فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 60

سادسًا: قياسه صلاة التراويح على السُّنن الرواتب وصلاة الكسوف فهو قياس مع الفارق لأن هذه السنن وردت مقيدة بعدد معين وهو ما يمنع الزيادة عليها بخلاف صلاة التراويح فهي من قيام الليل الذي قال عنه الشارع"مثنى مثنى"، وما ورد من عدد صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه لا يعارض ولا يمنع من الزيادة.

قال ابن تيمية:"كَمَا أَنَّ نَفْسَ قِيَامِ رَمَضَانَ لَمْ يُوَقِّتْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ عَدَدًا مُعَيَّنًا ؛ بَلْ كَانَ هُوَ - صلى الله عليه وسلم - لَا يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا غَيْرِهِ عَلَى ثَلَاثَ عَشْرَةِ رَكْعَةً [1] لَكِنْ كَانَ يُطِيلُ الرَّكَعَاتِ فَلَمَّا جَمَعَهُمْ عُمَرُ عَلَى أبي بْنِ كَعْبٍ كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ عِشْرِينَ رَكْعَةً ثُمَّ يُوتِرُ بِثَلَاثِ وَكَانَ يُخِفُّ الْقِرَاءَةَ بِقَدْرِ مَا زَادَ مِن الرَّكَعَاتِ لِأَنَّ ذَلِكَ أَخَفُّ عَلَى الْمَأْمُومِينَ مِنْ تَطْوِيلِ الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ ثُمَّ كَانَ طَائِفَةٌ مِن السَّلَفِ يَقُومُونَ بِأَرْبَعِينَ رَكْعَةً وَيُوتِرُونَ بِثَلَاثِ، وَآخَرُونَ قَامُوا بِسِتِّ وَثَلَاثِينَ وَأَوْتَرُوا بِثَلَاثِ ،وَهَذَا كُلُّهُ سَائِغٌ فَكَيْفَمَا قَامَ فِي رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ فَقَدْ أَحْسَنَ . وَالْأَفْضَلُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْمُصَلِّينَ فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ احْتِمَالٌ لِطُولِ الْقِيَامِ فَالْقِيَامُ بِعَشْرِ رَكَعَاتٍ وَثَلَاثٍ بَعْدَهَا كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي لِنَفْسِهِ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ هُوَ الْأَفْضَلُ ،وَإِنْ كَانُوا لَا يَحْتَمِلُونَهُ فَالْقِيَامُ بِعِشْرِينَ هُوَ الْأَفْضَلُ وَهُوَ الَّذِي يَعْمَلُ بِهِ أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ وَسَطٌ بَيْنَ الْعَشْرِ وَبَيْنَ الْأَرْبَعِينَ ،وَإِنْ قَامَ بِأَرْبَعِينَ وَغَيْرِهَا جَازَ ذَلِكَ وَلَا يُكْرَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ . وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِن الْأَئِمَّةِ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ . وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ قِيَامَ رَمَضَانَ فِيهِ عَدَدٌ مُوَقَّتٌ عَن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لَا يُزَادُ فِيهِ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ فَقَدْ أَخْطَأَ ،فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ السَّعَةُ فِي نَفْسِ عَدَدِ الْقِيَامِ فَكَيْفَ الظَّنُّ بِزِيَادَةِ الْقِيَامِ لِأَجْلِ دُعَاءِ الْقُنُوتِ أَوْ تَرْكِهِ كُلُّ ذَلِكَ سَائِغٌ حَسَنٌ . وَقَدْ يَنْشَطُ الرَّجُلُ فَيَكُونُ الْأَفْضَلُ فِي حَقِّهِ تَطْوِيلَ الْعِبَادَةِ وَقَدْ لَا يَنْشَطُ فَيَكُونُ الْأَفْضَلُ فِي حَقِّهِ تَخْفِيفَهَا . وَكَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مُعْتَدِلَةً . إذَا أَطَالَ الْقِيَامَ أَطَالَ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ وَإِذَا خَفَّفَ الْقِيَامَ خَفَّفَ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ هَكَذَا كَانَ يَفْعَلُ فِي الْمَكْتُوبَاتِ وَقِيَامِ اللَّيْلِ وَصَلَاةِ الْكُسُوفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ."انتهى [2]

سابعًا: تضعيف الألباني لرواية ابن خصيفة بالشذوذ لمخالفتها لرواية الإحدى عشرة ركعة غير جيد ، لنه لم يسبق لهذا التضعيف، فالحديث صحيح بلا ريب،كما أنها لا تعارضها والجمع بينهما ممكن باختلاف الأحوال، قال الحافظ ابن حجر في الفتح:"وَالْجَمْعُ بَيْن هَذِهِ الرِّوَايَات مُمْكِنٌ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَال ، وَيَحْتَمِل أَنَّ ذَلِكَ الِاخْتِلَافَ بِحَسَبِ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَة وَتَخْفِيفِهَا فَحَيْثُ يُطِيلُ الْقِرَاءَة تَقِلُّ الرَّكَعَات وَبِالْعَكْسِ وَبِذَلِكَ جَزَمَ الدَّاوُدِيُّ وَغَيْره ، وَالْعَدَد الْأَوَّل مُوَافِق لِحَدِيثِ عَائِشَة الْمَذْكُور بَعْد هَذَا الْحَدِيث فِي الْبَاب ، وَالثَّانِي قَرِيب مِنْهُ ، وَالِاخْتِلَاف فِيمَا زَادَ عَنْ الْعِشْرِينَ رَاجِعٌ إِلَى الِاخْتِلَاف فِي الْوِتْر وَكَأَنَّهُ كَانَ تَارَة يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ وَتَارَة بِثَلَاثٍ. انتهى. [3] "

سابعًا: جعل حديث عائشة مخصصًا لحديث ابن عمر وحديث ربيعة بن كعب غير صحيح، لأن العمل بالعام والخاص يكون عند التعارض بين الأدلة وليس هناك تعارض بين أحاديث الباب، فالجمعُ يسير بمثل ما جمع به الحافظ، وحديث عائشة فردٌ من أفراد حديث ابن عمر، وموافق العام لا يخصص كما هو مقرر في الأصول.

وكذلك لا علاقة له بالتراويح على الصحيح ، بل بقيام الليل مطلقًا .

قالوا:"وأرجح الأقوال في عدد ركعاتها هو إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة لحديث عائشة وحديث ابن عباس السابقين وهو ما اختاره مالك لنفسه كما سبق، وأما الزيادة عليها فجائزة للأدلة التي احتج بها الجمهور.والله أعلم"." [4] "

قلت: وهذا الذي رجحوه فيه نظر ، فلو كان حديث عائشة يعني التراويح لأعترضت على عمر ، فالراجح رواية العشرين ، وتجوز التراويح بما دون ذلك أو أكثر . [5]

قال ابن عثيمين رحمه الله في حكم الزيادة في صلاة التراويح على إحدى عشرة ركعة [6] :

"إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقوم بإحدى عشرة ركعة [7] ، لكن هل قال للناس: لا تزيدوا عليها؟ لم يقل، بل جعل الباب مفتوحًا، لما سأله الرجل عن صلاة الليل قال: « صَلاَةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى ، فَإِذَا خَشِىَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً ، تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى » [8] ولم يقيدها، ثم إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يقوم بإحدى عشرة ركعة لكن هل هو كقيامنا؟ كان يقوم حتى تتورم قدماه، وحتى يعجز الشباب من الصحابة عن متابعته إلا بمشقة، ألم تعلم أن ابن مسعود قام معه ليلة فقرأ النبي عليه الصلاة والسلام وأطال القراءة حتى هم أن يجلس من طول القيا [9] م، فالأمر في هذا واسع؛ إن شئت إحدى عشرة لكن بتأنٍ وطمأنينة وقراءة، وإن شئت بثلاثٍ وعشرين، وإن شئت بتسعٍ وثلاثين، الأمر واسع، المهم ألا تشق على نفسك. ثم إن قولك: إن عمر جعلها ثلاثًا وعشرين يحتاج إلى دليل، من قال هذا؟ أغلب ما فيه أن عمر أمر أبي بن كعب و تميمًا الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، وهذا هو المظنون بعمر أن يأمر بما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يفعله. لكن في حديث يزيد بن رومان وفيه انقطاع: [أن الناس كانوا في عهد عمر يقومون بثلاثٍ وعشرين] فهذا فيه أن الناس يفعلونه، فجائز أن عمر يدري أو لا يدري، وقد يكون أمر به فلم يكن، لكن إذا ثبت أنه أقر بذلك فيقال: هذا يدل على أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه -وهو أعلم منا بالسنَّة وأخشى منا لله- يرى أنه لا بأس أن يزيد الإنسان على إحدى عشرة ركعة."

قلت: نفيه أن يكون عمر أمرهم بالثلاث والعشرين فيه نظر ، وقد ذكرنا الأحاديث الصحيحة التي تدلُ على ذلك .

وقال العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ في فتاويه:"الحمد لله. ذهب أَكثر أَهل العلم كالإِمام أَحمد والشافعي وأَبي حنيفة إِلى أَن صلاةِ التراويح عشرون ركعة؛ لأَن عمر رضي الله عنه لما جمع الناس على أُبي بن كعب كان يصلي بهم عشرين ركعة، وكان هذا بمحضر من الصحابة، فيكون كالإِجماع، وعلى هذا عمل الناس اليوم الآن. فلا ينبغي الانكار عليهم بل يتركون على ما هم عليه؛ لأَنه قد ينشأ من الإِنكار عليهم وقوع الاختلاف والنزاع وتشكيك العوام في سلَفهم، ولا سيما في هذه المسأَلة التي هي من التطوع، والأَمر فيها واسع، وزيادة التطوع أَمر مرغوب فيه ولا سيما في رمضان رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الأَسْلَمِىِّ قَالَ كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ فَقَالَ لِى « سَلْ » . فَقُلْتُ أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِى الْجَنَّةِ. قَالَ « أَوَغَيْرَ ذَلِكَ » . قُلْتُ هُوَ ذَاكَ. قَالَ « فَأَعِنِّى عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ » . [10] ."

وإِذا كان من عادة أَهل بلد فعل صلاة التراويح على وجه آخر مما له أَصل شرعي فلا وجه للإِنكار عليهم أَيضًا. والمقصودُ من ذلك كله هو البعد عن أَسباب الشقاق والنزاع في أَمر فيه سعة.

وقد لاحظ الرسول صلى الله عليه وسلم هذا وترك أَمرًا عظيمًا مخافة ما يقع في قلوب الناس، كما جاء في حديث عائشة. وترجم البخاري في هذا المعنى فقال (باب مَنْ تَرَكَ بَعْضَ الاِخْتِيَارِ مَخَافَةَ أَنْ يَقْصُرَ فَهْمُ بَعْضِ النَّاسِ عَنْهُ فَيَقَعُوا فِى أَشَدَّ مِنْهُ .) وساق حديث عائشة « أَلَمْ تَرَىْ أَنَّ قَوْمَكِ لَمَّا بَنَوُا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ » . فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلاَ تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ . قَالَ « لَوْلاَ حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْتُ » [11]

وَقَالَ عَلِىٌّ"حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ" [12]

و عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ، قَالَ: صَلَّى عُثْمَانُ بِمِنًى أَرْبَعًا ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ:"صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ ، وَمَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ"، زَادَ ، عَنْ حَفْصٍ ، وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ ، ثُمَّ أَتَمَّهَا زَادَ مِنْ هَا هُنَا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، ثُمَّ تَفَرَّقَتْ بِكُمُ الطُّرُقُ فَلَوَدِدْتُ أَنْ لِي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَيْنِ مُتَقَبَّلَتَيْنِ . قَالَ: الْأَعْمَشُ ، فَحَدَّثَنِي مُعَاوِيَةَ بْنُ قُرَّةَ ، عَنْ أَشْيَاخِهِ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ صَلَّى أَرْبَعًا ، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: عِبْتَ عَلَى عُثْمَانَ ثُمَّ صَلَّيْتُ أَرْبَعًا ، قَالَ:"الْخِلَافُ شَرٌّ" [13] . شر. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أَجمعين." [14] "

قلت: وهذا جواب في غاية الروعة والدقة.

وفي فتاوى يسألونك:"من المعلوم أن صلاة التراويح سنة ثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان هديه - صلى الله عليه وسلم - أن يصلي إحدى عشرة ركعة كما ثبت ذلك عنه في حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة) رواه البخاري ومسلم. وأكثر الفقهاء يرون أنها تصلى عشرون ركعة والوتر ثلاث ركعات وهذا قول مشهور من لدن الصحابة رضي الله عنهم إلى يومنا الحاضر وكثير من مساجد المسلمين تصلى فيها التراويح كذلك ومنهم من زاد على العشرين فقيل تسع وثلاثين وقيل إحدى وأربعين وقيل غير ذلك. ومن أهل العلم من يرى أنه لا حد لعدد ركعات صلاة التراويح فيجوز أن يزيد على إحدى عشرة ركعة ولا حرج في ذلك وهذا أرجح أقوال أهل العلم فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحدد عددًا محدودًا لصلاة التراويح تمنع الزيادة عليه."

ونقل كلام ابن تيمية الآنف الذكر ، [15] وقال الإمام الشوكاني رحمه الله: [وَالْحَاصِلُ أَنَّ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ أَحَادِيثُ الْبَابِ وَمَا يُشَابِهُهَا هُوَ مَشْرُوعِيَّةُ الْقِيَامِ فِي رَمَضَانَ ، وَالصَّلَاةُ فِيهِ جَمَاعَةً وَفُرَادَى ، فَقَصْرُ الصَّلَاةِ الْمُسَمَّاةِ بِالتَّرَاوِيحِ عَلَى عَدَدٍ مُعَيَّنٍ ، وَتَخْصِيصُهَا بِقِرَاءَةٍ مَخْصُوصَةٍ لَمْ يَرِدْ بِهِ سُنَّةٌ .] [16]

قال:"إذا تقرر هذا فإنه لا يجوز لأحد أن ينكر على من يصلي التراويح بأكثر من إحدى عشرة ركعة كمن يصلون ثلاثًا وعشرين ركعة فإن الأمر فيه سعة."

قال الإمام الشافعي يرحمه الله: [ رَأَيْت النَّاس يَقُومُونَ بِالْمَدِينَةِ بِتِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَبِمَكَّة بِثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ، وَلَيْسَ فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ ضِيقٌ"] [17] ."

وقال الحافظ ابن عبد البر يرحمه الله: [وقد أجمع العلماء على أن لا حدّ ولا شيء مقدرًا في صلاة الليل وأنها نافلة فمن شاء أطال فيها القيام وقلَّت ركعاته ومن شاء أكثر الركوع والسجود] [18] .

وقال العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز يرحمه الله:[وإن أوتر بثلاث وعشرين كما فعل ذلك عمر والصحابة رضي الله عنهم في بعض الليالي من رمضان فلا بأس، فالأمر واسع، وثبت عن عمر والصحابة أيضًا أنهم أوتروا بإحدى عشرة، كما في حديث عائشة، فقد ثبت عن عمر هذا وهذا، ثبت عنه - رضي الله عنه - أنه أمر من عين من الصحابة أن يصلي إحدى عشرة، وثبت عنهم أنهم صلوا بأمره ثلاثًا وعشرين، وهذا يدل على التوسعة في هذا، وأن الأمر عند الصحابة واسع، كما دل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم: (صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى) ولكن الأفضل من حيث فعله - صلى الله عليه وسلم - إحدى عشرة أو ثلاث عشرة، وسبق ما يدل على أن إحدى عشرة أفضل لقول عائشة رضي الله عنها: (ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة) يعني غالبًا، ولهذا ثبت عنها أنه صلى ثلاث عشرة وثبت عن غيرها، فدل ذلك أن هذا هو الأغلب،...

ثم استفسر من الشيخ سائل قائلًا: أحسن الله إليك، بعض المصلين يرون أن هذه هي السنَّة، وعندما يأتون إلى مساجد تصلي ما يزيد على ثلاث وعشرين ركعة يصلون إحدى عشرة ركعة أو عشر ركعات ولا يتمون مع الإمام؟

يوضح الشيخ رحمه الله قائلًا: لا، السنة الإتمام مع الإمام ولو صلى ثلاثًا وعشرين، لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: « إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ » . [19] ... فالأفضل للمأموم أن يقوم مع الإمام حتى ينصرف، سواء صلى إحدى عشرة أو ثلاث عشرة أو ثلاثًا وعشرين، هذا هو الأفضل؛ أن يتابع الإمام حتى ينصرف والثلاث والعشرون فعلها عمر- رضي الله عنه - مع الصحابة، فليس فيها نقص وليس فيها خلل، بل هي من السنن، من سنة الخلفاء الراشدين...] [20]

وقال العلامة عبد العزيز بن باز أيضًا: [ومن الأمور التي قد يخفى حكمها على بعض الناس ظن بعضهم أن التراويح لا يجوز نقصها عن عشرين ركعة وظن بعضهم أنه لا يجوز أن يزاد فيها على إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة وهذا كله ظن في غير محله بل هو خطأ مخالف للأدلة.وقد دلت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على صلاة الليل موسع فيها فليس فيها حد محدود لا تجوز مخالفته بل ثبت عنه أنه كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة وربما صلى ثلاث عشرة ركعة وربما صلى أقل من ذلك في رمضان وفي غيره ولما سئل - صلى الله عليه وسلم - عن صلاة الليل قال: (مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى) متفق على صحته. ولم يحدد ركعات معينة لا في رمضان ولا في غيره ولهذا صلى الصحابة رضي الله عنهم في عهد عمر - رضي الله عنه -في بعض الأحيان ثلاثًا وعشرين ركعة وفي بعضها إحدى عشرة ركعة كل ذلك ثبت عن عمر - رضي الله عنه - وعن الصحابة في عهده. وكان بعض السلف يصلي في رمضان ستًا وثلاثين ركعة ويوتر بثلاث وبعضهم يصلى إحدى وأربعين ذكر ذلك عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره من أهل العلم كما ذكر رحمة الله عليه أن الأمر في ذلك واسع] [21]

وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين يرحمه الله:[. لا ينبغي لنا أن نغلو أو نفرط فبعض الناس يغلو من حيث التزام السنة في العدد فيقول لا تجوز الزيادة على العدد الذي جاءت به السنَّة وينكر أشد النكير على من زاد على ذلك ويقول إنه آثمٌ عاصٍ وهذا لا شك أنه خطأ وكيف يكون آثمًا عاصيًا وقد سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صلاة الليل؟ فقال: (مثنى مثنى) ولم يحدد بعدد ومن المعلوم أن الذي سأله عن صلاة الليل لا يعلم العدد لأن من لا يعلم الكيفية فجهله بالعدد من باب أولى وليس ممن خدم الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى نقول إنه يعلم ما يحدث داخل بيته فإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - بين له كيفية الصلاة دون أن يحدد له بعدد علم أن الأمر في هذا واسع وأن للإنسان أن يصلي مئة ركعة ويوتر بواحدة.

وأما قوله - صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي) [22] فهذا ليس على عمومه... وإنما المراد (صلوا كما رأيتموني أصلي) في الكيفية أما في العدد فلا إلا ما ثبت النص بتحديده.وعلى كلٍ ينبغي للإنسان أن لا يشدد على الناس في أمر واسع حتى إنا رأينا من الإخوة الذين يشددون في هذا من يبدعون الأئمة الذين يزيدون على إحدى عشرة ويخرجون من المسجد فيفوتهم الأجر الذي قال فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة) وقد يجلسون إذا صلوا عشر ركعات فتتقطع الصفوف بجلوسهم وربما يتحدثون أحيانًا فيشوشون على المصلين وكل هذا من الخطأ ونحن لا نشك بأنهم يريدون الخير وأنهم مجتهدون لكن ليس كل مجتهد يكون مصيبًا] [23]

الرابع

صلاة الوتر في رمضان جماعة [24]

ومن الأمور التي يحصل فيها نزاع بين الشافعية الحنفية خاصة صلاة الوتر في رمضان جماعة ، فالحنفية يصلونها موصولة والشافعية مفصولة .

ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْوِتْرَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ ، وَلَيْسَ وَاجِبًا ، وَدَلِيل سُنِّيَّتِهِ قَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ ، فَأَوْتِرُوا يَا أَهْل الْقُرْآنِ [25] وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ وَوَاظَبَ عَلَيْهِ .

وَاسْتَدَلُّوا لِعَدَمِ وُجُوبِهِ بِمَا ثَبَتَ عَنْ أَبِى سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ يَقُولُ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ، ثَائِرُ الرَّأْسِ ، يُسْمَعُ دَوِىُّ صَوْتِهِ ، وَلاَ يُفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا ، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلاَمِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - - صلى الله عليه وسلم - « خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ » . فَقَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهَا قَالَ « لاَ ، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ » . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « وَصِيَامُ رَمَضَانَ » . قَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهُ قَالَ « لاَ ، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ » . قَالَ وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الزَّكَاةَ . قَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهَا قَالَ « لاَ ، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ » . قَالَ فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ وَاللَّهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلاَ أَنْقُصُ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ » [26] .

وعَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي كِنَانَةَ يُدْعَى الْمُخْدَجِيَّ سَمِعَ رَجُلًا بِالشَّامِ يُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ ، يَقُولُ: إِنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ ، فَقَالَ: الْمُخْدَجِيُّ فَرُحْتُ إِلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَاعْتَرَضْتُ لَهُ وَهُوَ رَائِحٌ إِلَى الْمَسْجِدِ ، فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ، فَقَالَ: عُبَادَةُ كَذَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:"خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْعِبَادِ ، فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ ، لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا ، اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ ، كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ . وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ ، فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ . إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ" [27] .

وَقَال عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْوِتْرُ لَيْسَ بِحَتْمٍ كَهَيْئَةِ الصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ ، وَلَكِنْ سُنَّةٌ ، سَنَّهَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [28]

(1) - قلت: هذا الجزم فيه نظر ، فحديث عائشة ليس دليلًا قاطعًا على هذا العدد، ولو صح عند الصحابة ذلك ما خالفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم

(2) - مجموع الفتاوى - (ج 22 / ص 272)

(3) - فتح الباري لابن حجر - (ج 6 / ص 292)

(4) - انظر فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 8 / ص 3923) -رقم الفتوى 54790 هل الزيادة على إحدى عشرة ركعة في التراويح بدعة؟ وانظر فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 2 / ص 874) رقم الفتوى 2497 لا حرج في صلاة التراويح بأي كيفية أو عدد ورد عن السلف

(5) - انظر فتاوى الأزهر - (ج 1 / ص 48) صلاة التراويح وفتاوى السبكي - (ج 1 / ص 307) والحاوي للفتاوي للسيوطي - (ج 2 / ص 12)

(6) - لقاءات الباب المفتوح - (ج 179 / ص 32) -حكم الزيادة في صلاة التراويح على إحدى عشرة ركعة

(7) - قلت: الصواب أن هذا قيام ليل وليس التراويح

(8) - صحيح البخارى (990)

(9) - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنه - قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - لَيْلَةً ، فَلَمْ يَزَلْ قَائِمًا حَتَّى هَمَمْتُ بِأَمْرِ سَوْءٍ . قُلْنَا وَمَا هَمَمْتَ قَالَ هَمَمْتَ أَنْ أَقْعُدَ وَأَذَرَ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - صحيح البخارى (1135)

(10) - صحيح مسلم (1122 )

(11) - صحيح البخارى (1583 )

(12) - صحيح البخارى (127 )

(13) - سنن أبى داود (1962) صحيح

(14) - فتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم آل الشيخ - (ج 2 / ص 196)

(15) - مجموع فتاوى شيخ الإسلام 22/272.

(16) - نيل الأوطار 3/61و نيل الأوطار - (ج 4 / ص 333) الشاملة 2

(17) - فتح الباري لابن حجر - (ج 6 / ص 292)

(18) - الاستذكار 5/244.

(19) - سنن الترمذى (811 ) صحيح

(20) - فتاوى و مقالات ابن باز - (ج 11 / ص 175)

(21) - فتاوى إسلامية - (ج 2 / ص 211) ومجموع فتاوى ابن باز - (ج 14 / ص 50)

(22) - صحيح البخارى (7246 )

(23) - الشرح الممتع 4/73-74.

(24) - انظر الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 27 / ص 289) فما بعدها

(25) - سنن الترمذى (455) صحيح لغيره

(26) - صحيح البخارى (46)

(27) - موطأ مالك (268 ) صحيح

(28) - سنن الترمذى (456 ) حسن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت