على أنه إذا وجدت المسألة في مذهبين فقد خرجت من هذا الباب، واندرجت في الخلاف الفقهي المعتاد الذي لا مطمع في إزالته، وهو مظهر صحة في جسم الفقه الإسلامي، ما دام أدب الخلاف محل رعاية وتطبيق.
والمسائل الخلافية أكثرها ذو طابع جزئي تفريعي، ويكون أصل المسألة موضع وفاق، لا شك أن الاشتغال بهذا لا طائل تحته، لأن هذه الفروع والمسائل الجزئية كثيرًا ما يقع الخلاف فيها داخل المذهب نفسه، كما تكون في الغالب من اجتهادات فقهائه المتأخرين بعد عهد أئمتهم المجتهدين.
وهناك أمر شبيه جدًّا بتلك التفريعات الفقهية المتأخرة عن عهد الأئمة والتخريجات المحمولة على مذاهبهم، أو الترجيحات المتنازع فيها، وهو تجدد الاجتهاد، أو ما يطلق عليه أجوبة المجتهد الحي لدى الشيعة، حيث هناك تفضيل للعمل، (وربما يتعين عند البعض) ، أن تصدر أجوبة وإفادات فقهية من مجتهد حي، وكثيرًا ما تخالف في الرأي والترجيح - على الأقل - ما كان عليه العمل قبله أو في الكتب المصنفة، وسيأتي مزيد بيان ذلك.
ويقصد بالمذاهب الفقهية المستهدفة للمقارنة جميع المذاهب المعمول بها الآن، وهذا يحقق النظرة المتكافئة بين جميع المذاهب التي ينتسب إليها فقهاء العالم الإسلامي الذين يضمهم هذا المجمع من أعضاء وخبراء، وهي المذاهب الأربعة: الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، ويلحق بها المذهب الظاهري للاهتمام به في الدراسات المقارنة ولو لم يشتهر العمل به، والمذهب الإمامي، والمذهب الزيدي، والمذهب الإباضي.
وقد جرى الالتزام ببيان الأحكام الفقهية وفق هذه المذاهب في الرسائل العلمية الجامعية ونحوه، كما اهتمت بذلك الموسوعات والمدونات والأبحاث التي تقدم للمؤتمرات والندوات، فضلًا عن الاستمداد منها في أعمال التقنين والأنظمة المستمدة من الشريعة الإسلامية.
هذا، ويلحظ أن المقارنة بين المذاهب الفقهية بصورة شاملة لها جميعًا لم تحظَ بالاهتمام على مدى العصور، فأحيانًا تنشط وأحيانًا تهمل أو تقع على غير الوجه السوي، مع أنها ضرورية لمواجهة المستجدات العصرية بكل ما في التراث الفقهي من ثراء، دون تحفظ إلا بقدر ما تقضي به ضوابط سلامة الاجتهاد وتحقيق المقاصد الشرعية .
وفي هذا يقول ابن حزم: ولسنا نُخرج من جملة العلماء من ثبتت عدالته وبحثه عن حدود الفتيا (أي ضوابطها) وإن كان مخالفًا لنحلتنا، بل نعتد بخلافه، كسائر العلماء ولا فرق كعمرو بن عبيد ، ومحمد بن إسحاق ، وقتادة بن دعامة الدوسي ، وشبابة بن سوار ، والحسن بن حي ، وجابر بن زيد ونظرائهم ، وإن كان فيهم القدري والشيعي والإباضي والمرجئ، فهم كانوا أهل علم وفضل وخير واجتهاد رحمهم الله، وغَلَطُ هؤلاء بما خالفونا فيه كغلط سائر العلماء في التحريم والتحليل ولا فرق [1] .
8-منهجية المحدثين في قبول أو رد رواية المخالفين:
من المقرر في علم مصطلح الحديث، أن العبرة في قبول أو رد الرواية هو توافر المعايير الدقيقة التي قام عليها هذا العلم، ولا اعتبار فيها لمذهب الراوي أو انتمائه إلى فرقة من الفرق، ما دام قد تحقق فيه عنصر العدالة والضبط فكان ثقة في مروياته.
وقد واجه علماء هذا الفن قضية الاختلاف في المقولات الإسلامية بتجرد وموضوعية، دون التوغل في مضمونها ما دام صاحبها يصدق عليه اسم المسلم، وكان الوصف - وهو أمر نسبي - هو البدعة. فالمبتدع (في نظر المحدث الراوي للسنة لها) لا تمتنع الرواية عنه إذا كان ثقة في الرواية، باستثناء ما لو كان داعية إلى بدعة (والمراد بالداعية هنا من يدعو فعلًا للبدعة مباشرة، فلا يشمل ذلك من يسيء بالموالاة لمبتدع أو بمدحه، كما وقع لعمران بن حطان) أو إذا روى ما يتعلق ببدعته.
ولهذا ضمت كتب السنة المشهورة العديد من روايات من وُصفوا بأنواع من البدع لمقولات إسلامية تشبثوا بها مخالفين غيرهم، كما شملت كتب الرجال الرواة من جميع الفرق الإسلامية والمذاهب، واتصف نقدهم توثيقًا أو تضعيفًا بالموضوعية التامة، من خلال عنصري العدالة والضبط، بالإضافة إلى ما يتعلق بشرط اتصال الرواية لاستبعاد التدليس والانقطاع، وكذلك الشذوذ أو العلة القادحة.
والملحوظ أن التآليف في كتب مصطلح الحديث، وكتب الرجال لم يقع تصنيفها بمنظور مذهبي، وإنما جمعت الاتجاهات المختلفة، ونحا تصنيفها مناحي فنية بحسب العصور، أو خدمة بعض المصنفات الحديثية، ولم تنشأ الكتابات المراعية للمذاهب إلا في عصور متأخرة، بعدما استقر أمر الرواية وتدوينها.
ومع هذا أثيرت بعض الشبهات في هذا، ولابد من مناقشتها لتمحيص ما فيها، ومن ذلك ما أشار إليه الشيخ عبد الحسين شرف الدين في معرض كلامه عن سبب التباعد بين الطائفتين (السنة والشيعة) ، من عدم احتجاج البخاري في صحيحه بأئمة أهل البيت النبوي، إذ لم يروِ شيئًا عن: الصادق والكاظم والرضا والجواد والهادي والزكي العسكري - وكان معاصرًا له - ولا روى عن الحسن بن الحسن (الإمام بعد الحسين السبط، على رأي الزيدية، وبعده زيد...) ، ولا عن زيد بن علي بن الحسين ، ولا عن يحيى بن زيد ، ولا عن النفس الزكية، ولا عن... (وأورد جملة من سلالة آل البيت دون من سبق في الشهرة الذين اقتصرت على نقلهم لمجرد التمثيل...) ، ثم قال: ولا عن غيرهم من أعلام العترة الطاهرة، وأغصان الشجرة الزاهرة... حتى إنه لم يروِ شيئًا من حديث سبطه الأكبر الحسن، مع احتجاجه بداعية الخوارج، وأشدهم عداوة لأهل البيت عمران بن حطان.. [2] .
وهذا الكلام ممن يورد اسمه بين الدعاة إلى وحدة الأمة في غاية الغرابة، وذلك لسعة علمه وإحاطته بمصادر السنة والشيعة، فإن السبب في هذا أمر موضوعي بحت، وهو أن الرواية في كتاب من كتب السنة الصحيحة لا يكفي لها التحري عن راوٍ معين من رواة سند الحديث، بل جميع رجال السند، فعدم رواية البخاري أو غيره عن علم أو أكثر من أعلام آل البيت ليس لشخصهم، بل لعدم توافر سند صحيح إليهم عند صاحب الكتاب، ولذا لم يروِ البخاري في صحيحه الذي التزم فيه شروطًا شديدة في الرواة عن عدد كبير من الصحابة روى عنهم غيره من أصحاب السنن والمسانيد لا لأشخاصهم، بل لما وقع في الأسانيد التي رويت بها الأخبار عنهم.
هذا أولًا، ثم إن منهج أي كتاب من كتب السنة قائم على اختيار بعض الأحاديث، بل اختيار بعض الروايات أيضًا، فلا يترك أحدهم منهجه ليروي ما هو أبعد سندًا أو أقل دلالة... ثم بعدئذ لمَ لا ينظر إلى من روى لهم البخاري مثلًا من آل البيت لتوافر ما التزمه من الشروط في الرواة وطرق الرواية ووجوه الدلالة؟
وأما الرواية عن عمران بن حطان... رغم ما صدر عنه من استحسان الفعلة القبيحة من ابن ملجم، فهي مراعى فيها مبدأ أن المبتدع الموصوف بالضبط والصدق في الرواية يقبل منه ما رواه من أخبار، شريطة أن لا يتعلق موضوعها ببدعته، وأن لا يكون داعية لتلك البدعة مباشرة ولو أساء بموالاة أصحابها.
9-علاقة الخلاف الفقهي بأصول الفقه:
إذا كان الفقه قد نشأ موزعًا على المذاهب، فإن علم أصول الفقه قد اشتمل منذ بدايته على جميع الاختلافات في قواعده وحججه وأدلته، دون تمييز بين مذهب وآخر، وذلك للوصول إلى طرق الاستنباط الصحيحة، وهو أمر لا يحصل إلا بالمقارنة بين جميع الاتجاهات ومناقشتها والترجيح بينها.
ومع أن الاختلاف الفقهي هو المظهر العملي لشتى أنواع الخلاف، التي منها الخلاف في أصول الفقه، فإن التطابق أو التقارب والتناسق بين المذاهب الفقهية ممكن ولو لم يتم توحيد أصول الفقه كلها، لأنها قائمة على الشمولية والحصر العقلي وتجاذب الأدلة؛ وذلك لأنه كثيرًا ما تتباين وجوه الاستدلال وتتحد المقولة أو النتيجة، وهذه الحقيقة غنية عن الإثبات لكثرة أمثلتها، وهي شبيهة بمسائل الإجماع التي تختلف مستنداتها مع الاتفاق بين المجتهدين على حكم واحد فيها.
ومما يتصل بهذا الموضوع تحديد مصادر الأحكام وطرق الاستنباط لدى المذاهب، وإذا كانت هذه المصادر موحدة في الجملة لدى المذاهب الأربعة والزيدية والإباضية ، فإنها لدى الإمامية قليلة أو محصورة الاختلاف في وجوه معينة.
ولعل من المفيد، لتحقيق منهجية المقارنة، تقديم نبذة عن مصادر الأحكام لدى الإمامية، مقدمة من أحد علمائهم في مجال المساعي للتعريف بالمذهب ضمن جهود التقريب بين المذاهب، وهو الشيخ محمد تقي القمي [3] :
(مصادر الأحكام عند الإمامية أربعة: الكتاب والسُّنَّة والإجماع والعقل أو الأدلة العقلية:
1 -الكتاب:
من أكبر نعم الله على المسلمين، أنهم لا يختلفون في كتابهم... وهذا هو الأصل الأول في التشريع عند الإمامية كما هو عند غيرهم.
2 -السنة:
لا يختلف الشيعي عن السني في الأخذ بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، بل يتفق المسلمون جميعًا على أنها المصدر الثاني للشريعة، ولا خلاف بين مسلم وآخر في أن قول الرسول وفعله وتقريره سنة لا بد من الأخذ بها، إلا أن هناك فرقًا بين من كان في عصر الرسالة يسمع عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وبين من يصل إليه الحديث الشريف بواسطة أو وسائط. ومن هنا جاءت مسألة الاستيثاق من صحة الرواية، واختلفت الأنظار؛ أي إن الاختلاف في الطريق وليس في السنة، وهذا ما حدث بين السنة والشيعة في بعض الأحايين. فالنزاع صغروي لا في الكبرى، فإن ما جاء به النبي لا خلاف في الأخذ به، وإنما الكلام في مواضع الخلاف ينصب على أن الفرد المروي: هل صدر عن الرسول أم لا؟...
فلا خلاف في أن السنة هي الأصل الثاني من أصول التشريع، وإنما الخلاف في ثبوت مروي أو عدم ثبوته، وهذا ليس خاصًا بالسنة والشيعة، وإنما يوجد بين مذاهب السنة بعضها وبعض، فكم من مروي ثبت عند الشافعي ولم يثبت عند غيره.
ومع أن الجمهور يأخذون برواية أي صحابي، والشيعة تشترط أن تكون الرواية عن طريق أئمة أهل البيت لأسباب عدة، منها اعتقادهم أنهم أعرف الناس بالسنة، فإن النتيجة في أكثر الأحيان لا تختلف...
وإذا سميت طائفة بالسنة وطائفة بالشيعة، فليس هذا إلا اصطلاحًا، فإن الشيعة يعملون بالسنة، وأهل السنة يحبون آل البيت ويجلونهم أعظم الإجلال حسب ما في كتبهم عنهم، مع فارق واحد أن الشيعة يعتقدون فيهم النص بالإمامة، ولذلك سموا (الإمامية) ، وهذا أنسب لهم لاعتقادهم في إمامة أهل البيت).اهـ.
ويلحظ هنا أن الشيخ القمي لم يتعرض بشكل صريح للعلاقة بين السنة وأقوال الأئمة خارج إطار مروياتهم، حيث إن من المقرر لدى الإمامية أن لأقوال الأئمة نفسها حجية بالإضافة إلى مروياتهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . ولو سمي ذلك أحيانًا بالاجتهاد فهو اجتهاد بمعنى آخر. وفي ذلك يقول أحد المؤلفين الجدد في مجال العرض لنظريات الفقه الجعفري: ( نحن لا ننكر أن الفقيه الشيعي ليس له أن يتخطى ما رسمه له الأئمة عليهم السلام، ولكننا نعتبر الإمام مجتهدًا كما هو الحال في أئمة المذاهب عند أهل السنة، بمعنى أن الأحكام التي نص عليها والمبادئ التي رسمها وخططها الإمام للحصول على الأحكام ليست من وحي الاجتهاد، ليكون كغيره من أئمة المذاهب الذين اجتهدوا في أحكام الدين، بل إن نظرتهم إلى الإمام تختلف عن ذلك أشد الاختلاف، وذلك لأنهم يرون الأئمة مصدرًا من مصادر التشريع فيما يأتون به من آراء وأحكام وغير ذلك، من غير فرق بينهم وبين الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلا من حيث إن الرسول يتلقى عن الوحي بلا واسطة، وهم يأخذون عن الرسول ما أوحي إليه يرويه المتقدم للمتأخر، فما رسموه وخططوه لمعرفة الأحكام هو من تخطيط النبي - صلى الله عليه وسلم - [4] .
ثم يكمل الشيخ القمي مصادر الأحكام عند الشيعة بقوله:
3 -الإجماع:
أما الإجماع، فهو أصل من أصول التشريع عند الإمامية كما هو عند غيرهم، ويذكر بعد الكتاب والسُّنَّة كأصل ثالث.
وإن إجماع العلماء على حكم يكشف في الحقيقة عن حجة قائمة هي النص من المعصوم، ويورث عادة القطع بأن هذا العدد مع ورعهم في الفتوى، لولا الحجة لما أجمعوا على رأي واحد، فإذن هناك حجة، وحجية الإجماع ترجع إليها والإجماع يكشف عنها.
4 -العقل أو الدلائل العقلية:
المعروف عن دليل العقل أنه البراءة الأصلية والاستصحاب ، ويرى البعض أن الاستصحاب ثبت بالسنة، كما أن البعض الآخر يجعلون مع البراءة الأصلية والاستصحاب التلازم بين الحكمين (وهو يشمل مقدمة الواجب ، وأن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده الخاص) والدلالة الالتزامية، وفسره البعض بلحن الخطاب، وفحوى الخطاب، ودليل الخطاب، وما ينفرد العقل بالدلالة عليه... وهو إما وجوب كرد الوديعة ، أو قبح كالظلم والكذب، أو حسن كالإنصاف والصدق. ثم كل واحد من هذه كما يكون ضروريًّا فقد يكون كسبيًّا: كرد الوديعة مع الضرورة ، وقبح الكذب مع النفع) [5] .
10-نتائج المقارنات الفقهية:
مجال الترجيح:
وجوب العمل بالنصوص القطعية الثبوت أو الدلالة، أو الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة أو البداهة، أو أجاميع العلماء هو محل اتفاق، وهذا كله لا مجال للاجتهاد فيه، وليس من موضوع الترجيح، إذ رجحانه لا منازعة فيه.
أما ما يجوز الاجتهاد فيه، وكذلك الترجيح، فهو الأحكام التي ورد فيها نص ظني الثبوت والدلالة، أو ظني أحدهما، والأحكام التي لم يرد فيها نص قاطع ولا إجماع، كالأحكام القياسية والمصلحية، والعرفية، فهو مجال الترجيح.
وعلى العلماء أن يأخذوا بما دل عليه ظاهر النص، أو الحديث الصحيح، أو كان محققًا لمصلحة تتفق مع جنس المصالح التي بنى الشرع الأحكام عليها، أو تعارف الناس عليها دون تصادم نص شرعي [6] .
11-ترجيح العمل بالحديث المخالف للمذهب:
قال شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام [7] : ومن العجب العجيب أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مأخذ إمامه، بحيث لا يجد لضعفه مدفعًا، وهو مع ذلك يقلد فيه، ويترك من شهد له الكتاب والسُّنَّة والأقيسة الصحيحة لمذهبهم، جمودًا على تقليد إمامه، بل يتحايل لدفع ظواهر الكتاب والسُّنَّة، ويتأولها بالتأويلات البعيدة الباطلة، نضالًا عن مقلده.
وقال ابن الصلاح: إن كان فيه (مرجح الحديث المخالف لمذهبه) آلات الاجتهاد مطلقًا، أو في ذلك الباب، أو في تلك المسألة، كان له الاستقلال بالعمل بذلك الحديث، وإن لم تكمل آلته، ووجد في قلبه حزازة من الحديث، ولم يجد معارضًا بعد البحث، فإن كان قد عمل بذلك الحديث إمام مستقل فله التمذهب به، ويكون ذلك عذرًا له في ترك قول إمامه [8] .
ونقل ابن عابدين عن ابن الشحنة قوله: إذا صحَّ الحديث وكان على خلاف المذهب عمل بالحديث ، ويكون ذلك مذهبه، ولا يخرج مقلده عن كونه حنفيًّا بالعمل به، فقد صح عنه أنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وقد حكى ذلك ابن عبد البر عن أبي حنيفة وغيره من الأئمة... ولا يخفى أن ذلك ممن كان أهلًا للنظر في النصوص ومعرفة محكمها من منسوخها، فإذا نظر أهل المذهب في الدليل وعملوا به صح نسبته إلى المذهب، لكونه صادرًا بإذن صاحب المذهب، إذ لا شك أنه لو علم ضعف دليله رجع عنه واتبع الدليل الأقوى، وقد قال نحو هذا العز بن عبد السلام ، وابن الصلاح على ما نقله عنه ولي الله الدهلوي الذي قال بعده: فحينئذ لا سبب لمخالفة حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا نفاق خفي أو حمق جلي [9] .
12-التلفيق بين المذاهب الفقهية:
القائلون بجوار التلفيق: منهم قالوا به على الإطلاق، ومنهم بشروط منها:
الأول: ما ذكره ابن الهمام في تحريره: أنه إن عمل المقلد بحكم من أحكام مذهبه الذي يقلده لا يرجع عنه ويقلد مذهبًا آخر، وفي غير ما عمل به له أن يقلد غيره من المجتهدين.
الثاني: ما نقله ابن الهمام عن القرافي واعتمد عليه في تحريره: أن لا يترتب على تقليد من قلده أولًا ما يجتمع على بطلانه كلا المذهبين .
الثالث: أن لا يتبع الرخص ويلتقطها، وهذا الشرط اعتبره الإمام النووي وغيره. لكن ابن الهمام لم يعتبره ولم يلتفت إليه [10] .
وقد عبر عن عملية التلفيق هذه في كتب الفقه الإمامي بالتبعيض، وفي ذلك يقول اليزدي في (العروة الوثقى) : (مسألة 33: إذا كان هناك مجتهدان متساويان في العلم كان للمقلد تقليد أيهما شاء، ويجوز التبعيض في المسائل) .
هذا وليس القول بجواز التلفيق مطلقًا، وإنما هو مقيد في دائرة معينة، فمنه ما هو باطل لذاته، كما إذا أدى إلى إحلال المحرمات كالخمر والزنى ونحوهما، ومنه ما هو محظور لا لذاته، بل لما يعرض له من العوارض، وهو ثلاثة أنواع [11] :
أولها: تتبع الرخص عمدًا: بأن يأخذ الإنسان من كل مذهب ما هو الأخف أو الأهون عليه، بدون ضرورة أو عذر، وهذا محظور سدًا لذرائع الفساد بالانحلال من التكاليف الشرعية.
الثاني: التلفيق الذي يستلزم نقض حكم الحاكم، لأن حكمه يرفع الخلاف درءًا للفوضى.
الثالث: التلفيق الذي يستلزم الرجوع عما عمل به تقليدًا، أو عن أمر مجمع عليه لازم لأمر قلده.
13-دواعي العمل بالمذاهب الأربعة وجواز العمل بغيرها:
أما سبب ترجيح بعض العلماء المذاهب الأربعة على غيرها؛ فهو لتوافر أمور خارجية تستدعي ذلك في نظرهم، وفي ذلك يقول ولي الله الدهلوي: إن في الأخذ بالمذاهب الأربعة مصلحة عظيمة، وفي الإعراض عنها مفسدة كبيرة، وبين وجه ذلك فيما ملخصه:
1 -إن الأمة اجتمعت على الاعتماد على السلف في معرفة الشريعة، فالتابعون اعتمدوا على الصحابة، وتبع التابعين اعتمدوا على التابعين، وهكذا في كل طبقة، لأن الشريعة لا تعرف إلا بالنقل والاستنباط، وهذا لا يستقيم إلا بأن تأخذ كل طبقة عمن قبلها، ولا بد من توافر ضبط المرويات وبيان ما فيها، وهو المتوافر في المذاهب الأربعة.
2 -اندراس المذاهب الأخرى.
3 -طروء اتباع الأهواء في القضاء والإفتاء [12] .
ولهذه الأسباب تقررت المقولة المعروفة عند الأصوليين في منع العمل بمذاهب الصحابة أو التابعين ما لم تقترن بالتوافق مع مذهب فقهي من المذاهب المدونة، وليس ذلك لأمر ذاتي في مذاهب السلف، بل لعدم النقل المنضبط المستكمل للقيود والشروط. ولهذا صرح الزركشي - ومن قبله العز بن عبد السلام - بأنه إذا صح عن بعض الصحابة مذهب في حكم من الأحكام لم تجز مخالفته إلا بدليل أوضح من دليله. ثم قال العز: لا خلاف بين الفريقين في الحقيقة، بل إن تحقق ثبوت مذهب عن واحد منهم جاز تقليده وِفَاقًا، وإلا فلا، لا لكونه لا يقلد، بل لأن مذهبه لم يثبت حق الثبوت .
قال ابن حجر الهيتمي: يجوز العمل بخلاف المذاهب الأربعة مما علمت نسبته لمن يجوز تقليده، وعرفت جميع شروطه عند المفهوم منه، إن العمل بالمقلد شرط في صحة التقليد... وحاصل المعتمد أنه يجوز تقليد كل من الأئمة الأربعة، وكذا من عداهم ممن حفظ مذهبه في تلك المسألة، ودون تحت ما عرفت شروطه وسائر معتبراته، فالإجماع الذي نقله غير واحد على منع تقليد الصحابة يحمل على ما فقد فيه شرط من ذلك [13] .
ومما سبق تتبين محاذير إضفاء القداسة والاعتبار القطعي على واحد من الاختلافات الفقهية، فإن الاختلاف لا يكون رحمة بالأمة إلا إذا استفيد منه دون تعصب لمذهب واحد أو اقتصار عليه، فالمرونة التي يتصف بها قسم من أحكام الشريعة (وراء الثوابت فيها) ، بما يضمن الصلاحية لها على اختلاف الأزمنة وتباين البيئات لا تتحقق إلا بالاستفادة من مختلف الاتجاهات الفقهية، فضلًا عن أن الإغراق في اعتبار مذهب إمام واحد وتخطئة الأئمة الآخرين يؤدي إلى القطيعة والتفرق، وأحيانًا إلى التخاصم والنتائج غير المرضية.
إن أتباع المذاهب الفقهية مدعوون للتوحيد والتعاون في مواجهة الغزو القانوني الوضعي للبلاد الإسلامية، وهي قضية مصيرية يجب تقديمها على الفتاوى الجزئية المتعجلة في حكم كل فريق على الآخر، ولابد من الأخذ بالشعار الذي رفعه المصلح الكبير الشيخ محمد رشيد رضا مستمدًا إياه من النصوص القرآنية والحديثية في اعتصام الأمة بحبل الله وعدم التفرق، وهو قوله: نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه. وليس هناك أمر متفق عليه أوضح من ضرورة الرجوع إلى الشريعة والفقه الإسلامي، ونبذ القوانين الوضعية المجافية لهما.وفي ذلك يقول الدكتور عبد الرزاق السنهوري: وفي رأينا أنه حيث ينبغي الرجوع إلى الفقه الإسلامي في كتبه المعتمدة، سواء كان هذا الفقه هو المصدر الرسمي الذي تستمد منه الأحكام، أم كان هو المصدر التاريخي الذي تفسر في ضوئه النصوص التشريعية، يجب أن يراعى أمران جوهريان:
الأول: هو عدم التقيد بمذهب معين من مذاهب الفقه الإسلامي، فكل مذاهب الفقه يجوز الرجوع إليها والأخذ منها، ولا محل للوقوف عند أرجح الأقوال من مذهب أبي حنيفة ، بل ولا التقيد بالمذهب الحنفي في جملته.
ولعلنا نذهب إلى مدى أبعد فنقول: إنه لا موجب للتقيد بالمذاهب الأربعة المعروفة. هناك مذاهب أخرى، كمذهب الإمامية والزيدية، يمكن الانتفاع بها إلى حد بعيد [14]
14-موقف الأئمة من التقليد ومعارضتهم للتعصب لهم:
لم يكن للأئمة توجيه خاص يدعو إلى الأخذ بمذاهبهم، أو إلزام الناس بتقليدهم، بل الذي ثبت عنهم أنهم نهوا الناس عن ذلك، وشددوا النكير على من يعمل بأقوالهم على وجه التقليد، دون أن يتعرف على سند القول ودليله.
(1) - مراتب الإجماع ، لابن حزم ، ص15.
(2) - الفصول المهمة في تأليف الأمة ، عبد الحسين شرف الدين، ص155 - 156، ط. النعمان، النجف: 1387 - 1967.
(3) - مقدمة التحقيق المعدة من الشيخ محمد تقي القمي، لكتاب (المختصر النافع) من صفحة (ع) إلى صفحة (ق) .
(4) - نظرية العقد في الفقه الجعفري، هاشم معروف الحسيني، ص27.
(5) - مقدمة التحقيق للمختصر النافع (مرجع سابق) .
(6) - مجلة مجمع الفقه الإسلامي: 8/1/76.
(7) - قواعد الأحكام: 2/135، ط. الاستقامة.
(8) - البحر المحيط للزركشي: 6/294.
(9) - حاشية ابن عابدين: 1/63؛ والإنصاف للدهلوي، ص99و107.
(10) - بحث التلفيق، للشيخ خليل الميس، مجلة المجمع: 8/1/165، ومن مراجعه الكمال ابن الهمام: التقرير والتحبير: 3/350 - 351.
(11) - تمييز الفتاوي عن الأحكام للقرافي، ص50، ورسم المفتى لابن عابدين: 1/69.
(12) - عقد الجيد في الاجتهاد والتقليد، للولي الدهلوي، والبحر المحيط للزركشي: 6/290 نقلًا عن فتاوى العز بن عبد السلام.
(13) - الفواكه العديدة في المسائل المفيدة، للمنقور: 2/118.
(14) - الوسيط شرح القانون المدني المصري، د. عبد الرزاق السنهوري: 1/49.