وقد ذكر الحافظ ابن عبد البر عن جماعة من فقهاء السلف أن الاختلاف في الفروع فيه سعةٌ [1] فروى عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ:"لَقَدْ نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِاخْتِلَافِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي أَعْمَالِهِمْ ، لَا يَعْمَلُ الْعَالِمُ بِعَمَلِ رَجُلٍ مِنهُمْ إِلَّا رَأَى أَنَّهُ فِي سَعَةٍ وَرَأَى أَنَّهُ خَيْرٌ مِنهُ قَدْ عَمِلَهُ" [2] .
فعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ:"لَقَدْ أَوْسَعَ اللَّهُ عَلَى النَّاسِ بِاخْتِلَافِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، أَيُّ ذَلِكَ أَخَذْتَ بِهِ لَمْ يَكُنْ فِي نَفْسِكَ مِنهُ شَيْءٌ" [3] .
وعَن رَجَاءِ بْنِ جَمِيلٍ قَالَ: اجْتَمَعَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمَا فَجَعَلَا يَتَذَاكَرَانِ الْحَدِيثَ ، قَالَ: فَجَعَلَ عُمَرُ يَجِيءُ بِالشَّيْءِ يُخَالِفُ فِيهِ الْقَاسِمَ قَالَ: وَجَعَلَ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلَى الْقَاسِمِ حَتَّى تَبَيَّنَ فِيهِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ:"لَا تَفْعَلْ فَمَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي بِاخْتِلَافِهِمْ حُمْرَ النَّعَمِ" [4] .
وعَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَن أَبِيهِ ، أَنَّهُ قَالَ: لَقَدْ أَعْجَبَنِي قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ"مَا أُحِبُّ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَخْتَلِفُوا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قَوْلًا وَاحِدًا كَانَ النَّاسُ فِي ضِيقٍ وَإِنَّهُمْ أَئِمَّةٌ يُقْتَدَى بِهِمْ وَلَوْ أَخَذَ رَجُلٌ بِقَوْلِ أَحَدِهِمْ كَانَ فِي سَعَةٍ"
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ:"هَذَا فِيمَا كَانَ طَرِيقُهُ الِاجْتِهَادَ" [5] .
وعَن أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: سَأَلْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ، عَن الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا لَمْ يَجْهَرْ فِيهِ فَقَالَ:"إِنْ قَرَأْتَ فَلَكَ فِي رِجَالٍ مِن أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ، وَإِذَا لَمْ تَقْرَأْ فَلَكَ فِي رِجَالٍ مِن أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ" [6] .
وعَن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ:"مَا بَرِحَ الْمُسْتَفْتُونَ يُسْتَفْتَوْنَ فَيُحِلُّ هَذَا وَيُحَرِّمُ هَذَا فَلَا يَرَى الْمُحَرِّمُ أَنَّ الْمُحَلِّلَ هَلَكَ لِتَحْلِيلِهِ، وَلَا يَرَى الْمُحَلْلَ أَنَّ الْمُحَرِّمَ هَلَكَ لِتَحْرِيمِهِ] [7] ."
وسوف يمر معنا قول ولي الله الدهلوي حول اختلاف الصحابة في كثير من الأحكام ، فراجعه إن شئت [8] .
وبعد اختلاف الصحابة والتابعين وتابعيهم اختلفَ الأئمةُ والعلماءُ في فروع الدين وما الاختلافُ بين أصحاب المذاهب الأربعة عنا ببعيد . ولا يجوزُ أن يقال:إنَّ اختلاف هؤلاء الفقهاء شرٌّ وسخطٌ وعذابٌ؛ بل فيه السعةُ والرأفةُ والرحمةُ بالأمة . وينبغي أنْ لا تضيق صدورنا بالخلافات الفقهية، فهي أمر ٌتعارفَ عليه المسلمون منذ الصدر الأول للإسلام ،بل إن الإمام مالك بن أنس رفض حملَ جميع المسلمين على مذهب واحد لما عرض عليه بعض الخلفاء العباسيين أن يحملوا المسلمين على ما قرره مالك في موطئه فرفض حمل الناس على ذلك حبًا في التوسعة على المسلمين وعدم التضييق عليهم .
قال ابن أبي حاتم [9] : [ قال مالك: ثم قال لي أبو جعفر المنصور: قد أردت أن أجعل هذا العلم علمًا واحدًا فأكتب به إلى أمراء الأجناد وإلى القضاة فيعملون به فمن خالف ضربت عنقه ! فقلت له: يا أمير المؤمنين أو غير ذلك قلت:إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في هذه الأمة وكان يبعث السرايا وكان يخرج فلم يفتح من البلاد كثيرًا حتى قبضه الله عز وجل ،ثم قام أبو بكر - رضي الله عنه - بعده فلم يفتح من البلاد كثيرًا ثم قام عمر - رضي الله عنه - بعدهما ففتحت البلاد على يديه ،فلم يجد بدًّا من أن يبعث أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - معلمين فلم يزل يؤخذ عنهم كابرًا عن كابر إلى يومهم هذا، فإن ذهبت تحولهم مما يعرفون إلى ما لا يعرفون رأوا ذلك كفرًا . ولكن أقرَّ أهل كل بلدة على ما فيها من العلمِ، خذْ هذا العلمَ لنفسك ،فقال لي: ما أبعدتَ القول اكتب هذا العلم لمحمد يعني ولده المهدي الخليفة من بعده ] .
وقال الإمام السيوطي رحمه الله في كتابه النفيس ( جزيل المواهب في اختلاف المذاهب) ما نصه [10] :"اعلم أنَّ اختلاف المذاهب في الملة نعمة كبيرةٌ ، وفضيلة عظيمةٌ ، وله سرٌّ لطيف أدركه العالمون ، وعميَ عنه الجاهلون ، حتى سمعت بعض الجهال يقول: النبي ( صلى الله عليه و سلم ) جاء بشرعٍ واحدٍ ، فمن أين مذاهبُ أربعة ٌ؟ ! ."
ومن العجب أيضًا منْ يأخذُ في تفضيل بعض المذاهب على بعض تفضيلًا يؤدي ، إلى تنقيص المفضَّل عليه وسقوطه ، وربما أدَّى إلى الخصام بين السفهاء ، وصارت عصبيةً وحميةَ الجاهليةِ ، والعلماء منزَّهون عن ذلك .
وقد وقع الاختلافُ في الفروع بين الصحابة ( رضي الله عنهم و أرضاهم ) ، وهم خير الأمة ، فما خاصم أحد منهم أحدًا ، ولا عادى أحدٌ أحدًا ، ولا نسب أحد أحدًا إلى خطأٍ ولا قصورٍ .
والسرُّ الذي أشرت إليه قد استنبطته من حديث ورد أن اختلاف هذه الأمة رحمة من الله لها ، وكان اختلاف الأمم السابقة عذابًا وهلاكًا . هذا أو معناه ، ولا يحضرني الآن لفظ الحديث .
فعرفَ بذلك أنَّ اختلاف المذاهب في هذه الأمة خصيصةٌ فاضلةٌ لهذه الأمة ، وتوسيعٌ في هذه الشريعة السمحة السهلة ، فكانت الأنبياءُ قبل النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) يبعث أحدهم بشرعٍ واحدٍ ، وحكمٍ واحدٍ ، حتى إنه من ضيق شريعتهِم لم يكن فيها تخييرٌ في كثير من الفروع التي شرع فيها التخيير في شريعتنا ؛ كتحريمِ القصاص في شريعةِ اليهود ، وتحتم الدية في شريعةِ النصارى.
ومن ضيقها أيضًا: لم يجتمع فيها الناسخُ والمنسوخُ كما وقع في شريعتنا ، ولذا أنكر اليهود النسخ ، واستعظموا نسخَ القبلة .
ومن ضيقها أيضًا: أنَّ كتابهم لم يكن يقرأ إلا على حرفٍ واحدٍ كما ورد بكل ذلك الأحاديث .
وهذه الشريعةُ سمةٌ سهلة ، لا حرج فيها ، كما قال تعالى {..يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ..} (185) سورة البقرة ، وقال: {.. وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِن حَرَجٍ ..} (78) سورة الحج .
وقال ( - صلى الله عليه وسلم - ) :"بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ" [11] .
فمن سعتِها: أنَّ كتابها نزلَ على سبعةِ أحرفٍ يقرأ بأوجهَ متعددةٍ والكلُّ كلام الله .
ووقع فيه الناسخ والمنسوخ ليعملَ بهما معًا في هذه الملَّة في الجملة ، فكأنه عملَ فيها بالشرعين معًا .
ووقع فيها التخييرُ بين أمرين شرعَ كلٌّ منهما في ملَّة ، كالقصاص والدية ، فكأنها جمعت الشرعين معًا ،وزادت حسنًا بشرع ثالث ، وهو التخييرُ الذي لم يكن في أحد الشريعتين .
ومن ذلك: مشروعيةُ الاختلاف بينهم في الفروع فكانتِ المذاهب على اختلافها كشرائعَ متعددةٍ [12] ، كلٌّ مأمور بها في هذه الشريعة ، فصارت هذه الشريعة كأنها عدةَ شرائعَ بُعثَ النبيُّ ( - صلى الله عليه وسلم - ) بجميعها ، وفي ذلك توسعةٌ زائدةٌ لها ، وفخامةٌ عظيمةٌ لقدرِ النبي ( صلى الله عليه و سلم ) ، وخصوصيةٌ له على سائر الأنبياء ، حيث بعثَ كلٌّ منهم بحكمٍ واحدٍ ، وبُعثَ هو ( - صلى الله عليه وسلم - ) في الأمرِ الواحدِ بأحكامَ متنوعةٍ ، يحكَمُ بكلٍّ منها وينفّذُ ، ويصوبُ قائلهُ ، ويؤجر ُعليه ، ويهدي به .
وهذا معنى لطيفٌ فتحَ الله به ، ويستحسنه كلُّ منْ له ذوقٌ وإدراكٌ لأسرارِ الشريعةِ .
وقد ذكر السبكيُّ في تأليف له أنَّ جميع الشرائع السابقة هي شرائعُ للنبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) بعثَ بها الأنبياءُ السابقون كالنيابة عنه ؛ لأنه نبيّ وآدمُ بين الروح والجسد [13] ، وجعِلَ إذ ذاك نبيُّ الأنبياء ، وقدرَ بذلك قوله:"بعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً" [14] ، فجعله مبعوثًا إلى الخلق كلهِم من لدن آدمَ إلى أنْ تقوم الساعةُ في كلامٍ طويل مشتملٍ ، على نفائسَ بديعاتٍ ، وقد سقته في أول كتاب المعجزات .
فإذا جعل السبكيُّ جميع الشرائع التي بعثت بها الأنبياء شرائعَ له ( - صلى الله عليه وسلم - ) زيادة في تعظيمه ، فالمذاهبُ التي استنبطها أصحابه من أقواله وأفعاله على تنوعها شرائعُ متعددة له من باب أولى ، خصوصًا وقد أخبر بوقوعها ، ووعد بالهداية على الأخذ بها .""
ولكن المذموم في الاختلاف في الفروع هو التعصب للرأي وإن ثبت أن َّهذا الرأي مخالف لما صحَّ عن رسول - صلى الله عليه وسلم - فالتعصبُ صفةٌ ذميمة لا ينبغي للمسلم أن يتصف بها.
وخلاصةُ الرأي أنَّ الاختلاف في الفروع لا بأسَ به ،وأن فيه توسعةً على الأمة ما دامَ صادرًا عن أهل العلمِ والاجتهادِ . [15]
المبحث الثالث
اختلافُ أقوال العلماء في المسائل الفرعية عن فقه وعلم لا عن جهل وهوى [16]
إنَّ من فضل الله وكرمه أن أصول الدين، وقطعيات الإسلام، وما اتفقت عليه الأمة من جلياتِ الشرعِ، لم تختلفْ فيها الأمة، ولا يجوز لها ذلك، فليست تلك المسائل محلًا للاجتهاد أصلًا، ولكن شاء الله أن يختلف الناس في أفهامهم ومداركهم، وجعل سبحانه كثيرًا من أدلة الشريعة محتملًا أكثر من دلالة وذلك لحكمةٍ بالغةٍ.
فنتيجةٌ لذلك وقع الخلاف بين علماء المسلمين في المسائل الفرعية الاجتهادية، بل إن الصحابة رضوان الله عليهم مع علو مكانتهم، وقربهم من فترة الوحي، اختلفوا في المسائل الاجتهادية الفقهية. فغيرهم أولى بالوقوع في الاختلاف، لكنهم ومن بعدهم من أئمة المسلمين ما تعمَّدوا خلاف نصوص الشرع، فدينُ الله في قلوبهم أعظمُ وأجلُّ من أن يقدِّموا عليه رأي أحد من الناس، أو يعارضوه برأي، أو قياسٍ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله [17] : وَلِيُعْلَمَ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِن الْأَئِمَّةِ الْمَقْبُولِينَ عِنْدَ الْأُمَّةِ قَبُولًا عَامًّا يَتَعَمَّدُ مُخَالَفَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي شَيْءٍ مِن سُنَّتِهِ ؛ دَقِيقٍ وَلَا جَلِيلٍ ؛ فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ اتِّفَاقًا يَقِينِيًّا عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الرَّسُولِ وَعَلَى أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مِن النَّاسِ يُؤْخَذُ مِن قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إلَّا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَلَكِنْ إذَا وُجِدَ لِوَاحِدِ مِنهُمْ قَوْلٌ قَدْ جَاءَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ بِخِلَافِهِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِن عُذْرٍ فِي تَرْكِهِ انتهى.
فهم رضي الله عنهم إن وجد لهم مسائل جانبوا فيها الصواب، فإنهم ما قصدوا مخالفة الدليل، وإنما نتج ذلك عن اجتهاد منهم، وتحروا الحق، وركضوا وراءه، فأصابوا وأخطئوا، كلٌّ بحسب اجتهاده، فهم يترددون بين الأجر والأجرين، للمخطئ منهم أجر واحد، وللمصيب منهم أجران.
ويرجع السبب في اختلاف علماء المسلمين إلى أمور كثيرة منها:
أن لا يكون الدليل قد بلغ أحدهم، أو بلغه ولم يثبت عنده، أو ثبت عنده لكنه لا يراه يدل على المقصود، أو أنه منسوخ، أو أن له معارضًا أرجح منه.. إلى غير ذلك من الأسباب التي تسوّغ الخلاف بين العلماء.
فنحن لا ينبغي أن تضيق صدورنا باختلاف المجتهدين، ولا نحسبه تجزئةً في الدين، وإنما نراه من مظاهر نشاط فقهاء المسلمين.
وعرض اختلافهم في أمهات الكتب له فوائد عظيمة منها:
1-أنه يتيح التعرف على جميع الاحتمالات التي يمكن أن يكون الدليل رمى إليها بوجه من وجوه الدلالة.
2-أن هذا الاختلاف المنضبط بضوابط الشريعة فيه تنمية للملكة الفقهية، ورياضة للأذهان، وتلاقح للآراء، وفتح مجالات التفكير للوصول إلى سائر الافتراضات التي تستطيع العقول المختلفة الوصول إليها.
3-تعدد الحلول أمام الفقيه في الوقائع النازلة ليهتدي بذلك الفقه إلى الحلِّ المناسب لها وإلى أي الأدلة أقيس بها.
وعند اختلاف العلماء على المسلم إنْ كانَ له نظرٌ في الأدلة أن يتبعَ من أقوالهم ما كان أظهرَ صوابًا وأرجحَ دليلًا، مع ترك التعصبِ للأئمة وتقديم أقوالهم على نصوص الشرع، مع إنزالهم منزلتهُم اللائقة بهم، والاستفادة من اجتهاداتهم في فهم نصوص الشرع، مع الحذر من تتبعِ رخص الأقوال والترجيحِ بالتشهِّي بما يناسب هوى المستفتي بحجةِ أنَّ في المسألة أقوالًا، فمجردُ الخلاف ليس دليلًا.
أمَّا إنْ كان عاميًا ـ أيْ غيرُ متخصص في علوم الشريعة، ولا له نظر في الأدلة ـ فإنه لا يلزمه التمذهبُ بمذهبٍ، بل يستفتي من اتفق له ممن هو من أهل العلم والورع من غير ترخَّص.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرُ بْنُ أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ:"فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ تَقُولُ فِي الْمُسْتَفْتِي مِنَ الْعَامَّةِ إِذَا أَفْتَاهُ الرَّجُلَانِ وَاخْتَلَفَا فَهَلْ لَهُ التَّقْلِيدُ ؟ قِيلَ لَهُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ هَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنْ كَانَ الْعَامِّيُّ يَتَّسِعُ عَقْلُهُ , وَيَكْمُلُ فَهْمُهُ إِذَا عَقَلَ أَنْ يَعْقِلَ , وَإِذَا فَهِمَ أَنْ يَفْهَمَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ الْمُخْتَلِفِينَ عَن مَذَاهِبِهِمْ عَن حُجَجِهِمْ , فَيَأْخُذُ بِأَرْجَحِهِمَا عِنْدَهُ , فَإِنْ كَانَ عَقْلُهُ لَمْ يَنْقُصْ عَن هَذَا , وَفَهْمُهُ لَا يَكْمُلُ لَهُ , وَسِعَهُ التَّقْلِيدُ لِأَفْضَلِهِمَا عِنْدَهُ وَقِيلَ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ مَن شَاءَ مِنَ الْمُفْتِينَ , وَهُوَ الْقَوْلُ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِن أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى قَوْلِ عَالِمٍ ثِقَةٍ , وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ , فَوَجَبَ أَنْ يَكْفِيَهُ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ" [18]
وقال النووي في روضة الطالبين: ( وليس له التمذهب بمجرد التشهي، ولا بما وجد عليه أباه. هذا كلام الأصحاب. والذي يقتضيه الدليل أنه ـ أي العامي ـ لا يلزمه التمذهبُ بمذهبٍ، بل يستفتي من يشاء، أو من اتفق، لكن من غير تلقط للرخص) والله أعلم. [19]
المبحث الرابع
شبهات حول أسباب الفقهاء ومناقشتها [20]
إن بعض من الناس اتهم الشريعة الإسلامية بالتناقض والتخلخل وعدم الصلاحية للخلود والبقاء، استنادًا إلى ما ابتنيت عليه من الخلافات المذهبية الكثيرة، حتى إنك لا تكاد تجد حكما واحدا متفقًا عليه بينهم ـ على حد قولهم ـ.
والآن بعد أن استعرضنا مواطن الاختلاف بين الفقهاء وأسبابه، نتعرض لتحليل هذه الشبهات والرد عليها، ونقدم لذلك نبذة نلقي فيها الضوء على طبيعة أسباب الاختلاف المتقدمة، فهي:
1-أسباب ترجع إلى طبيعة اللغة العربية وأساليبها، وطرق دلالة اللفظ فيها على المعنى، وهذا مالا دخل للفقهاء الذين أقاموا صرح فقه هذه الشريعة فيه أبدًا، إذ إن اللغة العربية نفسها تحتوي هذه الخلافات الفقهية وتحتملها، فان في اللغة العام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمشترك والمتشابه، وفيها الحقيقة والمجاز وغير ذلك، ولكل قسم ونوع من هذه الأنواع وهذه الأساليب دلالة خاصة على المعنى المراد من لفظه، فبعضها تعتبر دلالته على معناه قطعية لا مثار فيها للخلافات، وهو ما اتفقت الأنظار الفقهية فيه من غير خلاف، وبعضها ظني الدلالة على معناه، بمعنى أنه يحتمل المعنى المتبادر منه ويحتمل معان أخرى إلى جانب هذا المعنى، وقد تكون هذه المعاني متساوية في قوة دلالة اللفظ فيها على المعنى أو تفاوته، وطبعي أمام هذه الاحتمالات كلها أن تختلف الأنظار الفقهية وتتعدد الأفهام البشرية، ويكفينا دليلا على صدق نيتهم في بذل الجهد كاملا في فهم هذه النصوص أنهم اتفقوا فيما يعتبر قطعي الدلالة ولم يختلفوا فيه، فهذه أصول العقائد وأصول العبادات تثبت عن طريق القطع فلم يختلف فيها أحد من الفقهاء، من ذلك فرضية الصلاة والزكاة والحج، ، ومن ذلك أيضًا صفات الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله، وغير ذلك من الأحكام الكثيرة التي ثبتت بطرق قاطعة، وإذا كان الأمر كذلك فاللغة العربية هنا هي مشار الاختلاف ولا دخل للفقهاء فيه، ولا عيب فيهم إذا ما اختلفوا في بعض الأحكام تبعًا لذلك، بل العيب فيهم لو لم يختلفوا، ولا عيب في اللغة العربية إن كانت مثارًا لهذا الاختلاف أيضًا، لأن شأنها في ذلك شأن لغات العالم كله، فان هذا التعدد في قوة دلالة اللفظ على المعنى موجود في كل لغات العالم دون استثناء، هذا إذا لم تكن اللغة العربية أدق تلك اللغات كلها وأصدقها في التعبير والدلالة، بل هو الصحيح بشهادة الكتاب الأجانب أنفسهم وصدق من قال: (والفضل ما شهدت به الأعداء) .
2-أسباب ترجع إلى طبيعة النفس البشرية: من ذلك مثلا اختلافهم على قبول رواية بعض الرواة أو عدم قبولهم، فإن ذلك أمر لا دخل للنزعات الشخصية فيه أبدًا، بل هو أمر واقعي يفرض نفسه، فإن السنة الشريفة الشريفة كلها أو جلها رويت لنا مشافهة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عن طريق الرجال، وطبعي أن تختلف الأنظار في توثيقهم عدالة وجرحا ونسيانًا وحفظًا وغير ذلك من طرق الجرح والتعديل، فيكون الراوي الفلاني ثقة عند فلان قليل الثقة في نظر غيره، فإن النفس البشرية هذا ميزانها وذلك هو جل طاقتها، وحسب الفقيه إن يبذل الجهد كاملًا في الوصول إلى الحق في التجريح والتعديل مخلصًا لله قصده، وإننا من تقصي تاريخ هؤلاء العلماء نستدل على صدقهم وحسن نيتهم في التجريح والتعديل، وهذه كتب التاريخ خير شاهد على ذلك.
3-ومن ذلك أيضًا اختلاف أفهامهم وتغاير نظراتهم للأمور في حدود ما فطرت عليه النفس البشرية، فإن الله تعالى خلق هذه النفوس من جنس واحد هو التراب، ولكنه فاضل بينهما في العقول والأفهام، وهذا أمر لا ينكره أحد، وإن كان لهذا التفاوت في الأفهام حدود يجب أن يقف عندها فلا يتعداها إلى غيرها وإلا اعتبر شذوذًا وخروجا عما تحتمله النفس الإنسانية أو تسيغه، فالناس في الحدود العامة التي تسيغها وتحتملها هذه النفس يختلفون، ولا يجوز أن يعتبر اختلافهم هذا مطعنا في إنسانيتهم أو أداة للنيل من مدى الوثوق بهم، لأنه فطرة الله التي فطر الناس عليها، قال تعالى: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (الزخرف:32) ، أي إن سنن الكون تتطلب هذا الاختلاف وتفرضه، ولو رجعنا إلى ما تغايرت فيه أفهام الفقهاء لما وجدنا فيها خروجًا عن الحد الذي تقضي به وتفرضه الطبيعة الإنسانية.
ولذلك، ولما كانت تلك هي حدود النفس الإنسانية وطاقاتها ولا يمكن أن ترقى إلى ما هو أعلى منه، فإنه يكفي الفقهاء فخرا أنهم نماذج إنسانية من الطراز الأول في صدقهم وإخلاصهم للحق وقوة فهمهم وعلو مداركهم ودقة نظرتهم، والتاريخ شاهد حق على كل ذلك.
(1) - جامع بيان العلم وفضله 2/80
(2) - جامع بيان العلم برقم (1052 ) وهو صحيح
(3) - جامع بيان العلم برقم ( 1053 ) وهو صحيح
(4) - نفسه برقم (1054 ) وهو صحيح
(5) - نفسه برقم ( 1055) وهو صحيح
(6) - نفسه برقم (1056 ) صحيح
(7) - نفسه برقم (1057 ) صحيح
(8) - حجة الله البالغة 1/295-296
(9) - مقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم - (ج 1 / ص 24) وأدب الاختلاف ص36-37
(10) - جزيل المواهب في اختلاف المذاهب - (ج 1 / ص 2و3) و آداب الاختلاف لدى الصحابة - (ج 1 / ص 25)
(11) - أخرجه أحمد 5/266 برقم ( 22951 ) و ابن كثير في التفسير 1/312 و 3/489 و 4/178 و 509 و 5/452 و الخطيب في تاريخ بغداد 7/209 و ابن سعد في الطبقات1/1/128 و الإتحاف للزبيدي 9/184 من طرق وهوصحيح لغيره
وانظر مجموع الفتاوى - (ج 10 / ص 346) ومجموع الفتاوى - (ج 20 / ص 114) ومجموع فتاوى و مقالات ابن باز - (ج 2 / ص 216) وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 10 / ص 4066) والموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 5059) والموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 7889) والموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 11080) والفقه الإسلامي وأدلته - (ج 1 / ص 81)
(12) - المقصود بها هنا التشبيه وليس الحقيقة ، وهو يقارنها بالشرائع السابقة ، حيث جمعت هذه الشريعة الخاتمة خير ما في الشرائع السابقة وزادت عليها كثيرا، فصارت كأنها بمثابة شرائع متعددة
(13) - ففي سنن الترمذى برقم (3968 ) عَن أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى وَجَبَتْ لَكَ النُّبُوَّةُ قَالَ « وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ » . قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ وهو كما قال
(14) - ففي مسند أحمد برقم ( 2794) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِىٌّ قَبْلِى وَلاَ أَقُولُهُنَّ فَخْرًا بُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً الأَحْمَرِ وَالأَسْوَدِ وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَأُحِلَّتْ لِىَ الْغَنَائِمُ وَلَم تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِى وَجُعِلَتْ لِىَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ فَأَخَّرْتُهَا لأُمَّتِى فَهِىَ لِمَنْ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا » وهو صحيح.
(15) - انظر فتاوى يسألونك - (ج 6 / ص 294) فما بعدها
(16) - فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 2 / ص 3019) رقم الفتوى 6787 اختلاف أقوال العلماء في المسائل الفرعية عن فقه وعلم لا عن جهل وهوى تاريخ الفتوى: 07 ذو القعدة 1421
(17) - مجموع الفتاوى - (ج 20 / ص 232) ومجموع فتاوى ابن تيمية - (ج 4 / ص 285) ومجموع رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية - (ج 31 / ص 1)
(18) - الْفَقِيهُ وَالْمُتَفَقِّهُ لِلْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ (1216 )
(19) - روضة الطالبين وعمدة المفتين - (ج 4 / ص 121)
(20) - بحوث في علم أصول الفقه د- أحمد الحجي الكردي- (ج 1 / ص 26) وما بعدها