فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 60

فقصد - جل ثناؤه - قصْدَ القدمين بالغسل كما قصد الوجه واليدين فكان ظاهر هذه الآية أنه لا يجزئ في القدمين إلا ما يجزئ في الوجه من الغسل أو الرأس من المسح وكان يحتمل أن يكون أريد بغسل القدمين أو مسحهما بعضُ المتوضئين دون بعض.

فلما مسح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الخفين وأمر به من أدخل رجليه في الخفين وهو كامل الطهارة دلت سنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أنه إنما أريد بغسل القدمين أو مسحهما بعضُ المتوضئين دون بعض

وقال الله تبارك وتعالى:"وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِن اللَّهِ ( 38 ) " [ المائدة ]

وسنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن:"لاَ قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلاَ كَثَرٍ"وأن لا يقطع إلا من بلغت سرقته ربع دينار فصاعدًا .

وقال الله:"الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ" [ النور ]

وقال في الإماء:"فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِن الْعَذَابِ (25) " [ النساء ]

فدلَّ القُرَآن على أنه إنما أريد بجلد المائة: الأحرارُ دون الإماء . فلما رجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الثيب من الزناة ولم يجلده: دلَّت سنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن المراد بجلد المائة من الزناة: الحُرَّان البِكْرَان، وعلى أن المراد بالقطع في السرقة: من سرَق من حِرْز وبلغت سرقته ربع دينار دون غيرهما ممن لزمه اسم سرقة وزنا وقال الله:"وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ [ ص 68 ] فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ( 41 ) " [ الأنفال ]

فلما أعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بني هاشم وبني المطلب سهم ذي القربى: دلَّت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ذا القربى الذين جعل الله لهم سهمًا من الخمس: بنو هاشم وبنو المطلب دون غيرهم.

وكل قريش ذو قرابة وبنو عبد شمس مساويةُ بني المطلب في القرابة هم مَعًا بنو أب وأم وإن انفرد بعض بني المطلب بولادة من بني هاشم دونَهم.

فلما لم يكن السهم لمن انفرد بالولادة من بني المطلب دون من لم تصبه ولادة من بني هاشم منهم: دلَّ ذلك على أنهم إنما أعطُوا خاصة دون غيرهم بقرابة جذم النسب مع كَيْنُونَتِهِمْ معًا مجتمعين في نصر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالشِّعْب وقبله وبعده وما أراد الله - جل ثناؤه - بهم خاصًّا .

ولقد وَلَدَتْ بنو هاشم في قريش فما أعطي منهم أحد بولادتهم من الخمس شيئًا وبنو نوفل مُسَاوِيَتُهُمْ في جِذْمِ النسب وإن انفردوا بأنهم بنوا أم دونهم.

قال الله:"وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ( 41 ) " [الأنفال ]

فلما أعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السلَبَ القاتلَ في الإقبال: دلَّت سنَّة النبي - صلى الله عليه وسلم - على أن الغنيمة المَخْمُوسَة في كتاب الله غيرُ السلب، إذْ كان السلب مَغْنُومًا في الإقبال دون الأسلاب المأخوذة في غير الإقبال، وأن الأسلاب المأخوذة في غير الإقبال غنيمةٌ تُخمس مع ما سواها من الغنيمة بالسنَّة .

ولولا الاستدلال بالسنَّة وحُكْمُنا بالظاهر: قطعنا من لزمه اسمُ سرقة وضربنا مائةً كلَّ مَن زَنَى حُراًّ ثيبًا وأعطينا سهم ذي القربى كل من بينه وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - قرابة ثم خلص ذلك إلى طوائف من العرب ،لأن له فيهم وَشَايِجَ أرحام وَخَمَسْنا السَّلَب لأنه من المَغْنم مع ما سواه من الغنيمة" [1] ."

وقال أيضًا:"بَابُ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ: فَخَالَفَنَا بَعْضُ النَّاسِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ، فَجَرَّدَ خِلَافَ حَدِيثِ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ ، وَخَالَفَ بَعْضٌ مَعْنَى الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَقَدْ كَتَبْتُ عَلَيْهِ فِيهَا حُجَجًا اخْتَصَرْتُ فِي هَذَا الْكِتَابِ بَعْضَهَا ، فَكَانَ مِمَّا رُدَّ بِهِ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ أَنْ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ، فَقُلْتُ لَهُ: لَسْتُ أَعْلَمُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ تَحْرِيمَ أَنْ يَجُوزَ أَقَلُّ مِن شَاهِدَيْنِ بِحَالٍ ، قَالَ: فَإِنْ قُلْتَ: فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنْ لَا يَجُوزَ أَقَلُّ مِن شَاهِدَيْنِ ، قُلْتُ: فَقُلْهُ ، قَالَ: فَقَدْ قُلْتُهُ ، قُلْتُ: فَمَنِ الشَّاهِدَانِ اللَّذَانِ أَمَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِهِمَا ؟ قَالَ: عَدْلَانِ حُرَّانِ مُسْلِمَانِ ، فَقُلْتُ: فَلِمَ أَجَزْتَ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، وَقُلْتُ: لِمَ أَجَزْتَ شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ وَحْدَهَا ؟ قَالَ: لِأَنَّ عَلِيًّا أَجَازَهَا ، قُلْتُ: فَخِلَافٌ هِيَ لِلْقُرْآنِ ؟ قَالَ: لَا ، قُلْتُ: فَقَدْ زَعَمْتَ أَنَّ مَن حَكَمَ بِأَقَلَّ مِن شَاهِدَيْنِ خَالَفَ الْقُرْآنَ ، وَقُلْتُ لَهُ: يَجُوزُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْحَدِيثِ أَنْ يُخَالِفَ الْقُرْآنَ ؟ قَالَ: فَإِنْ قُلْتُهُ ، فَيُقَالُ لَكَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ إِلَى: فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ، وَقَالَ: ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ، فَزَعَمْتَ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا خَلَا بِالْمَرْأَةِ ، وَأَغْلَقْ بَابًا ، وَأَرْخَى سِتْرًا ، أَوْ خَلَا بِهَا فِي صَحْرَاءَ وَهُمَا يَتَصَادَقَانِ بِأَنْ لَمْ يَمَسَّهَا ، كَانَ لَهَا الْمَهْرُ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ ، فَخَالَفْتَ الْقُرْآنَ ، قَالَ: لَا ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مَا قُلْتَ ، وَإِذَا قَالَا: لَمْ نَجْعَلْهُ لِلْقُرْآنِ خِلَافًا ، قُلْتُ: فَمَا رُوِيَ عَن رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْمُبَيِّنِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى ، أَلَمْ تَقُولُوا هَذَا فِيهِ ، وَهُوَ أَبْعَدُ مِن أَنْ يَكُونَ خِلَافًا لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ مِن هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ وَذَكَرَ لَهُ غَيْرَهُمَا ؟ وَقُلْتُ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: شَاهِدَيْنِ ، وَشَاهِدًا وَامْرَأَتَيْنِ ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَا تَتِمُّ بِهِ الشَّهَادَةُ حَتَّى لَا يَكُونَ عَلَى مَن أَقَامَ الشَّاهِدَيْنِ يَمِينٌ ، لَا أَنَّهُ حَرَّمَ أَنْ يُحْكَمَ بِأَقَلَّ مِنهُ ، وَمَن جَاءَ بِشَاهِدٍ لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِشَيْءٍ حَتَّى يَحْلِفَ مَعَهُ ، فَهُوَ حُكْمٌ غَيْرُ الْحُكْمِ بِالشَّاهِدَيْنِ ، كَمَا يَكُونُ أَنْ يَدَّعِيَ الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ الْحَقَّ فَيَنْكُلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنِ الْيَمِينِ ، فَيَلْزَمُهُ عِنْدَكَ مَا نَكَلَ عَنهُ ، وَعِنْدَنَا إِذَا حَلَفَ الْمُدَّعِي فَهُوَ حُكْمٌ غَيْرُ شَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَشَاهِدَيْنِ ، قَالَ: فَإِنَّا نَدْخُلُ عَلَيْكُمْ فِيهَا وَفِي الْقَسَامَةِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي". قُلْتُ: فَهَذَا الْقَوْلُ خَاصٌّ أَوْ عَامٌّ ؟ قَالَ: بَلْ عَامٌّ ، قُلْتُ: فَأَنْتَ إِذًا أَشَدُّ النَّاسِ لَهُ خِلَافًا ، قَالَ: وَأَيْنَ ؟ قُلْتُ: أَنْتَ تَزْعُمُ لَوْ أَنَّ قَتِيلًا وُجِدَ فِي مَحِلَّةٍ أَحْلَفْتَ أَهْلَهَا خَمْسِينَ يَمِينًا ، وَغَرَّمْتَهُمُ الدِّيَةَ ، وَأَعْطَيْتَ وَلِيَّ الدَّمِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ، وَقَدْ زَعَمْتَ أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -:"الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي"عَامٌّ ، فَلَا يُعْطَى أَحَدٌ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ ، وَأَحْلَفْتَ أَهْلَ الْمَحِلَّةِ وَلَمْ تُبَرِّئْهُمْ ، وَقَدْ زَعَمْتَ أَنَّ فِيَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ"، أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِذَا حَلَفَ بَرِئَ مِمَّا ادُّعِيَ عَلَيْهِ ، فَإِنْ قُلْتَ هَذَا بِأَنَّ عُمَرَ قَضَى بِهِ ، قُلْتُ: فَمَنِ احْتَجَّ بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الثَّابِتِ عَنهُ أَوْلَى بِالْحُجَّةِ مِمَّنِ احْتَجَّ بِقَضَاءِ غَيْرِهِ ، فَإِنْ قَالَ: بَلْ مَنِ احْتَجَّ بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، قُلْتُ: فَقَدِ احْتَجَجْتَ بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَزَعَمْتَ أَنَّ قَوْلَهُ:"الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ"عَامٌّ ، قَالَ: مَا هُوَ بِعَامٍّ ، قُلْنَا: فَلِمَ امْتَنَعْتَ مِن أَنْ تَقُولَ بِمَا إِذَا كَشَفْتَ عَنهُ أُعْطِيتَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَلَيْكَ أَنْ تَقُولَ بِهِ ، وَقُلْتَ بِمَا إِذَا كَشَفْتَ عَنهُ وَوُجِدَ عَلَيْكَ خِلَافُهُ ؟ قَالَ: فَقَدْ جَعَلْتُمُ الْيَمِينَ مَعَ الشَّاهِدِ تَامَّةً فِي شَيْءٍ نَاقِصَةً غَيْرَهُ ، وَكَذَلِكَ جَعَلْتُمُ الشَّاهِدَيْنِ تَامَّيْنِ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا الزِّنَا ، وَجَعَلْتُمْ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ تَامَّيْنِ فِي الْمَالِ نَاقِصَيْنِ فِي الْحُدُودِ ، وَجَعَلْتُمْ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ تَامَّةً بَيْنَهُمْ نَاقِصَةً بَيْنَ غَيْرِهِمْ ، وَشَهَادَةَ الْمَرْأَةِ تَامَّةً فِي عُيُوبِ النِّسَاءِ نَاقِصَةً فِي غَيْرِهَا ، قَالَ: وَاحْتَجَّ فِي الْقَسَامَةِ بِأَنْ قَالَ: أَعْطَيْتَهُمْ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ، قُلْتُ: فَكَذَلِكَ أَعْطَيْتَ فِي قَسَامَتِكَ ، وَاحْتَجَّ بِأَنْ قَالَ: أَحْلَفْتَهُمْ عَلَى مَا لَا يَعْلَمُونَ ، قُلْتُ: فَقَدْ يَعْلَمُونَ بِظَاهِرِ الْأَخْبَارِ مِمَن يَصْدُقُونَ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ ، وَإِقْرَارُ الْقَاتِلِ عِنْدَهُمْ بِلَا بَيِّنَةٍ ، وَلَا يَحْكُمُ بِادِّعَائِهِمْ عَلَيْهِ الْإِقْرَارُ وَغَيْرُ ذَلِكَ ، قَالَ: الْعِلْمُ مَا رَأَوْا بِأَعْيُنِهِمْ ، أَوْ سَمِعُوا بِآذَانِهِمْ ، قُلْتُ: وَلَا عِلْمَ ثَالِثَ ؟ قَالَ: لَا ، قُلْتُ: فَإِذَا اشْتَرَى ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً عَبْدًا وُلِدَ بِالْمَشْرِقِ مُنْذُ خَمْسِينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ ، ثُمَّ بَاعَهُ ، فَادَّعَى الَّذِي ابْتَاعَهُ أَنَّهُ كَانَ آبِقًا ، فَكَيْفَ تُحَلِّفُهُ ؟ قَالَ: الْبَتَّةَ ، قَالَ: يَقُولُ لَكَ: تَظْلِمُنِي ، فَإِنَّ هَذَا وُلِدَ قَبْلِي ، وَبِبَلَدٍ غَيْرِ بَلَدِي ، وَتُحَلِّفُنِي عَلَى الْبَتَّةِ ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي لَا أُحِيطُ بِأَنْ لَمْ يَأْبَقْ قَطُّ عِلْمًا ، قَالَ: يُسْأَلُ ، قُلْتُ: يَقُولُ لَكَ: فَأَنْتَ تُحَلِّفُنِي عَلَى مَا تَعْلَمُ أَنِّي لَا أَبَرُّ فِيهِ ، قَالَ: وَإِذَا سَأَلْتَ وِسْعَكَ أَنْ تَحْلِفَ ، قُلْتُ: أَفَرَجُلٌ قُتِلَ أَبُوهُ فَغُبِّيَ مِن سَاعَتِهِ ، فَسَأَلَ أَوْلَى أَنْ يُعْلَمَ ؟ قَالَ: نَعَمْ ، قَالَ بَعْضُ مَن حَضَرَهُ: بَلْ مَن قُتِلَ أَبُوهُ ، قُلْتُ: فَقَدْ عِبْتَ يَمِينَهُ عَلَى الْقَسَامَةِ ، وَنَحْنُ لَا نَأْمُرُهُ أَنْ يَحْلِفَ إِلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ ، وَالْعِلْمُ يُمَكِّنُهُ ، وَالْيَمِينُ عَلَى الْقَسَامَةِ سُنَّةٌ عَن رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَقُلْتَ بِرَأْيِكَ: يَحْلِفُ عَلَى الْعَبْدِ الَّذِي وَصَفْتَ ، قَالَ: فَقَدْ خَالَفَ حَدِيثَكُمُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَابْنُ بُجَيْدٍ ، قُلْتُ: أَفَأَخَذْتَ بِحَدِيثِ سَعِيدٍ وَابْنِ بُجَيْدٍ ، فَتَقُولُ: اخْتَلَفَتْ أَحَادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَخَذْتُ بِأَحَدِهَا ؟ قَالَ: لَا ، قُلْتُ: فَقَدْ خَالَفْتَ كُلَّ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْقَسَامَةِ ، قَالَ: لَا ، قُلْتُ: فَلِمَ لَمْ تَأْخُذْ بِحَدِيثِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ ؟ قَالَ: هُوَ مُنْقَطِعٌ ، وَالْمُتَّصِلُ أَوْلَى أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ ، وَالْأَنْصَارِيُّونَ أَعْلَمُ بِحَدِيثِ صَاحِبِهِمْ مِن غَيْرِهِمْ ، قَالَ: فَكَيْفَ لَمْ تَأْخُذْ بِحَدِيثِ ابْنِ بُجَيْدٍ ؟ قُلْتُ: لَا يَثْبُتُ ثُبُوتَ حَدِيثِ سَهْلٍ ، بِهَذَا صِرْنَا إِلَى حَدِيثِ سَهْلٍ دُونَهُ ، قَالَ: فَإِنَّ صَاحِبَكُمْ قَالَ: لَا تَجِبُ الْقَسَامَةُ إِلَّا بِلَوْثٍ مِن بَيِّنَةٍ ، أَوْ دَعْوَى مِن مَيِّتٍ ، ثُمَّ وَصَفَ اللَّوْثَ بِغَيْرِ مَا وَصَفْتَ ، قُلْتُ: قَدْ رَأَيْتُنَا تَرَكْنَاهُ عَلَى أَصْحَابِنَا ، وَصِرْنَا إِلَى أَنْ نَقْضِيَ فِيهِ بِمِثْلِ الْمَعْنَى الَّذِي قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، لَا بِشَيْءٍ فِي غَيْرِ مَعْنَاهُ ، قَالَ: وَأَعْطَيْتُمُ بِالْقَسَامَةِ فِي النَّفْسِ ، وَلَمْ تُعْطُوا بِهَا فِي الْجِرَاحِ ، قُلْتُ: أَعْطَيْنَا بِهَا حَيْثُ أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ: الْجِرَاحُ مُخَالِفَةٌ لِلنَّفْسِ ، قُلْتُ: لِأَنَّ الْمَجْرُوحَ قَدْ يَتَبَيَّنُ مِن جُرْحِهِ ، وَيُدِّلُ عَلَى مَن عَمِلَ ذَلِكَ ، وَلَا يَتَبَيَّنُ الْمَيِّتُ ذَلِكَ ، قَالَ: نَعَمْ ، قُلْنَا: فَبِهَذَا لَمْ نُعْطِ بِهَا فِي الْجِرَاحِ كَمَا أَعْطَيْنَا بِهَا فِي النَّفْسِ ، وَالْقَضِيَّةُ الَّتِي خَالَفُوا بِهَا:"الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ"، أَنَّهُمْ أَحْلَفُوا أَهْلَ الْمَحِلَّةِ وَلَمْ يُبْرِئُوهُمْ ، وَإِنَّمَا جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْيَمِينَ مَوْضِعَ بَرَاءَةٍ ، وَقَدْ كَتَبْنَا الْحُجَّةَ فِي هَذَا مَعَ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا كَتَبْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ ، وَمَا رَأَيْنَاهُمُ ادَّعَوَا الْحُجَّةَ فِي شَيْءٍ إِلَّا تَرَكُوهُ ، وَلَا عَابُوا شَيْئًا إِلَّا دَخَلُوا فِي مِثْلِهِ أَوْ أَكْثَرَ مِنهُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِي اللهُ عَنهُ: وَمِن كِتَابِ عُمَرَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ ، عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بُجَيْدِ بْنِ قِبْطِيٍّ ، أَحَدِ بَنِي حَارِثَةَ ، قَالَ مُحَمَّدٌ يَعْنِي ابْنَ إِبْرَاهِيمَ: وَايْمُ اللَّهِ ، مَا كَانَ سَهْلٌ بِأَكْثَرَ عِلْمًا مِنهُ ، وَلَكِنَّهُ كَانَ أَسَنَّ مِنهُ ، قَالَ: وَاللَّهِ مَا هَكَذَا كَانَ الشَّأْنُ ، وَلَكِنَّ سَهْلًا أَوْهَمَ ، مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: احْلِفُوا عَلَى مَا لَا عَلِمَ لَهُمْ بِهِ ، وَلَكِنَّهُ كَتَبَ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ حِينَ كَلَّمَتْهُ الْأَنْصَارُ: أَنَّهُ وُجِدَ قَتِيلٌ بَيْنَ أَبْيَاتِكُمْ فَدُوهُ ، فَكَتَبُوا إِلَيْهِ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَتَلُوهُ ، وَلَا يَعْلَمُونَ لَهُ قَاتِلًا ، فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِن عِنْدِهِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَقَالَ لِي قَائِلٌ: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَأْخُذَ بِحَدِيثِ ابْنِ بُجَيْدٍ ؟ قُلْتُ: لَا أَعْلَمُ ابْنَ بُجَيْدٍ سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَهُوَ مُرْسَلٌ ، وَلَسْنَا وَلَا إِيَّاكَ نُثْبِتُ الْمُرْسَلَ ، وَقَدْ عَلِمْتَ سَهْلًا صَحِبَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَسَمِعَ مِنهُ ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ سِيَاقًا لَا يُثْبِتُهُ إِلَّا الْأَثْبَاتُ ، فَأَخَذْتُ بِهِ لِمَا وَصَفْتُ ، قَالَ: فَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْخُذَ بِحَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ؟ قُلْتُ: مُرْسَلٌ ، وَالْقَتِيلُ أَنْصَارِيٌّ ، وَالْأَنْصَارِيُّونَ أَوْلَى بِالْعِنَايَةِ بِالْعِلْمِ بِهِ مِن غَيْرِهِمْ إِذَا كَانَ كُلٌّ ثِقَةً ، وَكُلٌّ عِنْدَنَا بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى ثِقَةٌ".

وَللإمام ِأَحْمَدَ فِيهَا رِسَالَتُهُ الْمَشْهُورَةُ فِي الرَّدِّ عَلَى مَن يَزْعُمُ الِاسْتِغْنَاءَ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ عَن تَفْسِيرِ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَقَدْ أَوْرَدَ فِيهَا مِن الدَّلَائِلِ مَا يَضِيقُ هَذَا الْمَوْضِعُ عَن ذِكْرِهِ .

ثانيا

مَن تَرَكَ الْعَمَلَ بِحَدِيثِ ما فَلَا يَخْلُو مِن ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ

إمَّا أَنْ يَكُونَ تَرْكًا جَائِزًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ كَالتَّرْكِ فِي حَقِّ مَن لَمْ يَبْلُغْهُ ؛ وَلَا قَصَّرَ فِي الطَّلَبِ مَعَ حَاجَتِهِ إلَى الْفُتْيَا أَوْ الْحُكْمِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ عَن الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَغَيْرِهِمْ ،فَهَذَا لَا يَشُكُّ مُسْلِمٌ أَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَلْحَقُهُ مِن مَعَرَّةِ التَّرْكِ شَيْءٌ .

وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ تَرْكًا غَيْرَ جَائِزٍ، فَهَذَا لَا يَكَادُ يَصْدُرُ مِن الْأَئِمَّةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لَكِنْ قَدْ يَخَافُ عَلَى بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ قَاصِرًا فِي دَرْكِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ: فَيَقُولُ مَعَ عَدَمِ أَسْبَابِ الْقَوْلِ وَإِنْ كَانَ لَهُ فِيهَا نَظَرٌ وَاجْتِهَادٌ أَوْ يُقَصِّرُ فِي الِاسْتِدْلَالِ فَيَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ النَّظَرُ نِهَايَتَهُ مَعَ كَوْنِهِ مُتَمَسِّكًا بِحُجَّةِ أَوْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ عَادَةٌ أَوْ غَرَضٌ يَمْنَعُهُ مِن اسْتِيفَاءِ النَّظَرِ لِيَنْظُرَ فِيمَا يُعَارِضُ مَا عِنْدَهُ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَقُلْ إلَّا بِالِاجْتِهَادِ وَالِاسْتِدْلَالِ، فَإِنَّ الْحَدَّ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَنْتَهِيَ إلَيْهِ الِاجْتِهَادُ قَدْ لَا يَنْضَبِطُ لِلْمُجْتَهِدِ .

وَلِهَذَا كَانَ الْعُلَمَاءُ يَخَافُونَ مِثْلَ هَذَا خَشْيَةَ أَلَّا يَكُونَ الِاجْتِهَادُ الْمُعْتَبَرُ قَدْ وُجِدَ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ الْمَخْصُوصَةِ فَهَذِهِ ذُنُوبٌ [2] ؛ لَكِنَّ لُحُوقَ عُقُوبَةِ الذَّنْبِ بِصَاحِبِهِ إنَّمَا تُنَالُ لِمَن لَمْ يَتُبْ وَقَدْ يَمْحُوهَا الِاسْتِغْفَارُ وَالْإِحْسَانُ وَالْبَلَاءُ وَالشَّفَاعَةُ وَالرَّحْمَةُ ،وَلَمْ يَدْخُلْ فِي هَذَا مَن يَغْلِبُهُ الْهَوَى وَيَصْرَعُهُ حَتَّى يَنْصُرَ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ بَاطِلٌ ،أَوْ مَن يَجْزِمُ بِصَوَابِ قَوْلٍ أَوْ خَطَئِهِ مِن غَيْرِ مَعْرِفَةٍ مِنهُ بِدَلَائِلِ ذَلِكَ الْقَوْلِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا ؛ فَإِنَّ هَذَيْنِ فِي النَّارِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: « الْقُضَاةُ ثَلاَثَةٌ وَاحِدٌ فِى الْجَنَّةِ وَاثْنَانِ فِى النَّارِ فَأَمَّا الَّذِى فِى الْجَنَّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِى الْحُكْمِ فَهُوَ فِى النَّارِ وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِى النَّارِ » [3] .

وَالْمَفْتُونُ كَذَلِكَ . لَكِنَّ لُحُوقَ الْوَعِيدِ لِلشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ أَيْضًا لَهُ مَوَانِعُ كَمَا بَيَّنَّاهُ ،فَلَوْ فُرِضَ وُقُوعُ بَعْضِ هَذَا مِن بَعْضِ الْأَعْيَانِ مِن الْعُلَمَاءِ الْمَحْمُودِينَ عِنْدَ الْأُمَّةِ - مَعَ أَنَّ هَذَا بَعِيدٌ أَوْ غَيْرُ وَاقِعٍ - لَمْ يَعْدَمْ أَحَدُهُمْ أَحَدَ هَذِهِ الْأَسْبَابِ ؛ وَلَوْ وَقَعَ لَمْ يَقْدَحْ فِي إمَامَتِهِمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَإِنَّا لَا نَعْتَقِدُ فِي الْقَوْمِ الْعِصْمَةَ ، بَل تَجُوزُ عَلَيْهِمْ الذُّنُوبُ وَنَرْجُو لَهُمْ مَعَ ذَلِكَ أَعْلَى الدَّرَجَاتِ ؛ لِمَا اخْتَصَّهُمْ اللَّهُ بِهِ مِن الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَالْأَحْوَالِ السَّنِيَّةِ ،وَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُصِرِّينَ عَلَى ذَنْبٍ ،وَلَيْسُوا بِأَعْلَى دَرَجَةٍ مِن الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمْ، وَالْقَوْلُ فِيهِمْ كَذَلِكَ فِيمَا اجْتَهَدُوا فِيهِ مِن الْفَتَاوَى وَالْقَضَايَا وَالدِّمَاءِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ . ثُمَّ إنَّهُمْ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ التَّارِكَ الْمَوْصُوفَ مَعْذُورٌ بَل مَأْجُورٌ لَا يَمْنَعُنَا أَنْ نَتَّبِعَ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ الَّتِي لَا نَعْلَمُ لَهَا مُعَارِضًا يَدْفَعُهَا، وَأَنْ نَعْتَقِدَ وُجُوبَ الْعَمَلِ عَلَى الْأُمَّةِ وَوُجُوبَ تَبْلِيغِهَا . وَهَذَا مِمَّا لَا يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِيهِ [4] .

(1) - الرسالة للشافعي - (ج 1 / ص 25)

(2) - انظر الموافقات في أصول الشريعة - (ج 3 / ص 111)

(3) - سنن أبى داود برقم (3575) وهو حديث صحيح.

(4) - انظر مجموع فتاوى و مقالات ابن باز - (ج 9 / ص 145) فما بعدهت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت