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيَّ:"يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ , أَنْتَ أَعْلَمُ بِالْأَخْبَارِ الصِّحَاحِ مِنَّا ، فَإِذَا كَانَ خَبَرٌ صَحِيحٌ فَأَعْلِمْنِي حَتَّى أَذْهِبَ إِلَيْهِ كُوفِيًّا كَانَ أَوْ بَصْرِيًّا أَوْ شَامِيًّا"قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: جَمِيعُ مَا حَدَّثَ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: حَدَّثَنِي الثِّقَةُ ، أَوْ أَخْبَرَنِي الثِّقَةُ ، فَهُوَ أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَكِتَابُهُ الَّذِي صَنَّفَهُ بِبَغْدَادَ هُوَ أَعْدَلُ مِن كِتَابِهِ الَّذِي صَنَّفَهُ بِمِصْرَ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ حَيْثُ كَانَ هَاهُنَا يَسْأَلُ ، وَسَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: اسْتَفَادَ مِنَّا الشَّافِعِيُّ مَا لَمْ نَسْتَفِدْ مِنهُ" [16] ."
(1) - السنن الكبرى للبيهقي (ج 7 / ص 76) (13823)
(2) - سنن أبى داود (4607 ) صحيح
(3) - الْكِفَايَةُ فِي عِلْمِ الرِّوَايَةِ لِلْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ (10 )
(4) - مسند أحمد (17657) صحيح
(5) - الْكِفَايَةُ فِي عِلْمِ الرِّوَايَةِ لِلْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ (7 )
(6) - سنن أبى داود (3052 ) حديث حسن
(7) - الْكِفَايَةُ فِي عِلْمِ الرِّوَايَةِ لِلْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ ( 11)
(8) - الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف لولي الله الدهلوي - (ج 1 / ص 15) وحجة الله البالغة - (ج 1 / ص 287)
(9) - سنن الدارمى ( 148) صحيح
(10) - سنن الدارمى (155) فيه انقطاع
(11) - سنن الدارمى (166) صحيح
(12) - سنن الدارمى (165) صحيح
(13) - سنن الدارمى ( 139) صحيح
(14) - سنن الدارمى (138) صحيح
(15) - سنن الدارمى (206) صحيح = الحش: البستان
(16) - حلية الأولياء ( 13954 ) صحيح