الأول: أن عمر رضي الله عنه كان قد خفيت عليه السنَّة أو نسيها، وكان يظن أن الجنب لا يصلي حتى يغتسل بالماء، وأن التيمم لا يكفيه، حتى أخبره عمار - رضي الله عنه-.
الثاني: أن عمر - رضي الله عنه - قد رجع إلى السنَّة حينما أخبره عمار بها - كما وضح وجه ذلك ابن عبد البر، وهذا هو الظن بكل مسلم تتبين له السنَّة، فضلًا عن الصحابة - رضي الله عنهم -، فضلًا عن الخليفة الراشد الوقاف عند حدود الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -.
ولكن المشكلة في بعض الناس - الذي يفقد الإنصاف - حينما يتعامل مع الأخبار والقصص - وفي نفسه شيء على من يقرأ أخباره - فإنه حين يقرأ، إنما يقرأ لتتبع الأخطاء والزلات ونسيان الحسنات، فهو كالذباب لا يقع إلا على الجرح، وهذا مخالف للمنهج القرآني الذي رسمه ربنا بقوله:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ" [المائدة:8] ، ويقول سبحانه:"وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" [الأنعام:152] .
فنسأل الله العدل والإنصاف مع نفوسنا وإخواننا وخصومنا، ونقول:"وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بالإيمان وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ" [الحشر:10] . [1]
وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا ذَكَّرَ الزُّبَيْرَ يَوْمَ الْجَمَلِ شَيْئًا عَهِدَهُ إلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَذَكَرَهُ حَتَّى انْصَرَفَ عَن الْقِتَالِ ،فعَن أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الأَسْوَدِ الدِّيلِيِّ ، قَالَ: شَهِدْتُ الزُّبَيْرَ خَرَجَ يُرِيدُ عَلِيًّا ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ أَنْشُدُكَ اللَّهَ: هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، يَقُولُ: تُقَاتِلُهُ وَأَنْتَ لَهُ ظَالِمٌ ، فَقَالَ: لَمْ أَذْكُرْ ، ثُمَّ مَضَى الزُّبَيْرُ مُنْصَرِفًا" [2] ."
قلت: ولم يكن قصد الزبير رضي الله عنه الخروج على علي رضي الله عنه ، بل المطالبة بإقامة الحد على قتلة عثمان رضي الله عنه ، الذي قتل مظلوما باتفاقهم ، والقتلةُ في جيش علي رضي الله عنه ، فلما ذكَّره بالحديث ترك القتال وقتل غيلة رضي الله عنه وأرضاه .
وعَن أَبِي الْبَخْتَرِيِّ ، قَالَ: سُئِلَ عَلِيٌّ ، عَن أَهْلِ الْجَمَلِ ، قَالَ: قِيلَ: أَمُشْرِكُونَ هُمْ ، قَالَ: مِنَ الشِّرْكِ فَرُّوا ، قِيلَ: أَمُنَافِقُونَ هُمْ ، قَالَ: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلًا ، قِيلَ: فَمَا هُمْ ، قَالَ: إخْوَانُنَا بَغَوْا عَلَيْنَا. [3]
وعَن عَبْدِ خَيْرٍ قَالَ: سُئِلَ عَلِىٌّ رَضِىَ اللَّهُ عَنهُ عَن أَهْلِ الْجَمَلِ فَقَالَ: إِخْوَانُنَا بَغَوْا عَلَيْنَا فَقَاتَلْنَاهُمْ وَقَدْ فَاءُوا وَقَدْ قَبِلْنَا مِنهُمْ. [4]
وعَن رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ ، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: إنِّي لأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ مِمَن ، قَالَ اللَّهُ: { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِن غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ } [سورة الحجر ، الآية: 47] [5]
قلت: وهَذَا كَثِيرٌ فِي السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ،كما في سنن أبى داود (3612) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِى بَكْرٍ أَبُو مُصْعَبٍ الزُّهْرِىُّ حَدَّثَنَا الدَّرَاوَرْدِىُّ عَن رَبِيعَةَ بْنِ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَن سُهَيْلِ بْنِ أَبِى صَالِحٍ عَن أَبِيهِ عَن أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَزَادَنِى الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُؤَذِّنُ فِى هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ أَخْبَرَنِى الشَّافِعِىُّ عَن عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِسُهَيْلٍ فَقَالَ أَخْبَرَنِى رَبِيعَةُ - وَهُوَ عِنْدِى ثِقَةٌ - أَنِّي حَدَّثْتُهُ إِيَّاهُ وَلاَ أَحْفَظُهُ.
قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ وَقَدْ كَانَ أَصَابَتْ سُهَيْلًا عِلَّةٌ أَذْهَبَتْ بَعْضَ عَقْلِهِ وَنَسِىَ بَعْضَ حَدِيثِهِ فَكَانَ سُهَيْلٌ بَعْدُ يُحَدِّثُهُ عَن رَبِيعَةَ عَنهُ عَن أَبِيهِ. [6]
وفي مسند أحمد (24937) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنِى أَبِى حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِى سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى عَنِ الزُّهْرِىِّ عَن عُرْوَةَ عَن عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « إِذَا نُكِحَتِ الْمَرْأَةُ بِغَيْرِ أَمْرِ مَوْلاَهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَإِنْ أَصَابَهَا فَلَهَا مَهْرُهَا بِمَا أَصَابَ مِنهَا فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِىُّ مَن لاَ وَلِىَّ لَهُ » . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فَلَقِيتُ الزُّهْرِىَّ فَسَأَلْتُهُ عَن هَذَا الْحَدِيثِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ. قَالَ وَكَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى وَكَانَ فَأَثْنَى عَلَيْهِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَبِى السُّلْطَانُ الْقَاضِى لأَنَّ إِلَيْهِ أَمْرَ الْفُرُوجِ وَالأَحْكَامِ. وهو حديث صحيح .
وقد ردَّ العمل به بعض الفقهاء لهذا السبب ، قال ابن حبان ردًّا عليهم [7] :"هَذَا خَبَرٌ أَوْهَمَ مَن لَمْ يَحْكُمْ صِنَاعَةَ الْحَدِيثِ ، أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ أَوْ لاَ أَصْلَ لَهُ بِحِكَايَةٍ حَكَاهَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي عَقِبِ هَذَا الْخَبَرِ ، قَالَ: ثُمَّ لَقِيتُ الزُّهْرِيَّ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ ، فَلَمْ يَعْرِفْهُ وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يَهِيَ الْخَبَرُ بِمِثْلِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْخَيِّرَ الْفَاضِلَ الْمُتْقِنَ الضَّابِطَ مِن أَهْلِ الْعِلْمِ قَدْ يُحَدِّثُ بِالْحَدِيثِ ثُمَّ يَنْسَاهُ ، وَإِذَا سُئِلَ عَنهُ لَمْ يَعْرِفْهُ فَلَيْسَ بِنِسْيَانِهِ الشَّيْءَ الَّذِي حَدَّثَ بِهِ بِدَالٍّ عَلَى بُطْلاَنِ أَصْلِ الْخَبَرِ ، وَالْمُصْطَفَى - صلى الله عليه وسلم - خَيْرُ الْبَشَرِ صَلَّى فَسَهَا ، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَقَصُرَتِ الصَّلاَةُ أَمْ نَسِيتَ ؟ فَقَالَ: كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فَلَمَّا جَازَ عَلَى مَنَ اصْطَفَاهُ اللَّهُ لِرِسَالَتِهِ ، وَعَصَمَهُ مِن بَيْنِ خَلْقِهِ ، النِّسْيَانُ فِي أَعَمِّ الْأُمُورِ لِلْمُسْلِمِينَ الَّذِي هُوَ الصَّلاَةُ حَتَّى نَسِيَ ، فَلَمَّا اسْتَثْبَتُوهُ أَنْكَرَ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَكُنْ نِسْيَانُهَ بِدَالٍ عَلَى بُطْلاَنِ الْحُكْمِ الَّذِي نَسِيَهُ كَانَ مَن بَعْدِ الْمُصْطَفَى - صلى الله عليه وسلم - مِن أُمَّتِهِ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مَعْصُومِينَ جَوَازُ النِّسْيَانِ عَلَيْهِمْ أَجُوزُ ، وَلاَ يَحُوزُ مَعَ وُجُودِهِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى بُطْلاَنِ الشَّيْءِ الَّذِي صَحَّ عَنهُمْ قَبْلَ نِسْيَانِهِمْ ذَلِكَ."
ذِكْرُ نَفْيِ إِجَازَةِ عَقْدِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ (4075) أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَمْدَانِيُّ مِن أَصْلِ كِتَابِهِ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَن سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَن عُرْوَةَ ، عَن عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ ، وَمَا كَانَ مِن نِكَاحٍ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، فَهُوَ بَاطِلٌ ، فَإِنْ تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَن لاَ وَلِيَّ لَهُ.
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ فِي خَبَرِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَن سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى ، عَنِ الزُّهْرِيِّ هَذَا وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ إِلاَّ ثَلاَثَةُ أَنْفَسٍ سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ عَن حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْحَجَبِيُّ عَن خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ يُونُسَ الرَّقِّيُّ عَن عِيسَى بْنِ يُونُسَ ، وَلاَ يَصِحُّ فِي ذِكْرِ الشَّاهِدَيْنِ غَيْرَ هَذَا الْخَبَرِ."."
السَّبَبُ السَّادِسُ
عَدَمُ مَعْرِفَتِهِ بِدَلَالَةِ الْحَدِيثِ
فتَارَةً لِكَوْنِ اللَّفْظِ الَّذِي فِي الْحَدِيثِ غَرِيبًا عِنْدَهُ مِثْلَ لَفْظِ الْمُزَابَنَةِ ، فعَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ ، وَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا ، وَبَيْعُ الزَّبِيبِ بِالْكَرْمِ كَيْلًا . [8]
وَالْمُحَاقَلَةِ ،فعَن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَن بَيْعِ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةُ أَنْ يُبَاعَ ثَمَرُ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ وَالْمُحَاقَلَةُ أَنْ يُبَاعَ الزَّرْعُ بِالْقَمْحِ وَاسْتِكْرَاءُ الأَرْضِ بِالْقَمْحِ. قَالَ وَأَخْبَرَنِى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَن رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ « لاَ تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهُ وَلاَ تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ بِالتَّمْرِ » . [9]
وَالْمُخَابَرَةِ ، فعَن عَطَاءٍ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - نَهَى النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الْمُخَابَرَةِ ، وَالْمُحَاقَلَةِ ، وَعَنِ الْمُزَابَنَةِ ، وَعَن بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا ، وَأَنْ لاَ تُبَاعَ إِلاَّ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ ، إِلاَّ الْعَرَايَا ، وقَالَ عَطَاءٌ فَسَّرَ لَنَا جَابِرٌ قَالَ أَمَّا الْمُخَابَرَةُ فَالأَرْضُ الْبَيْضَاءُ يَدْفَعُهَا الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فَيُنْفِقُ فِيهَا ثُمَّ يَأْخُذُ مِنَ الثَّمَرِ. وَزَعَمَ أَنَّ الْمُزَابَنَةَ بَيْعُ الرُّطَبِ فِى النَّخْلِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا. وَالْمُحَاقَلَةُ فِى الزَّرْعِ عَلَى نَحْوِ ذَلِكَ يَبِيعُ الزَّرْعَ الْقَائِمَ بِالْحَبِّ كَيْلًا. [10]
وَالْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ ، فعَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِى عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ - رضى الله عنه - أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنِ الْمُنَابَذَةِ ، وَهْىَ طَرْحُ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ بِالْبَيْعِ إِلَى الرَّجُلِ ، قَبْلَ أَنْ يُقَلِّبَهُ ، أَوْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ ، وَنَهَى عَنِ الْمُلاَمَسَةِ ، وَالْمُلاَمَسَةُ لَمْسُ الثَّوْبِ لاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ [11] .
وعَن أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ نُهِىَ عَن بَيْعَتَيْنِ الْمُلاَمَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ. أَمَّا الْمُلاَمَسَةُ فَأَنْ يَلْمِسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا ثَوْبَ صَاحِبِهِ بِغَيْرِ تَأَمُّلٍ وَالْمُنَابَذَةُ أَنْ يَنْبِذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا ثَوْبَهُ إِلَى الآخَرِ وَلَمْ يَنْظُرْ وَاحِدٌ مِنهُمَا إِلَى ثَوْبِ صَاحِبِهِ. [12]
وَالْغَرَرِ، فعَن أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَن بَيْعِ الْحَصَاةِ وَعَن بَيْعِ الْغَرَرِ. [13]
قال النووي رحمه الله: أَمَّا بَيْع الْحَصَاة فَفِيهِ ثَلَاث تَأْوِيلَات:
أَحَدهَا أَنْ يَقُول: بِعْتُك مِن هَذِهِ الْأَثْوَاب مَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْحَصَاة الَّتِي أَرْمِيهَا . أَوْ بِعْتُك مِن هَذِهِ الْأَرْض مِن هُنَا إِلَى مَا اِنْتَهَتْ إِلَيْهِ هَذِهِ الْحَصَاة .
وَالثَّانِي أَنْ يَقُول: بِعْتُك عَلَى أَنَّك بِالْخِيَارِ إِلَى أَنْ أَرْمِي بِهَذِهِ الْحَصَاة .
وَالثَّالِث أَنْ يَجْعَلَا نَفْس الرَّمْي بِالْحَصَاةِ بَيْعًا ، فَيَقُول: إِذَا رَمَيْت هَذَا الثَّوْب بِالْحَصَاةِ فَهُوَ مَبِيع مِنك بِكَذَا .
وَأَمَّا النَّهْي عَن بَيْع الْغَرَر فَهُوَ أَصْل عَظِيم مِن أُصُول كِتَاب الْبُيُوع ، وَلِهَذَا قَدَّمَهُ مُسْلِم وَيَدْخُل فِيهِ مَسَائِل كَثِيرَة غَيْر مُنْحَصِرَة كَبَيْعِ الْآبِق وَالْمَعْدُوم وَالْمَجْهُول وَمَا لَا يَقْدِر عَلَى تَسْلِيمه وَمَا لَمْ يَتِمّ مِلْك الْبَائِع عَلَيْهِ وَبَيْع السَّمَك فِي الْمَاء الْكَثِير وَاللَّبَن فِي الضَّرْع وَبَيْع الْحَمْل فِي الْبَطْن وَبَيْع بَعْض الصُّبْرَة مُبْهَمًا وَبَيْع ثَوْب مِن أَثْوَاب وَشَاة مِن شِيَاه وَنَظَائِر ذَلِكَ ، وَكُلّ هَذَا بَيْعه بَاطِل لِأَنَّهُ غَرَر مِن غَيْر حَاجَة . وَقَدْ يَحْتَمِل بَعْض الْغَرَر بَيْعًا إِذَا دَعَتْ إِلَيْهِ حَاجَة كَالْجَهْلِ بِأَسَاسِ الدَّار وَكَمَا إِذَا بَاعَ الشَّاة الْحَامِل وَاَلَّتِي فِي ضَرْعهَا لَبَن فَإِنَّهُ يَصِحّ لِلْبَيْعِ ، لِأَنَّ الْأَسَاس تَابِع لِلظَّاهِرِ مِن الدَّار ، وَلِأَنَّ الْحَاجَة تَدْعُو إِلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِن رُؤْيَته . وَكَذَا الْقَوْل فِي حَمْل الشَّاة وَلَبَنهَا . وَكَذَلِكَ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَاز أَشْيَاء فِيهَا غَرَر حَقِير ، مِنهَا أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى صِحَّة بَيْع الْجُبَّة الْمَحْشُوَّة وَإِنْ لَمْ يُرَ حَشْوهَا ، وَلَوْ بِيعَ حَشْوهَا بِانْفِرَادِهِ لَمْ يَجُزْ . وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَاز إِجَارَة الدَّار وَالدَّابَّة وَالثَّوْب وَنَحْو ذَلِكَ شَهْرًا مَعَ أَنَّ الشَّهْر قَدْ يَكُون ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَقَدْ يَكُون تِسْعَة وَعِشْرِينَ . وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَاز دُخُول الْحَمَّام بِالْأُجْرَةِ مَعَ اِخْتِلَاف النَّاس فِي اِسْتِعْمَالهمْ الْمَاء وَفِي قَدْر مُكْثهمْ . وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَاز الشُّرْب مِن السِّقَاء بِالْعِوَضِ مَعَ جَهَالَة قَدْر الْمَشْرُوب وَاخْتِلَاف عَادَة الشَّارِبِينَ وَعَكْس هَذَا . وَأَجْمَعُوا عَلَى بُطْلَان بَيْع الْأَجِنَّة فِي الْبُطُون وَالطَّيْر فِي الْهَوَاء .
قَالَ الْعُلَمَاء: مَدَار الْبُطْلَان بِسَبَبِ الْغَرَر . وَالصِّحَّة مَعَ وُجُوده عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَهُوَ أَنَّهُنَّ إِنْ دَعَتْ حَاجَة إِلَى اِرْتِكَاب الْغَرَر وَلَا يُمْكِن الِاحْتِرَاز عَنهُ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ وَكَانَ الْغَرَر حَقِيرًا جَازَ الْبَيْع وَإِلَّا فَلَا ، وَمَا وَقَعَ فِي بَعْض مَسَائِل الْبَاب مِن اِخْتِلَاف الْعُلَمَاء فِي صِحَّة الْبَيْع فِيهَا وَفَسَاده كَبَيْعِ الْعَيْن الْغَائِبَة مَبْنِيّ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَة ، فَبَعْضهمْ يَرَى أَنَّ الْغَرَر حَقِير فَيَجْعَلهُ كَالْمَعْدُومِ فَيَصِحّ الْبَيْع ، وَبَعْضهمْ يَرَاهُ لَيْسَ بِحَقِيرٍ فَيَبْطُل الْبَيْع وَاَللَّه أَعْلَم .
وَاعْلَمْ أَنَّ بَيْع الْمُلَامَسَة وَبَيْع الْمُنَابَذَة وَبَيْع حَبَل الْحَبَلَة وَبَيْع الْحَصَاة وَعَسْب الْفَحْل وَأَشْبَاههَا مِن الْبُيُوع الَّتِي جَاءَ فِيهَا نُصُوص خَاصَّة هِيَ دَاخِلَة فِي النَّهْي عَن بَيْع الْغَرَر وَلَكِنْ أُفْرِدَتْ بِالذِّكْرِ ، وَنُهِيَ عَنهَا لِكَوْنِهَا مِن بِيَاعَات الْجَاهِلِيَّة الْمَشْهُورَة وَاَللَّه أَعْلَم". [14] "
إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِن الْكَلِمَاتِ الْغَرِيبَةِ الَّتِي قَدْ يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِي تَفْسِيرِهَا، َكَالْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ: « لاَ طَلاَقَ وَلاَ عَتَاقَ فِى إِغْلاَقٍ » [15] . فَإِنَّهُمْ قَدْ فَسَّرُوا الْإِغْلَاقَ بِالْإِكْرَاهِ ، وَمَن يُخَالِفُهُ لَا يَعْرِفُ هَذَا التَّفْسِيرَ .
قال الزيلعي [16] :"قَالَ أَبُو دَاوُد: أَظُنُّهُ الْغَضَبُ يَعْنِي الْإِغْلَاقَ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْإِغْلَاقُ الْإِكْرَاهُ ؛ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ"، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ، قَالَ فِي"التَّنْقِيحِ": وَقَدْ فَسَّرَهُ أَحْمَدُ أَيْضًا بِالْغَضَبِ ، قَالَ شَيْخُنَا: وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يَعُمُّ الْإِكْرَاهَ ، وَالْغَضَبَ ، وَالْجُنُونَ ، وَكُلَّ أَمْرٍ انْغَلَقَ عَلَى صَاحِبِهِ عِلْمُهُ وَقَصْدُهُ ، مَأْخُوذٌ مِن غَلَقَ الْبَابَ ، وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ: « وَضَعَ اللَّهُ عَن أُمَّتِى الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ » " [17] ."
قلت: الغضبُ ينقسم إلى ثلاثة أقسام كما ذكر العلماء:
أَحَدُهَا: أَنْ يَحْصُل لَهُ مَبَادِئُ الْغَضَبِ بِحَيْثُ لاَ يَتَغَيَّرُ عَقْلُهُ ، وَيَعْلَمُ مَا يَقُول وَيَقْصِدُهُ ، وَهَذَا لاَ إِشْكَال فِيهِ .
الثَّانِي: أَنْ يَبْلُغَ النِّهَايَةَ ، فَلاَ يَعْلَمُ مَا يَقُول وَلاَ يُرِيدُهُ ، فَهَذَا لاَ رَيْبَ أَنَّهُ لاَ يَنْفُذُ شَيْءٌ مِن أَقْوَالِهِ .
الثَّالِثُ: مَن تَوَسَّطَ بَيْنَ الْمَرْتَبَتَيْنِ بِحَيْثُ لَمْ يَصِرْ كَالْمَجْنُونِ ، فَهَذَا مَحَل النَّظَرِ وَالأَْدِلَّةُ تَدُل عَلَى عَدَمِ نُفُوذِ أَقْوَالِهِ .
ثُمَّ قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ كُلًّا مِنَ الْمَدْهُوشِ وَالْغَضْبَانِ لاَ يَلْزَمُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لاَ يَعْلَمُ مَا يَقُول ، بَل يُكْتَفَى فِيهِ بِغَلَبَةِ الْهَذَيَانِ وَاخْتِلاَطِ الْجِدِّ بِالْهَزْل كَمَا هُوَ الْمُفْتَى بِهِ فِي السَّكْرَانِ . . ثُمَّ قَال: فَاَلَّذِي يَنْبَغِي التَّعْوِيل عَلَيْهِ فِي الْمَدْهُوشِ وَنَحْوِهِ: إِنَاطَةُ الْحُكْمِ بِغَلَبَةِ الْخَلَل فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ الْخَارِجَةِ عَن عَادَتِهِ ، فَمَا دَامَ فِي حَال غَلَبَةِ الْخَلَل فِي الأَْقْوَال وَالأَْفْعَال لاَ تُعْتَبَرُ أَقْوَالُهُ وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُهَا وَيُرِيدُهَا ، لأَِنَّ هَذِهِ الْمَعْرِفَةَ وَالإِْرَادَةَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ لِعَدَمِ حُصُولِهَا عَن إِدْرَاكٍ صَحِيحٍ كَمَا لاَ تُعْتَبَرُ مِنَ الصَّبِيِّ الْعَاقِل. [18]
(1) - وانظر للتوسع فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 3 / ص 46) رقم الفتوى 10064 مذهب عمر رضي الله عنه في التيمم تاريخ الفتوى: 09 جمادى الثانية 1422 وفتاوى واستشارات الإسلام اليوم - (ج 3 / ص 23)
(2) - المستدرك للحاكم برقم (5574) وهو حديث حسن لغيره - وضعفه عديدون ، وانظر تاريخ الرسل والملوك - (ج 3 / ص 49) وسير أعلام النبلاء - (ج 1 / ص 58)
(3) - مصنف ابن أبي شيبة (ج 15 / ص 255) (38918) صحيح بغيره
(4) - السنن الكبرى للبيهقي (ج 8 / ص 182) (17199) صحيح
(5) - مصنف ابن أبي شيبة (ج 15 / ص 280) (38976) صحيح
(6) - انظر الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - (ج 1 / ص 261) وشرح نخبة الفكر الشيخ سعد بن عبد الله الحميد - (ج 1 / ص 491)
(7) - صحيح ابن حبان - (ج 9 / ص 385)
(8) - أخرجه البخارى برقم (2171 )
(9) - ومسلم برقم (3958 )
(10) - أخرجه البخارى برقم (2381 ) ومسلم برقم (3991)
(11) - أخرجه البخارى برقم (2144 )
(12) - صحيح مسلم برقم (3878 )
(13) -أخرجه مسلم برقم (3881 )
(14) - شرح النووي على مسلم - (ج 5 / ص 296) برقم (2783 )
(15) - سنن ابن ماجه برقم ( 2124 ) وأبو داود ( 2193) وابن أبي شيبة برقم (18034 ) وأحمد برقم (27115 ) والمستدرك برقم (2802و2803) والسنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي - (ج 7 / ص 357) برقم ( 15493 و15494 و20509) وسنن الدارقطنى برقم (4035 ) والمسند الجامع برقم ( 16734) وإرواء الغليل - (ج 7 / ص 113) برقم ( 2047 ) وحسنه عَن صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ قَالَتْ حَدَّثَتْنِى عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « لاَ طَلاَقَ وَلاَ عَتَاقَ فِى إِغْلاَقٍ » . من طرق وهو حديث صحيح لغيره
(16) - نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية - (ج 6 / ص 230)
(17) - سنن ابن ماجه (2121) و السنن الكبرى للبيهقي (ج 7 / ص 357) (15492) وهو صحيح لغيره
(18) - انظر: المبدع (7/252) الفروع (5/282) ، الإنصاف (8/432) ، ورجحه ابن باز - رحمه الله تعالى-، الفتاوى (21/373) لحديث المذكور وقد أفرد ابن القيم - رحمه الله تعالى- هذه المسألة بمصنف جمع فيه الأدلة من الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعين، وذكر أن عدم الوقوع مقتضى القياس الصحيح والاعتبار وأصول الشريعة، وأجاب عن أدلة الموقعين، ومن قرأ ما كتبه اطمأن لقوله وانظر فتاوى الأزهر - (ج 10 / ص 82) وفتاوى معاصرة - (ج 1 / ص 182) وفتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم آل الشيخ - (ج 11 / ص 8) وفتاوى الإسلام سؤال وجواب - (ج 1 / ص 2301) و (ج 1 / ص 4439) و (ج 1 / ص 6853) وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 4 / ص 2780) ومجموع فتاوى ابن باز - (ج 19 / ص 118) والفقه الإسلامي وأدلته - (ج 6 / ص 272) والروضة الندية - (ج 2 / ص 272) والسيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار - الرقمية - (ج 1 / ص 402) وفتاوى واستشارات الإسلام اليوم - (ج 11 / ص 308) وإعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 1 / ص 433) وتلقيح الافهام العلية بشرح القواعد الفقهية - (ج 1 / ص 104) وفي فتاوى يسألونك - (ج 1 / ص 129)