التفرقُ في الدين أو الاختلاف فيه ينقسم إلى قسمين:
الأول: ما كان اختلافًا في العقائد، وأصول الأحكام الثابتة، وما ثبت بإجماع صحيح عن خير القرون، فهذا تفرقٌ مذمومٌ بلا شك، ذلك أن دلائل تلك المسائل واضحة في الكتاب والسُّنَّة، مجمع عليها عند سلف الأمة، فالمخالف فيها متبع للهوى مفارق لسبيل المؤمنين، مقدم عقله على نصوص الوحي، وهذا قد ذمَّه الله ورسوله والمؤمنون
أما الاختلاف في فروع العقيدة ، فقد وقع منذ عهد الصحابة ، فمنه ما هو سائغ وهو مما احتملته النصوص الشرعية ، ومنه ما هو غير سائغ وهو الذي يخالف النصوص الشرعية الثابتة ،كما حدث مع كثير من الفرق التي خالفت منهج أهل السنة والجماعة في فهم النصوص الشرعية ، قال ابن تيمية:"وَمَا زَالَ السَّلَفُ يَتَنَازَعُونَ فِي كَثِيرٍ مِن هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَلَمْ يَشْهَدْ أَحَدٌ مِنهُمْ عَلَى أَحَدٍ لَا بِكُفْرِ وَلَا بِفِسْقِ وَلَا مَعْصِيَةٍ كَمَا أَنْكَرَ شريح قِرَاءَةَ مَن قَرَأَ { بَل عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ } وَقَالَ: إنَّ اللَّهَ لَا يَعْجَبُ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِي فَقَالَ إنَّمَا شريح شَاعِرٌ يُعْجِبُهُ عِلْمُهُ . كَانَ عَبْدُ اللَّهِ أَعْلَمَ مِنهُ وَكَانَ يَقْرَأُ { بَل عَجِبْتَ } [1] . وَكَمَا نَازَعَتْ عَائِشَةُ وَغَيْرُهَا مِنَ الصَّحَابَةِ فِي رُؤْيَةِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - رَبَّهُ وَقَالَتْ: مَن زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ ، وَلَكِنْ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ فِى صُورَتِهِ ، وَخَلْقُهُ سَادٌّ مَا بَيْنَ الأُفُقِ [2] ."
وَمَعَ هَذَا لَا نَقُولُ لِابْنِ عَبَّاسٍ وَنَحْوِهِ مِنَ الْمُنَازِعِينَ لَهَا: إنَّهُ مُفْتَرٍ عَلَى اللَّهِ . وَكَمَا نَازَعَتْ فِي سَمَاعِ الْمَيِّتِ كَلَامَ الْحَيِّ وَفِي تَعْذِيبِ الْمَيِّتِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ." [3] "
وَمَعَ هَذَا فَمَا أَوْجَبَ هَذَا النِّزَاعُ تَهَاجُرًا وَلَا تَقَاطُعًا . وَكَذَلِكَ نَاظَرَ الْإِمَامُ أَحْمَد أَقْوَامًا مِن أَهْلِ السُّنَّةِ فِي"مَسْأَلَةِ الشَّهَادَةِ لِلْعَشَرَةِ بِالْجَنَّةِ"حَتَّى آلَتْ الْمُنَاظَرَةُ إلَى ارْتِفَاعِ الْأَصْوَاتِ، وَكَانَ أَحْمَد وَغَيْرُهُ يَرَوْنَ الشَّهَادَةَ وَلَمْ يَهْجُرُوا مَن امْتَنَعَ مِن الشَّهَادَةِ ؛ إلَى مَسَائِلَ نَظِيرِ هَذِهِ كَثِيرَةٍ [4] .
الثاني: ما كان خلافًا في الفروع الفقهية والمسائل التي لم تجمع الأمة فيها على رأيٍ واحد، وذلك كالاختلاف الواقع في المذاهب الأربعة، وكثير من المسائل الحادثة التي اختلف فيها أهل العلم، فهذا النوع من الاختلاف غيرُ مذمومٍ إذا وقع من أهله العارفين بأصوله، بل يمدحُ إن كان الحاملُ عليه اتباعَ الحق وتقديمه، ذلك أن نصوص القرآن والسُّنَّة في بيان تلك الأحكام ظنيةٌ في دلالتها، فربما رجح مجتهد مالم يرجحه آخر، فالكلُّ مأجور في اجتهاده، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: « إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ » متفق عليه [5] .
وقد كان خلاف الصحابة، وأئمة السلف من هذا النوع، فلم يوجب فسقًا ولا بدعة، بل كان بعضهم يجلُّ بعضًا، ويكرمه من غير أن يكون خلافهم لتفرقهم، طالما أن الحقَّ بغيةُ كل واحدٍ منهم ومطلبه، لكن خلفهم خلوفٌ ادعَى كلُّ طائفةٍ منهم التمسك برأي إمامٍ، وتعصبَ كلُّ فريق لإمامة، وضللَّ الطائفة الأخرى، فتركت كل طائفة بعض ما أمرت به من الحقِّ، وارتكبت بعض ما نهيت عنه، فوقعت العداوةُ والبغضاءُ، شأن أهل الكتاب من قبلنا، فلله الأمر من قبل ومن بعدُ. والله المستعان.
الاختلاف المذموم [6] :
وهو اختلاف تضاد ، ويرجع إلى أسباب خلقية متعددة ، ومن هذه الأسباب:
1-الغرور بالنفس والإعجاب بالرأي .
2-سوء الظن والمسارعة إلى اتهام الآخرين بغير بينة .
3-الحرص على الزعامة أو الصدارة أو المنصب .
4-اتباع الهوى وحب الدنيا .
5-التعصب لأقوال الأشخاص والمذاهب والطوائف .
6-العصبية لبلد أو إقليم أو حزب أو جماعة أو قائد .
7-قلة العلم في صفوف كثير من المتصدرين .
8-عدم التثبت في نقل الأخبار وسماعها .
وهذه الأسباب وغيرها من الرذائل الأخلاقية والمهلكات هي التي ينشأ عنها اختلاف غير محمود وتفرق مذموم ، وكل واحد من هذه الأسباب يطول شرحه ، وسنأتي على ذكر الكثير من هذه الأسباب عند الكلام عن القواعد العلمية والأخلاقية في أدب الخلاف .
الاختلاف المحمود [7] :
وهو اختلاف تنوع ، وهو عبارة عن الآراء المتعددة التي تصب في مشرب واحد ، ومن ذلك ما يعرف بالخلاف الصوري ، والخلاف اللفظي ، والخلاف الاعتباري . وهذه الاختلافات مردها إلى أسباب فكرية ، واختلاف وجهات النظر ، في بعض القضايا العلمية ، كالخلاف في فروع الشريعة ، وبعض مسائل العقيدة التي لا تمس الأصول القطعية .
وكذلك الاختلافات في بعض الأمور العملية ، كالخلاف في بعض المواقف السياسية ، ومناهج الإصلاح والتغيير ، ويدخل في الخلافات الفكرية: اختلاف الرأي في تقويم بعض المعارف والعلوم مثل: علم الكلام والمنطق والفلسفة والتصوف . والاختلاف في تقويم الأحداث التاريخية وبعض الشخصيات التاريخية والعلمية .
وهذا الخلاف ليس فيه مذمة ، وإنما الذم في عدم مراعاة آداب الخلاف العملية والأخلاقية التي سيأتي ذكرها في ثنايا هذا البحث .
وجود الخلاف في خير قرون الأمة:
لقد كان الخلاف موجودًا في عصر الأئمة المتبوعين الكبار: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والثوري والأوزاعي وغيرهم . ولم يحاول أحد منهم أن يحمل الآخرين على رأيه أو يتهمهم في علمهم أو دينهم من أجل مخالفتهم .
بل كان الخلاف موجودًا في عصر شيوخ الأئمة وشيوخ شيوخهم من التابعين الكبار والصغار ، بل كان الخلاف موجودا في عصر الصحابة نظرًا لاختلاف أفهامهم وتفسيرهم للنصوص .
بل إن الخلاف وجد في عهد النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، فأقره ولم ينكره ، كما في قضية صلاة العصر في بني قريظة ، وهي مشهورة ، وفي غيرها من القضايا.
فأما طبيعة الدين:
فقد أراد الله أن يكون في أحكامه المنصوص عليه والمسكوت عنه ، وأن يكون في المنصوص عليه: المحكمات والمتشابهات ، والقطعيات والظنيات ، والصريح والمؤول ، لتعمل العقول في الاجتهاد والاستنباط ، فيما يقبل الاجتهاد .
ولو شاء الله لأنزل كتابه كله نصوصًا محكمة قطعية الدلالة ، لا تختلف فيها الأفهام ، ولا تتعدد التفسيرات . ولكنه لم يفعل ذلك ، لتتفق طبيعة الدين مع طبيعة اللغة ، وطبيعة الناس وضروريات الزمن .
وأما طبيعة اللغة:
فإن نصوص القرآن والسُّنَّة ، جاءت على وفق ما تقتضيه اللغة في المفردات والتراكيب ، ففيها اللفظ المشترك الذي يحتمل أكثر من معنى ، وفيها ما يحتمل الحقيقة والمجاز ، والعام والخاص ، والمطلق والمقيد .
وأما طبيعة البشر:
فقد خلقهم الله مختلفين ، فكل إنسان له شخصيته المستقلة ، وتفكيره المتميز ، وميوله الخاصة ، ومن العبث صب الناس في قالب واحد ، ومحو كل اختلاف بينهم ، فهذا أمر مخالف للفطرة التي فطر الله عليها الناس .
وأما طبيعة الكون والحياة:
فالكون الذي نعيش في جزء صغير منه ، خلقه الله - سبحانه - مختلف الأنواع والصور والألوان ، وهذا الاختلاف ليس اختلاف تضارب وتناقض بل هو اختلاف تنوع .
وكذلك طبيعة الحياة ، فهي أيضا تختلف وتتغير بحسب مؤثرات متعددة ، في المكان والزمان .
فالخلاف سنة كونية اقتضتها الحكمة الإلهية ، قال الله عز وجل: { وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً } [هود: 118] .
وفي الأثر:"لَا يَزَال النَّاس بِخَيْرٍ مَا تَفَاضَلُوا فَإِذَا تَسَاوَوْا هَلَكُوا"يَعْنِي لَا يَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا كَانَ فِيهِمْ أَهْل فَضْل وَصَلَاح وَخَوْف مِنَ اللَّه يُلْجَأ إِلَيْهِمْ عِنْد الشَّدَائِد وَيُسْتَشْفَى بِآرَائِهِمْ وَيُتَبَرَّك بِدُعَائِهِمْ وَيُؤْخَذ بِتَقْوِيمِهِمْ وَآثَارهمْ . [8] .
الاختلاف رحمة [9] :
الاختلاف مع كونه ضرورة ، هو كذلك رحمة بالأمة وتوسعة عليها .
ولهذا اجتهد الصحابة واختلفوا في أمور جزئية كثيرة ، ولم يضيقوا ذرعا بذلك بل نجد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز يقول عن اختلاف الصحابة رضي الله عنهم:"ما يسرني أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يختلفوا ، لأنهم لو لم يختلفوا لم يكن لنا رخصة".
فهم باختلافهم أتاحوا لنا فرصة الاختيار من أقوالهم واجتهاداتهم ، كما أنهم سنوا لنا سنة الاختلاف في القضايا الاجتهادية ، وظلوا معها إخوة متحابين .
الاختلاف ثروة:
اختلاف الآراء الاجتهادية يثري الفقه ، وينمو ويتسع ، لأن كل رأي يستند إلى أدلة واعتبارات شرعية .
وبهذا التعدد والتنوع تتسع الثروة الفقهية التشريعية ، وإن تعدد المذاهب الفقهية وكثرة الأقوال كنوز لا يقدر قدرها وثروة لا يعرف قيمتها إلا أهل العلم والبحث ، فقد يكون بعضها أكثر ملاءمة لزمان ومكان من غيره [10] .
23-بيانُ أسباب اختلاف مذاهب الفقهاء [11]
قال الإمام ولي الله الدهلوي في الحجة البالغة:"اعلم أن الله تعالى أنشأ بعد عصر التابعين نشئا من حملة العلم إنجازا لما وعده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، حيث قال"يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِن كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ ، يَنْفُونَ عَنهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ". [12] "
فأخذوا عمن اجتمعوا معه منهم صفة الوضوء والغسل والصلاة والحج والنكاح والبيوع وسائر ما يكثر وقوعه ، ورووا حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وسمعوا قضايا قضاة البلدان وفتاوى مفتيها ، وسألوا عن المسائل واجتهدوا في ذلك كله، ثم صاروا كبراءَ قوم ووسِّد إليهم الأمرُ فنسجوا على منوال شيوخهم، ولم يألوا في تتبع الإيماآت والاقتضاآت فقضوا وأفتوا ورووا وعلموا ، وكان صنيع العلماء في هذه الطبقة متشابهًا ، وحاصلُ صنيعهم أن يتمسك بالمسنَد من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمرسلٍ جميعا، ويستدلُّ بأقوال الصحابة والتابعين علما منهم أنها إما أحاديث منقولة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - احتقروها فجعلوها موقوفة، فعَن إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ"فَقِيلَ لَهُ: أَمَا تَحْفَظُ عَن رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَدِيثًا غَيْرَ هَذَا ، قَالَ: بَلَى ، وَلَكِنْ أَقُولُ قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ ، قَالَ عَلْقَمَةُ ، أَحَبُّ إِلَيَّ . [13]
وعن عَاصِمَ قَالَ: سَأَلْتُ الشَّعْبِىَّ عَن حَدِيثٍ فَحَدَّثَنِيهِ فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُرْفَعُ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - . فَقَالَ: لاَ ، عَلَى مَن دُونَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - أَحَبُّ إِلَيْنَا ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ كَانَ عَلَى مَن دُونَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - [14] .
أو يكون استنباطًا منهم من المنصوص ، أو اجتهادا منهم بآرائهم ، وهم أحسنُ صنيعا في ذلك ممن يجيء بعدهم ، وأكثرُ إصابةً ، وأقدمُ زمانًا ، وأوعَى علمًا، فتعيَّنَ العملُ بها، إلا إذا اختلفوا وكان حديثُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخالفُ قولُهم مخالفةً ظاهرةً، وأنه إذا اختلفتْ أحاديثُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مسألةٍ رجعوا إلى أقوال الصحابة، فإن قالوا بنسخ بعضها أو بصرفه عن ظاهره أو لم يصرحوا بذلك، ولكن اتفقوا على تركه وعدم القول بموجبه، فإنه كإبداء علَّةٍ فيه أو الحكم بنسخه أو تأويله اتبعوهم في كل ذلك ، وهو قول مالك في حديث ولوغ الكلب جاء هذا الحديث ولكن لا أدري ما حقيقته ، حكاه ابن الحاجب في مختصر الأصول يعني لم أر الفقهاء يعملون به ، وأنه إذا اختلفت مذاهب الصحابة والتابعين في مسألة فالمختارُ عند كلِّ عالمٍ مذهبُ أهل بلده وشيوخه، لأنه أعرفُ بصحيح أقاويلهم من السقيم ، وأوعى للأصول المناسبة لها، وقلبه أميل إلى فضلهم وتبحرهم، فمذهب عمر وعثمان وابن عمر وعائشة وابن عباس وزيد بن ثابت وأصحابهم مثلُ سعيد بن المسيب، فإنه كان أحفظَهم لقضايا عمر وحديث أبي هريرة ، ومثل عروة وسالم وعكرمة وعطاء بن يسار وقاسم وعبيد الله بن عبد الله والزهري ويحيى بن سعيد وزيد بن أسلم وربيعة وأمثالهم أحقُّ بالأخذ من غيره عند أهل المدينة لما بينَه النبيُ - صلى الله عليه وسلم - في فضائلِ المدينة، ولأنها مأوى الفقهاءِ ، ومجمعُ العلماء في كل عصر ، ولذلك ترى مالكا يلازم محجتهم ، وقد اشتهر عن مالك أنه متمسك بإجماع أهل المدينة، وعقد البخاريُّ بابا في الأخذ بما اتفق عليه الحرمانِ.
ومذهب عبد الله بن مسعود وأصحابه وقضايا علي وشريح والشعبي وفتاوى إبراهيم أحق بالأخذ عند أهل الكوفة من غيره ، وهو قول علقمة حين مال مسروق إلى قول زيد بن ثابت في التشريك قال: هل أحد منهم أثبت من عبد الله ؟ فقال: لا ،ولكن رأيت زيد بن ثابت وأهل المدينة يشركون، فإن اتفق أهلُ البلد على شيء أخذوا عليه بالنواجذ، وهو الذي يقول في مثله مالك: السنة التي لا اختلاف فيها عندنا كذا وكذا ،وإن اختلفوا أخذوا بأقواها وأرجحها، إما لكثرة القائلين به أو لموافقته لقياس قويٍّ ،أو تخريج من الكتاب والسُّنَّة ، وهو الذي يقول في مثله مالك:هذا أحسن ما سمعت ، فإذا لم يجدوا فيما حفظوا منهم جواب المسألةِ خرَّجوا من كلامهم ، وتتبعوا الإيماء والاقتضاء، وألهموا في هذه الطبقة التدوينَ ، فدوَّن مالكٌ ومحمدُ بن عبد الرحمن بن أبي ذئب بالمدينة ، وابنُ جريج وابنُ عيينة بمكة ، والثوريُّ بالكوفة ، والربيعُ بن صبيح بالبصرة ، وكلُّهم مشوا على هذا النهج الذي ذكرته.
عن مُحَمَّدَ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ:"لَمَّا حَجَّ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنصُورُ دَعَانِي فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَحَدَّثْتُهُ وَسَأَلَنِي فَأَجَبْتُهُ ، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ عَزَمْتُ أَنْ آمُرَ بِكُتُبِكَ هَذِهِ الَّتِي وَضَعْتَهَا - يَعْنِي الْمُوَطَّأَ - فَيُنْسَخُ نُسَخًا ثُمَّ أَبْعَثُ إِلَى كُلِّ مِصْرٍ مِن أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ مِنهَا نُسْخَةً وَآمُرُهُمْ أَنْ يَعْمَلُوا بِمَا فِيهَا لَا يَتَعَدَّوْنَ إِلَى غَيْرِهِ , وَيَدَعُونَ مَا سِوَى ذَلِكَ مِن هَذَا الْعِلْمِ الْمُحْدَثِ ؛ فَإِنِّي رَأَيْتُ أَصْلَ الْعِلْمِ رِوَايَةَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَعِلْمَهُمْ، قَالَ: فَقُلْتُ:"يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، لَا تَفْعَلْ فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ سَبَقَتْ إِلَيْهِمْ أَقَاوِيلُ وَسَمِعُوا أَحَادِيثَ وَرَوَوْا رِوَايَاتٍ وَأَخَذَ كُلُّ قَوْمٍ بِمَا سَبَقَ إِلَيْهِمْ وَعَمِلُوا بِهِ وَدَانُوا بِهِ مِنَ اخْتِلَافِ النَّاسِ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَغَيْرَهُمْ ، وَإِنَّ رَدَّهُمْ عَمَّا اعْتَقَدُوهُ شَدِيدٌ ، فَدَعِ النَّاسَ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ وَمَا اخْتَارَ كُلُّ أَهْلِ بَلَدٍ لِأَنْفُسِهِمْ ، فَقَالَ: لَعَمْرِي لَوْ طَاوَعْتَنِي عَلَى ذَلِكَ لَأَمَرْتُ بِهِ"وَهَذَا غَايَةٌ فِي الْإِنْصَافِ لِمَن فَهِمَ" [15]
وكان مالك رضي الله عنه أثبتهم في حديث المدنيين عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأوثقهم إسنادا وأعلمهم بقضايا عمر وأقاويل عبد الله بن عمر وعائشة وأصحابهم من الفقهاء السبعة ، وبه وبأمثاله قام علمُ الروايةِ والفتوى ، فلما وسِّدَ إليه الأمرُ حدَّث وأفتى وأفاد وأجاد ، وعليه انطبق قول النبي - صلى الله عليه وسلم - « يُوشِكُ أَنْ يَضْرِبَ النَّاسُ أَكْبَادَ الإِبِلِ يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ فَلاَ يَجِدُونَ أَحَدًا أَعْلَمَ مِن عَالِمِ الْمَدِينَةِ » .على ما قاله ابن عيينة وعبد الرزاق. [16]
وناهيك بهما، فجمع أصحابُه رواياته ومختاراته ولخصوها وحرروها وشرحوها، وخرَّجوا عليها وتكلَّموا في أصولها ودلائلها ، وتفرقوا إلى المغرب ونواحي الأرض فنفع الله بهم كثيرا من خلقه، وإن شئت أن تعرف حقيقة ما قلناه من أصل مذهبه فانظر في كتاب الموطأ تجده كما ذكرنا .
وكان أبو حنيفة رضي الله عنه ألزمَهم بمذهب إبراهيم وأقرانه ، لا يجاوزه إلا ما شاء الله ، وكان عظيمَ الشأن في التخريج على مذهبه دقيقَ النظر في وجوه التخريجات، مقبلًا على الفروع أتمَّ إقبالٍ، وإن شئتَ أن تعلمَ حقيقةَ ما قلناه، فلخِّص أقوالَ إبراهيم من كتاب الآثارِ لمحمد رحمه الله ، وجامع عبد الرزاق، ومصنف أبي بكر بن أبي شيبة ثم قايسْه بمذهبِه تجدْه لا يفارقُ تلك المحجَّة إلا في مواضع يسيرة، وهو في تلك اليسيرةِ أيضًا لا يخرجُ عما ذهب إليه فقهاءُ الكوفةِ .
وكان أشهرَ أصحابه ذكرا أبو يوسف تولَّى قضاءَ القضاة أيام هارون الرشيد ، فكان سببًا لظهورِ مذهبه، والقضاء به في أقطارِ العراق وخراسانِ وما وراء النهرِ، وكان أحسنَهم تصنيفًا وألزمَهم درساَ محمدُ بنُ الحسن، فكان منْ خبره أنه تفقَّه على أبي حنيفة وأبي يوسف ثم خرج إلى المدينة فقرأ الموطأ على مالك، ثمَّ رجع إلى بلده فطبَّقَ مذهبَ أصحابهِ على الموطأ مسألةً مسألةً ، فإنْ وافقَ منها ، وإلا فإن رأى طائفة من الصحابة والتابعين ذاهبين إلى مذهب أصحابه فكذلك ، وإن وجدَ قياسًا ضعيفًا أو تخريجًا ليِّنًا يخالفُه حديثٌ صحيحٌ مما عملَ به الفقهاءُ أو يخالفُه عملُ أكثرِ العلماء تركَهُ إلى مذهبٍ من مذاهبِ السلف، مما يراه أرجحُ ما هناك، وهما أي أبو يوسف ومحمد لا يزالان على محجة إبراهيم ما أمكن لهما، كما كان أبو حنيفة رحمه الله يفعل ذلك ، وإنما كان اختلافُهم في أحد شيئينِ: إما أن يكون لشيخهما تخريجٌ على مذهب إبراهيم يزاحمانه فيه ، أو يكون هناك لإبراهيمَ ونظرائه أقوالٌ مختلفةٌ يخالفانِ شيخهما في ترجيحِ بعضهما على بعض، فصنَّف محمدٌ رحمه الله وجمعَ رأي هؤلاء الثلاثةِ، ونفع كثيرا من الناس فتوجَّه أصحابُ أبي حنيفة رضي الله عنه إلى تلك التصانيف تلخيصًا وتقريبًا أو شرحًا أو تخريجًا أو تأسيسًا أو استدلالًا ، ثم تفرقوا إلى خراسان وما وراء النهر فسميَ ذلك مذهبُ أبي حنيفة ،وإنما عدَّ مذهبُ أبي حنيفةَ مع مذهب أبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى واحدًا، مع أنهما مجتهدان مطلقانِ مخالفتهما غير قليلةٍ في الأصول والفروع، لتوافقِهم في هذا الأصل ، ولتدوين مذاهبهم جميعًا في المبسوطِ والجامعِ الكبيرِ.
ونشأ الشافعيُّ رضي الله عنه في أوائل ظهور المذهبين وترتيب أصولهما وفروعهما ، فنظر في صنيع الأوائل فوجدَ فيه أمورًا، كبحتْ عنانَه عن الجريان في طريقهم وقد ذكرها في أوائل كتابه الأم:
(1) - منها أنه وجدهم يأخذون بالمرسلِ والمنقطعِ فيدخل فيهما الخللُ، فإنه إذا جمع طرق الحديث يظهرُ أنه كمْ من مرسلٍ لا أصلَ له ، وكم من مرسلٍ يخالفُ مسندًا، فقرر ألا يأخذَ بالمرسَل إلا عند وجود شروطٍ، وهي مذكورة في كتب الأصولِ .
(2) - ومنها أنه لم تكنْ قواعدُ الجمعِ بين المختلفات مضبوطةٌ عندهم ، فكان يتطرقُ بذلك خللٌ في مجتهداتِهم ، فوضع لها أصولًا، ودوَّنها في كتاب، وهذا أولُ تدوينٍ كان في أصول الفقه .
مثاله ما بلغنا أنه دخل على محمد بن الحسن وهو يطعنُ على أهل المدينة في قضائهم بالشاهدِ الواحدِ مع اليمينِ، ويقول: هذا زيادة على كتاب الله، فقال الشافعي: أثبَتَ عندك أنه لا تجوزُ الزيادةُ على كتاب اللهِ بخبرِ الواحدِ ؟
قال: نعم ، قال: فلم قلت: إن الوصية للوارث لا تجوز لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ألا لا وصية لوارث ، وقد قال الله تعالى { فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (181) سورة البقرة، وأورد عليه أشياء من هذا القبيل فانقطع كلامُ محمد بن الحسن .
(1) - المستدرك للحاكم (3608) صحيح
(2) - صحيح البخارى (3234 )
(3) - مجموع الفتاوى - (ج 3 / ص 229)
(4) - مجموع الفتاوى - (ج 6 / ص 502)
(5) - صحيح البخارى برقم (7352 ) وصحيح مسلم برقم (4584)
(6) - آداب الحوار وقواعد الاختلاف - (ج 1 / ص 31)
(7) - آداب الحوار وقواعد الاختلاف - (ج 1 / ص 32)
(8) - انظر: [ فتح الباري 13 / 16] .
(9) - مجموع الفتاوى - (ج 30 / ص 80) والدرر السنية في الأجوبة النجدية - الرقمية - (ج 4 / ص 88) وأبحاث هيئة كبار العلماء - (ج 3 / ص 177) والصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم - (ج 1 / ص 37)
(10) - الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم ، للقرضاوي ، ص 53 .
(11) - حجة الله البالغة - (ج 1 / ص 280)
(12) - عدي 1/152 و153 و3/904 وبداية 10/337 وعقيلي 1/9 و10 و4/256 وشرف 14و 52 و 53 و 55 و 56 حسن لغيره
(13) - سنن الدارمى (273) صحيح
المحاقلة: هى المزارعة على نصيب معلوم = المزابنة: بيع ثمر النخل بالتمر كيلا وبيع العنب بالزبيب كيلا
(14) - سنن الدارمى (272) حسن
(15) - جامع بيان العلم: (622 ) وابن سعد ( 6606 ) وغيرهما وهي صحيحة
(16) - سنن الترمذى (2896 ) قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَهُوَ حَدِيثُ ابْنِ عُيَيْنَةَ. وَقَدْ رُوِىَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ فِى هَذَا سُئِلَ مَنْ عَالِمُ الْمَدِينَةِ فَقَالَ إِنَّهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ .
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى سَمِعْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ هُوَ الْعُمَرِىُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزَ الزَّاهِدُ. وَسَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مُوسَى يَقُولُ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ هُوَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ. وَالْعُمَرِىُّ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِن وَلَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.