فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 60

فها هو ذا أبو حنيفة يقول: (لا ينبغي لمن لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي) ، كما أنه كان إذا أصدر فتوى قال: (هذا رأي النعمان بن ثابت ، وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاءنا بأحسن منه فهو أولى بالصواب) .

وكذلك نقل عن الإمام مالك قوله: (ما من أحد إلا وهو مأخوذ من كلامه ومردود عليه إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) .

كما قال الإمام الشافعي: (إذا صح الحديث فهو مذهبي) ، وفي رواية: (إذا رأيت كلامي يخالف الحديث فاعملوا بالحديث، واضربوا بكلامي الحائط) ، كما روى عنه قوله: (مهما قلت من قول أو أصلت من أصل، فبلغ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلاف ما قلت، فالقول ما قاله - صلى الله عليه وسلم - ) - وقال الشافعي يومًا لتلميذه المزني: (يا إبراهيم لا تقلدني في كل ما أقول، وانظر في ذلك لنفسك فإنه دين) - وأخيرًا يقول الشافعي: (مثل الذي يطلب العلم بلا حجة، كمثل حاطب ليل يحمل حزمة حطب، وفيها أفعى وهو لا يدري) .

كما نهى الإمام أحمد بن حنبل بعض الناس عن التقليد عامة، فقال: (لا تقلدني ولا تقلدنَّ مالكًا ، ولا الأوزاعي ولا النخعي ولا غيرهم، وخذ الأحكام من حيث أخذوا من الكتاب والسُّنَّة) .

لا ينبغي لأحد أن يفتي إلا من يعرف أقاويل العلماء، ويعرف مذهبهم، كما قال: (من قلة فقه الرجل أن يقلد في دينه الرجال) .

وقال الزركشي: هل يجب على العامي تقليد مذهب معين فيه كل واقعة؟.فيه وجهان: قال إلكيا: يلزمه ، وقال ابن برهان: لا ، ورجحه النووي وهو الصحيح.

فإن الصحابة رضوان الله عليهم لم ينكروا على العامة تقليد بعضهم من غير تعيين.

وأختم هذا البحث بكلام لابن المنير في توجيه المفاضلة بين المذاهب حيث يقول:

وقد ذكر قوم من أتباع المذاهب في تفضيل أئمتهم، وأحق ما يقال في ذلك ما قالت أم الكملة عن بنيها: ثكلتهم إن كنت أعلم أيهم أفضل؛ هم كالحلقة المفرغة لا يُدرى أين طرفاها.

فما من واحد منهم إذا تجرد النظر إلى خصائصه إلا ويغني الزمان حتى لا يبقى فيهم فضلة لتفضيل على غيره.

وهذا سبب هجوم المفضلين على التعيين لأجل غلبة العادة، فلا يكاد يسع ذهن أحد من أصحابه لتفضيل غير مقلده إلى ضيق الأذهان عن استيعاب خصائص المفضلين، جاءت الإشارة بقوله تعالى: { وَمَا نُرِيهِمْ مِن آَيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِن أُخْتِهَا} [الزخرف: 48] ، يريد والله أعلم أن كل آية إذا جرد النظر إليها قال الناظر حينئذ: هذه أكبر الآيات، وإلا فما يتصور في آيتين أن تكون كل واحدة أكبر من الأخرى بكل اعتبار، وإلا لتناقض الأفضلية والمفضولية [1] .

15-سبل تضييق مساحة الخلاف:

مراعاة الخلاف قبل العمل:

يستحب الخروج من الخلاف ، باجتناب ما اختلف في تحريمه، وفعل ما اختلف في وجوبه، إن قلنا: كل مجتهد مصيب، لجواز أن يكون هو المصيب، وكذا إن قلنا: إن المصيب واحد، لأن المجتهد إذا كان خلاف ما غلب على ظنه، ونظر في متمسك مخالفة فرأى له موقعًا، فينبغي له أن يراعيه على وجه، وكذا الخلاف بين المجتهدين إذا كان أحدهم إمامًا، لما في المخالفة من الخروج على الأئمة.

وقد صح عن ابن مسعود رضي الله عنه، أنه عاب على عثمان رضي الله عنه صلاته بمِنًى أربعًا وصلى معه، فقيل له في ذلك فقال: الخلاف شر.

وجعل العز بن عبد السلام الخلاف على أقسام:

1 -أن يكون في التحليل والتحريم ، فالخروج من الخلاف بالاجتناب أفضل.

2 -أن يكون الخلاف في الاستحباب والإيجاب ، فالفعل أفضل.

3 -أن يكون الخلاف في الشرعية، كقراءة البسملة في الفاتحة، فإنها مكروهة عند مالك واجبة عند الشافعي ، وكذلك صلاة الكسوف على الهيئة المنقولة في الحديث فإنها سنة عند الشافعي ، وأنكرها أبو حنيفة ، فالفعل أفضل.

والضابط أن مأخذ الخلاف: إن كان في غاية الضعف فلا نظر إليه، لاسيما إذا كان مما ينقض الحكم بمثله، وإن تقاربت الأدلة بحيث لا يبعد قول المخالف كل البعد، فهذا مما يستحب الخروج منه، حذرًا من كون الصواب مع الخصم [2] .

شروط مراعاة الخلاف:

1 -أن يكون مأخذ المخالف قويًّا، فإن كان واهيًا لم يراع، وقال القفال: يراعى الخلاف وإن ضعف المأخذ إذا كان فيه احتياط.

2 -أن لا تؤدي مراعاته إلى خرق الإجماع .

3 -أن يكون الجمع بين المذاهب ممكنًا، فإن لم يكن كذلك فلا يترك الراجح عند معتقده لمراعاة المرجوح ، لأن ذلك عدول عما وجب عليه من اتباع ما غلب على ظنه، وهو لا يجوز قطعًا... أما إذا لم يكن كذلك فينبغي الخروج من الخلاف، لاسيما إذا كان فيه زيادة تعبد... ثم أورد الزركشي بعد هذه الشروط أمثلة لمراعاة الخلاف، ومنها ومما أورده غيره تم تصنيف ما يلي حسب أبواب الفقه:

في الطهارة:

المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة يجب عند الحنفية والاستنشاق في الوضوء لخلاف أحمد ، والغسل من ولوغ الكلب ثماني مرات لخلاف أحمد ، والغسل من سائر النجاسات ثلاثًا (لخلاف أبي حنيفة ) وسبعًا (لخلاف أحمد بن حنبل ) .

في الصلاة:

-التسبيح في الركوع والسجود لخلاف أحمد في وجوبه.

-استحباب السجود على الأنف (عند الحنابلة القائلين بعدم وجوبه) .

-الترتيب في قضاء الفوائت عند الشافعية.

-ترك الأداء خلف من يصلي القضاء عند الشافعية.

-ترك القصر فيما دون ثلاث مراحل عند الشافعية.

-ترك الجمع فيما دون ثلاث مراحل عند الشافعية.

-كراهة مفارقة الإمام بلا عذر عند الشافعية.

-كراهة صلاة المفرد خلف الصف عند الشافعية.

-البسملة في الفرض (عند الماليكة) .

في الصوم:

-التبييت في نية صوم النفل، فإن مذهب مالك وجوبه.

في الحج:

-إتيان القارن بطوافين وسعيين، مراعاة لخلاف أبي حنيفة .

-الموالاة بين الطواف والسعي، لأن مالكًا يوجبها.

في البيع:

-التنزه عن بيع العينة ونحوه من العقود المختلف فيها.

-ترك الحيل في باب الربا.

هذا، ولا يشترط عند جمهور الفقهاء في الإتيان بما اختلف في وجوبه أن يعتقد الوجوب ، بل يخرج من الخلاف بمجرد الفعل. وخالف في ذلك أبو إسحاق الإسفرايني [3] .

حالات تعذر الخروج من الخلاف:

أ - قد يتعذر الخروج من الخلاف لتباين وجوهه، بحيث لا يمكن الجمع بينها، كما في البسملة، فإن الجهر بها عند الشافعي هو السنة، وعند أبي حنيفة وأحمد: الإسرار بها هو السنة، وعند مالك الترك بالكلية.

وقد يقال: إذا كان المنع مع الأكثر كان هو الأولى، هذا في المقلد، فأما المجتهد فمع اجتهاده.

ب - إذا كان في مجال حقوق العباد، وترتب على مراعاة الخلاف التجاوز على صاحب حق.

كما إذا كان ليتيم على يتيم حق مختلف في وجوبه، فلا يمكن للقاضي الصلح ههنا، إذ لا تجوز المسامحة بمال أحدهما، وعليه التورط في الخلاف.

وكذلك حكم الأب والوصي [4] .

مراعاة الخلاف بعد وقوع المختلف فيه:

إذا ارتكب المكلف فعلًا مختلفًا في تحريمه وجوازه فقد يجيز من يرى التحريم ما وقع، نظرًا إلى أن ذلك الفعل وافق فيه المكلف دليلًا في الجملة، وهو - وإن كان مرجوحًا - راجح بالنسبة إلى إبقاء الحالة على ما وقعت عليه لأن ذلك أولى من إزالتها بضرر أشد من مقتضى النهي، كالنكاح بلا ولي يثبت به النسب والميراث ولا يعامل كالزنى لثبوت الخلاف فيه، ووجهه أن للعامل بالجهل مخطئًا نظرين: أحدهما مخالفة للأمر والنهي، وهو يقتضي الإبطال، والآخر قصده الموافقة لأحكام الشرع، وخطؤه أو جهله لا يخرج به عن حكم أهل الإسلام، بل يتلافى له حكم يصحح ما أفسده بجهله أو خطئه، إلا أن يترجح جانب الإبطال بأمر واضح.

هذا ملخص ما قرره الشاطبي في الموضوع. وقد نقل الشاطبي لهذا الرأي توجيهًا أورده عن بعضهم، مفاده: أن المسألة يكون لها دليل يقتضي المنع ابتداء ويكون هو الراجح ، ثم بعد الوقوع يصير الراجح مرجوحًا لمعارضة دليل آخر يقتضي رجحان دليل المخالف، فيختلف حكم ما بعد الوقوع عما بعده، أي لترتب آثار بالوقوع تقتضي حكمًا جديدًا [5] .

16-الخلاف في الاستحباب وعدمه، وأمثلته، والعمل بالجواز:

قال ابن تيمية:"َامَّةُ هَذِهِ التَّنَازُعَاتِ إنَّمَا هِيَ فِي أُمُورٍ مُسْتَحَبَّاتٍ وَمَكْرُوهَاتٍ لَا فِي وَاجِبَاتٍ وَمُحَرَّمَاتٍ ؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ إذَا حَجَّ مُتَمَتِّعًا أَوْ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا كَانَ حَجُّهُ مُجْزِئًا عِنْدَ عَامَّةِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ تَنَازَعُوا فِي الْأَفْضَلِ مِن ذَلِكَ وَلَكِنَّ بَعْضَ الْخَارِجِينَ عَن الْجَمَاعَةِ يُوجِبُ أَوْ يَمْنَعُ ذَلِكَ فَمِن الشِّيعَةِ مَن يُوجِبُ الْمُتْعَةَ وَيُحَرِّمُ مَا عَدَاهَا وَمِن النَّاصِبَةِ مَن يُحَرِّمُ الْمُتْعَةَ وَلَا يُبِيحُهَا بِحَالِ . وَكَذَلِكَ الْأَذَانُ سَوَاءٌ رَجَّعَ فِيهِ أَوْ لَمْ يُرَجِّعْ فَإِنَّهُ أَذَانٌ صَحِيحٌ عِنْدَ جَمِيعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَعَامَّةِ خَلَفِهَا وَسَوَاءٌ رَبَّعَ التَّكْبِيرَ فِي أَوَّلِهِ أَوْ ثَنَّاهُ وَإِنَّمَا يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ بَعْضُ شَوَاذِّ الْمُتَفَقِّهَةِ كَمَا خَالَفَ فِيهِ بَعْضُ الشِّيعَةِ فَأَوْجَبَ لَهُ الْحَيْعَلَةَ"بحي عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ"وَكَذَلِكَ الْإِقَامَةُ يَصِحُّ فِيهَا الْإِفْرَادُ وَالتَّثْنِيَةُ بِأَيِّهَا أَقَامَ صَحَّتْ إقَامَتُهُ عِنْدَ عَامَّةِ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ إلَّا مَا تَنَازَعَ فِيهِ شُذُوذُ النَّاسِ . وَكَذَلِكَ الْجَهْرُ بِالْبَسْمَلَةِ وَالْمُخَافَتَةِ كِلَاهُمَا جَائِزٌ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَإِنْ كَانَ مِن الْعُلَمَاءِ مَن يَسْتَحِبُّ أَحَدَهُمَا أَوْ يَكْرَهُ الْآخَرَ أَوْ يَخْتَارُ أَنْ لَا يَقْرَأَ بِهَا . فَالْمُنَازَعَةُ بَيْنَهُمْ فِي الْمُسْتَحَبِّ وَإِلَّا فَالصَّلَاةُ بِأَحَدِهِمَا جَائِزَةٌ عِنْدَ عَوَامِّ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّهُمْ وَإِنْ تَنَازَعُوا بِالْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ فِي مَوْضِعِهِمَا هَلْ هُمَا وَاجِبَانِ أَمْ لَا ؟ وَفِيهِ نِزَاعٌ مَعْرُوفٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا فَهَذَا فِي الْجَوِّ الطَّوِيلِ بِالْقَدْرِ الْكَثِيرِ مِثْلَ الْمُخَافَتَةِ بِقُرْآنِ الْفَجْرِ وَالْجَهْرُ بِقِرَاءَةِ صَلَاةِ الظُّهْرِ . فَأَمَّا الْجَهْرُ بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ أَوْ الْمُخَافَتَةُ بِهِ فَمِمَّا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدِ أَنْ يُبْطِلَ الصَّلَاةَ بِذَلِكَ وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِهِ [6] .."

اختلاف التنوع والعمل به كله:

بعض المسائل الخلافية في العبادات يأخذ فيها الخلاف صورة التنوع وليس صورة التضاد.

ومثل هذا لا ضير من إقراره ثم التنقل في التطبيق بينه جميعه.

وممن عني ببيان هذه القاعدة ابن تيمية رحمه الله؛ فإنه يقسم الخلاف في معرض الأذكار والأدعية التي في الصلاة (وهو تقسيم مخصوص يمكن استعارته للنظر في التوسع فيه) يقسم الخلاف إلى خلاف تنوع وتعدد، وخلاف تضاد وتغاير ويرى العمل بكل وجوه الخلاف في الأول منه سائغًا [7] .

ويسمي ابن سريج هذا النوع من الخلاف (الخلاف المباح) وفيما يلي خلاصة ما ذكره الإمام الزركشي في تفصيل هذا الموضوع: إذا اختلفت الروايات (المنقولة) في إيقاع العبادات على أوجه متعددة فهناك رأيان:

-الترجيح باختيار أحدهما، وهي طريقة الإمام الشافعي غالبًا.

-الجمع، بفعلها في أوقات، باعتبار هذا الاختلاف من الجنس المباح، وهي طريقة ابن سريج .

-وأمثلة ذلك: الأحاديث الواردة في دعاء الاستفتاح، وأحاديث التشهد، وكيفية قبض أصابع اليمنى على الركبة في التشهد. قال ابن الصباغ: كيفما فعل من هذه الهيئات فقد أتي بالسنة، لأن الأخبار قد وردت بها جميعًا، وكأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يصنع هكذا مرة، وهكذا مرة كذا نقله الرافعي، ونقله ابن يونس عن المحققين.

-الجمع في إجابة المؤذن الحيعلة والحوقلة، عملًا بحيث التفضيل والإطلاق.

-الخلاف في تثنية الأذان وإفراد الإقامة: عده ابن سريج وابن خزيمة من الاختلاف المباح، وليس بعضه أولى من بعض، وهذا قول مصرح بإجماع المتقدمين على أن الخلاف في أولاه وأفضله.

-الاختلاف في سجود السهو قبل السلام أو بعده، وقد جمع الشافعي بينهما في موضع، فحمل ما قبله على ما إذا كان بنقص، وبعده على ما إذا كان بزيادة، وحمل اختلاف الروايات عليه.

-صلاة الخوف في الأنواع المشهورة، وقد نزلها الشافعي على كون العدو في جهة القبلة تارة، وعلى إذا لم يكن أخرى.

-عدد التكبيرات في صلاة الجنازة.

-قال ابن سريج: ما ورد عليها من الزيادة من الاختلاف المباح، والجميع سائغ.

-وخالفه الجمهور وقالوا: كان فيه خلاف في الصدر الأول ثم انعقد الإجماع على الأربع، نعم، لو خمس عمدًا لم يبطل في الأصح ، ولثبوتها في حديث مسلم ، وهو ظاهر إذا فعله عن اجتهاد أو تقليد، وإلا فتبطل، لأنه كالعابث.

-قوله: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا (بالثاء المثلثة) ، ويروى كبيرًا (بالباء الموحدة) ، قال النووي: وينبغي الجمع بينهما وهو بعيد، بل الأولى تنزيله على اختلاف الأوقات، فنقول هذا مرة، وهذا مرة [8] .

هذا وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية مشروعية العمل بما ثبت على صورتين، أي بما هو من قبيل ( اختلاف التنوع ) كلما أمكن ذلك، على أن يجتنب التركيب باستحداث صورة جامعية لم يرد الشرع بها.

وقد قال في ذلك: أصح القواعد: أن جميع صفات العبادات من الأقوال والأفعال، إذا كانت مأثورة أثرًا يصح التمسك به، لم يكره شيء من ذلك، يشرع ذلك كله كما قلنا في أنواع صلاة الخوف، وفي نوعي الأذان: الترجيح وتركه، ونوعي الإقامة: شفعها وإفرادها، وكما قلنا في أنواع التشهدات، وأنواع الاستفتحات، وأنواع الاستعاذات، وأنواع القراءات، وأنواع تكبيرات العيد الزوائد، وأنواع صلاة الجنازة، وسجود السهو، والقنوت قبل الركوع وبعده، والتحميد بإثبات الواو وحذفها، وغير ذلك، ولكن قد يستحب بعض هذه المأثورات، ويفضل على بعض إذا قام دليل يوجب التفضيل، ولا يكره الآخر.

ومعلوم أنه لا يمكن للمكلف أن يجمع في العبادة المتنوعة بين النوعين في الوقت الواحد، لا يمكنه أن يأتي بتشهدين معًا، ولا بصلاتي الخوف معًا، وإن فعل كل ذلك مرة واحدة كان ذلك منهيًّا عنه، فالجمع بين هذه الأنواع محرم تارة ومكروه تارة أخرى.

ولا تنظر إلى من قد يستحب الجمع في بعض ذلك، مثل ما رأيت بعضهم قد لفق ألفاظ الصلوات المأثورة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، واستحب فعل ذلك الدعاء الملفق [9] .

17-ارتفاع الخلاف بحكم الحاكم أو بتصرف الإمام:

يرتفع الخلاف في الوقائع المختلف في حكمها، إذا حكم فيها القاضي بما لا يخالف النص أو الإجماع، فيصبح الحكم فيها كالمجمع عليه، فلا يحق لأحد نقضه، وهذا في الحادثة التي فيها دعوة صحيحة، وإلا كان فتوى لا حكمًا [10] .

وكذلك لو تصرف الإمام أو نائبه باختيار أحد الأقوال المعتبرة فيما تختلف فيه الاجتهادات، فإنه لا ينقض ما فعله ، ويصبح كالمتفق عليه، وهذا بالنسبة لما مضى، أما في المستقبل فله أن يتصرف تصرفًا مغايرًا بحسب اقتضاء المصلحة ، قال ابن تيمية: (إذا كانت المسألة من مسائل الاجتهاد التي شاع فيها النزاع؛ لم يكن لأحد أن ينكر على الإمام، ولا على نائبه من حاكم أو غيره ولا ينقض ما فعله الإمام ونوابه من ذلك. ولكن يسوغ بيان الحق الذي عليه اتباعه، وإن كان فيه بيان خطأ من أخطأ الفقهاء من العلماء والأمراء) .

وهناك فرصة من خلال أحد أعمال مجلس وزراء العدل العرب وهو وضع قانون موحد للأحوال الشخصية، والسبيل هنا هو أن يراعى في اللجان التي تدرس هذه الزمرة أن تكون من المعنيين بمقارنة المذاهب، وأخذ المسائل الخلافية بالاعتبار في ضوء مقاصد الشريعة ، ومنها حفظ النسل.

وفي هذه الحالات لا بد من مراعاة مقتضى الاختيار من ولي الأمر لأحد الاتجاهات للتطبيق الإلزامي حيث يسوغ، وهو ما كان ذا طابع عملي (لا علمي) ، وكان هادفًا للمصلحة الغالبة، ووقع فيه التخصيص لواحد من الاتجاهات المستوفية لصفات الاعتبار، وإن هذا التخصيص للعمل - مع ترك المجال العلمي طليقًا - كفيل بإيجاد الاستقرار ونزع فتيل التنازع.

ويلحظ أن المسائل الخلافية في باب المعاملات قليلة، والسبب في ذلك تشعب الخلاف في هذه الزمرة، واشتمال المذاهب على أقاويل عديدة فيها، بحيث حصل التلاقي بينها وندر الانفراد، وهذا ما يسهل اختيار حكم يقع الإلزام به ولا يسري هذا الأمر على العبادات إلا ما كان فيه شبه بالمعاملات كالزكاة.

على أن الأساس في هذه الزمرة مراعاة مصالح الناس المعتبرة، وهي ما لا يصادمه نص أو قاعدة شرعية، ويكون محققًا لمقاصد الشريعة، هي حفظ المال.

18-الجمع بين المذاهب في العلم والعمل:

إن باب الاجتهاد قد أقفل منعًا لكثرة الخلاف، وقضاء على الفوضى من الأحكام، ورأى بعض العلماء مع ذلك أن يقتصر الناس على تقليد إمام من الأئمة الأربعة، لما امتازت به مذاهبهم من العناية بالتدوين، والدقة في النقل، والحرص على المحافظة عليها، مما لم يمكن لغيرها من المذاهب التي اضمحلت، ولم يبق منها ما يذكر إلا في كتب الخلاف للبحث والمقارنة والموازنة لا للدرس والمعرفة، فكان من الميسور أن يقلد إمام من الأئمة الأربعة مع الاطمئنان إلى قوله وصحة نسبته إليه...

على أن ذلك إن ساغ قبوله في بعض الأحوال فلن يصح في بعضها الآخر، كما لا يصح أن يجعل سببًا في قصر الإنسان على تقليد واحد معين منهم، دون أن يكون له الخيرة في أن يقلد من شاء منهم متى شاء إذا ما اطمأن قلبه إلى ذلك، وليس خلاف بعضهم مع بعض بأبعد أثرًا ولا أشد تجافيًا مما كان من خلاف بين أحدهم وبين أصحابه، كأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ، فإذا جاز أن يعد ما نقل عن جميع الأئمة من الآراء مذهبًا واحدًا كذلك، يتبين منه حكم الله في المسائل المختلفة، بحسب ما يفهم كل مجتهد؛ ذلك ما أراه حقًا، وذلك ما يجب أن تبنى عليه دراسة الأحكام الفقهية في المعاهد المختلفة، حتى يتبين ما لعلماء الإسلام من بحوث، ويتكشف ما كان لهم من نظر، وحتى لا يغيب عن طالب الفقه ذلك التراث المجيد، وما يحويه من أنظار واتجاهات في شرعه، لم يصل إليها التشريع الوضعي في هذه الأيام على تعدد نظرياته وتنوع بحوثه [11] .

المسألة الظنية من الفقهيات؛ إما أن يكون فيها نص أو لا، فإن لم يكن فيها نص فقد اختلفوا ولكل حجته، فقال قوم: كل مجتهد فيها مصيب، وأن حكم الله فيها لا يكون واحدًا، بل هو تابع لظن المجتهد؛ فحكم الله في حق كل مجتهد ما أدى إليه اجتهاده وغلب على ظنه، وهو قول القاضي أبي بكر وأبي الهزيل والجبائي وابنه ، ورأي الغزالي والمزني .

وذهب بشر المريسي وابن علية وأبو بكر الأصم ، ونفاة القياس كالظاهرية والإمامية ، إلى أنه ما من مسألة إلا والحق فيها متعين وعليه دليل قاطع، فمن أخطأه فهو آثم غير كافر ولا فاسق، ولأن الحكم في كل واقعة لا يكون إلا معينًا، لأن الطالب يستدعي مطلوبًا، وذلك المطلوب هو الأشبه عند الله في نفس الأمر، بحيث لو نزل نص لكان نصًا عليه، والمختار أن الحق واحد من أصابه أصاب ومن أخطأه أخطأ. وهو رأي الأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأكثر الفقهاء، وقد اتفق أهل الحق على أن الإثم محطوط عن المجتهدين في الأحكام الشرعية ، وحجتهم على ذلك ما نقل نقلًا متواترًا لا يدخله ريب ولا شك، وعلم علمًا ضروريًّا من اختلاف الصحابة فيما بينهم من المسائل الفقهية - على ما سبق بيانه - ولم يصدر منهم نكير ولا تأثيم لأحد، فلو كانت المسائل الاجتهادية منزلة منزلة مسائل قطعية ومأثومًا على المخالفة فيها لبالغوا في الإنكار والتأثيم، ولتوفرت الدواعي على نقله، واستحالت العادة كتمانه، ولقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - [12] : « إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ » [13] .

كل مجتهد مصيب أو (المصيب واحد غير معين) :قال الحجاوي: اعلم أن الأمة لها قولان:

القول الأول: أن كل مجتهد مصيب في الفروع التي لا قاطع فيها، وهو قول ضعيف المدرك كما هو مبين في الأصول، وعليه فكل المجتهدين على هدى من ربهم.

القول الثاني: أن المصيب واحد. قال الشيخ أحمد بن مبارك اللمطي: قد اتفق أصحاب هذا القول على أنه غير معين، فما قاله السبكي في الطبقات من أن المصيب هو الشافعي مستدلًا بدلائل لا تفيده ليس بصواب، بل مخالف للإجماع المنعقد على أن الصواب إما مع الكل، أو مع واحد لا بعينه. نعم لكل أهل مذهب أن يرجحوا بما ينقدح في فكرهم من الدلائل، لكن لا يجزمون، ولا يخطئون غيرهم.

وأما عياض في (المدارك) فإنه ذهب إلى الترجيح لمذهب مالك بالوجوه التي بينها دون الجزم بصوابية واحد، وتخطئة سواه، فهو خرق للإجماع بل مخالف للمعقول، لأنه في المعنى كالوصف بالصحة لشخص هو نفسه اعترف بالخطأ في مسائل، فإن الشافعي له القول القديم والجديد، فأيهما أحق بالصواب؟ هذا مما لا معنى له [14] .

ثم نقل الحجوي عن ابن القيم قوله في (إعلام الموقعين) : إن هؤلاء الذين يرجحون مقلدون لا خبرة لهم بالأدلة، فكيف يتوصلون لمعرفة الراجح ، ولو كانوا مجتهدين، ما ساغ لهم التقليد الذي يوجب عليهم الترجيح.

وقد آل الأمر بأرباب المذاهب ذوي التعصب المذهبي إلى الهمز واللمز، وذلك كله تعصب ذميم.

20-التقارب بين المذاهب الفقهية:

(1) - البحر المحيط للزركشي: 6/293.

(2) - المنثور في القواعد، للزركشي: 2/127 - 129.

(3) - المنثور: 2/137 - 138.

(4) - المنثور: 2/137 - 138.

(5) - الموافقات: 4/202 - 205و4/151 - 152.

(6) - خلاف الأمة في العبادات، لابن تيمية ، مجموع الرسائل المنيرية: 3/115 - 127.و مجموع الفتاوى - (ج 22 / ص 368)

(7) - قاعدة في الاستفتاحات لابن تيمية، كتاب مستقل.

(8) - المنثور: 2/142 - 146.

(9) - مجموع فتاوى ابن تيمية: 24/242.

(10) - الموسوعة الفقهية: 2/301؛ ومن مراجعها: حاشية ابن عابدين: 3/361و373؛ والفتاوى الهندية: 3/311 - 313 والأشباه والنظائر للسيوطي 101؛ ولابن نجيم بحاشية الحموي: 1/141؛ ومعين الحكام، ص30.

(11) - أحكام المعاملات الشرعية ، للشيخ علي الخفيف، ص27، طبع بنك البركة الإسلامي - البحرين .

(12) - صحيح البخارى (7352)

(13) - موسوعة الفقه الإسلامي، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية ، مصر . ومن مراجعها هنا: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي: 4/244 - 247؛ والموافقات للشاطبي: 4/124.

(14) - الفكر السامي للحجوي: 4/445؛ ومن الأمثلة في التحامل على المذاهب ما جاء في نظرية العقد من الفقه الجعفري، ص13؛ والمراجعات، ص32.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت