وقد كانَ في الصحابةِ والتابعينَ ومنْ بعدهُم منْ يقرأُ البسملةَ، ومنهُم منْ لا يقرؤها [1] ،ومنهم من يجهرُ بها ومنهم منْ لا يجهر ُبها ،وكان منهم مَن يقنتُ في الفجرِ ومنهم منْ لا يقنتُ في الفجرِ [2] ،ومنهم منْ يتوضأُ منَ الحجامةِ والرعافِ والقيءِ ومنهم منْ لا يتوضأُ من ذلكَ [3] ، ومنهم منْ يتوضأُ من مسِّ الذكَرِ ومسِّ النساءِ بشهوة ٍومنهم منْ لا يتوضأُ منْ ذلك [4] ، ومنهم منْ يتوضأُ مما مستْهُ النارُ ومنهم منْ لا يتوضأُ منْ ذلكَ [5] ، ومنهم منْ يتوضأُ منْ أكلِ لحمِ الإبلِ [6] ومنهم منْ لا يتوضأُ منْ ذلكَ .
وَمَعَ هَذَا فَكَانَ بَعْضُهُمْ يُصَلِّي خَلْفَ بَعْضٍ [7] : مِثْلَ مَا كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ يُصَلُّونَ خَلْفَ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِن الْمَالِكِيَّةِ وَإِنْ كَانُوا لَا يَقْرَءُونَ الْبَسْمَلَةَ لَا سِرًّا وَلَا جَهْرًا وَصَلَّى أَبُو يُوسُفَ خَلْفَ الرَّشِيدِ وَقَدْ احْتَجَمَ وَأَفْتَاهُ مَالِكٌ بِأَنَّهُ لَا يَتَوَضَّأُ فَصَلَّى خَلْفَهُ أَبُو يُوسُفَ وَلَمْ يُعِدْ . وَكَانَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ يَرَى الْوُضُوءَ مِن الْحِجَامَةِ وَالرُّعَافِ فَقِيلَ لَهُ: فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ قَدْ خَرَجَ مِنهُ الدَّمُ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ . تُصَلِّي خَلْفَهُ ؟ فَقَالَ: كَيْفَ لَا أُصَلِّي خَلْفَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَمَالِكٍ [8] .
ورويَ أنَّ أبا يوسف ومحمد كانا يكبرانِ في العيدين تكبيرَ ابن عباسٍ لأنَّ هارونَ الرشيدَ كانَ يحبُّ تكبيرَ جدِّه [9] .
وصلَّى الشافعيُّ رحمهُ اللهُ الصبحَ قريبًا من~ مقبرةِ أبي حنيفة َرحمهُ اللهُ فلمْ يقنتْ تأدبًا معهُ وقال أيضًا: رُبما انحدرنا إلى مذهبِ أهلِ العراقِ [10] .
وقال مالكٌ رحمه الله للمنصورِ وهارونِ الرشيدِ ما ذكرنا عنهُ سابقاُ .
وفي البزازيةِ عن الإمامِ الثاني وهو أبو يوسفَ رحمهُ اللهُ أنه صلَّى يومَ الجمعةِ مغتسلًا منَ الحمامِ وصلَّى بالناسِ وتفرَّقوا ،ثمَّ أُخبرَ بوجودِ فأرةٍ ميتةٍ في بئرِ الحمامِ فقالَ: إذًا نأخذُ بقولِ إخواننا منْ أهلِ المدينةِ إذا بلغَ الماءُ قلَّتينِ لمْ يحملْ خبثًا [11] .
وسئل الإمام الخجنديُّ رحمه الله عن رجلٍ شافعيِّ المذهبِ تركَ صلاةً سنةً أو سنتينِ ثم انتقلَ إلى مذهب أبي حنيفةَ رحمه اللهُ كيفُ يجبُ عليه القضاءُ أيقضيها على مذهبِ الشافعيِّ أو على مذهبِ أبي حنيفةَ؟ فقال: على أيِّ المذهبينِ قضَى بعد أنْ يعتقدَ جوازَها جازَ . انتهى [12]
وفي جامع الفتاوَى أنهُ إنْ قالَ حنفيٌّ إنْ تزوجتُ فلانةً فهيَ طالقٌ ثلاثًا، ثم استفتَى شافعيًّا فأجابَ أنها لا تطلقُ ويمينهُ باطلٌ فلا بأسَ باقتدائهِ بالشافعيِّ في هذه المسألةَ، لأنَّ كثيرًا من الصحابةِ في جانبهِ [13] .
قال محمدٌ رحمة في أماليه: لو أنَّ فقيهًا قال لامرأتهِ أنتِ طالقٌ البتةَ وهو ممنْ يراها ثلاثًا ثمَّ قضَى عليه قاضٍ بأنها رجعيةٌ وسِعهُ المقامُ معها، وكذا كلُّ فصلٍ مما يختلفُ فيهُ الفقهاءُ منْ تحريمٍ أو تحليلٍ أو إعتاقٍ أو أخذِ مالٍ أو غيرهِ ينبغي للفقيهِ المقضيِّ عليهِ الأخذَ بقضاءِ القاضي ويدعُ رأيهَ ويلزِمُ نفسَه ما ألزمَ القاضي ويأخذُ ما أعطاهُ [14] .
قال محمدٌ رحمهُ اللهُ: وكذلكَ رجلٌ لا علمَ له ابتليَ ببليةٍ فسألَ عنها الفقهاءَ فأفتوهُ فيها بحلالِ أو بحرامٍ وقضَى عليه قاضي المسلمينَ بخلافِ ذلكَ وهيَ مما يختلفُ فيه الفقهاءُ فينبغي له أنْ يأخذَ بقضاءِ القاضي ويدعَ ما أفتاهُ الفقهاءُ . [15] انتهى
وقد أطنبنا الكلامَ في هذا المقامِ غايةَ الإطنابِ واللهُ وحدهُ أعلمُ بالصوابِ"."
قلت: وكلامه الآنف الذكر نفيسٌ ، ينبغي أن يكتب بماء الذهب.
المبحث الرابع
رأي اللجنة الدائمة بالأئمة الأربعة [16]
أولا- المجتهدون من الفقهاء كثير وخاصة في القرون الثلاثة التي شهد لها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالخير وقد اشتهر من بينهم على مر السنين أربعة أبو حنيفة النعمان بن ثابت في العراق وأبو عبد الله مالك بن أنس الأصبحي في المدينة المنورة وأبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي القرشي عالم قريش وفخرها وأبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني إمام أهل الحديث وقدوتهم وفقيه أهل العراق في زمانه.
وأسباب شهرتهم كثيرة منها انتشار مذهبهم في البلد الذي نشأوا فيه أو ارتحلوا إليه على مقتضى السنَّة الكونية كأبي حنيفة وأحمد رحمهما الله في العراق ومالك في المدينة والشافعي في مكة ومصر ، ومنها نشاط تلاميذهم ومن أخذ بمذهبهم وبنى على أصولهم واجتهادهم في الدعوة إلى مذهبهم في بلادهم أو البلاد التي رحلوا إليها كمحمد بن الحسن وأبي يوسف مثلا في العراق، وابن القاسم وأشهب في مصر وسحنون في المغرب، والربيع بن سليمان في مصر ، وتلاميذ الإمام أحمد في الشام والعراق .
ومنها تبني الحكومات للمذهب ولعلمائه وتوليتهم إياهم المناصب كالقضاء وفتحهم المدارس لهم وإغداق الخير عليهم من أوقاف وغيرها
ثانيا- أن أئمة المذاهب الأربعة وهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل من فضلاء أهل العلم ومن أتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن أهل الاجتهاد والاستنباط للأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، وما قاله المؤلف المذكور من أنهم يصرفون الناس عن الحقيقة ويتبعون أهواءهم كذب وبهتان عليهم وليس مقلِّدهم بكافر، فإن الإنسان إذا لم يكن من أهل المعرفة بالأحكام واتبع أحد المذاهب الأربعة فإنه لا حرج عليه في ذلك
ثالثا- ليس كل تقليد كفرا بإطلاق أو فسقا أو شركا، بل الصواب أن في حكمه تفصيلا يعرف من الجواب على السؤال الثاني فيما تقدم.
رابعا- لم يدعُ أحد من الأئمة الأربعة إلى مذهبه ولم يتعصب له، ولم يلزم الناس بالعمل به أو بمذهب معين، إنما كانوا يدعون إلى العمل بالكتاب والسُّنَّة -رحمهم الله- ويشرحون نصوص الدين، ويبينون قواعده، ويفرعون عليها، ويفتون فيما يسألون عنه مع الدليل من الكتاب والسُّنَّة، دون أن يلزموا تلاميذهم أو غيرهم برأي أحد معين من علماء الأمة، بل يعيبون ذلك، ويأمرون أن يضرب برأيهم عرض الحائط إذا خالف الحديث الصحيح، ويقول قائلهم: (إذا صح الحديث فهو مذهبي) وعلى المسلم أن يجتهد في معرفة الحق بنفسه إن استطاع ذلك، ويستعين بالله ثم بالثروة العلمية التي خلفها السابقون من علماء المسلمين لمن بعدهم، والتي يسِّر لهم بها طريق فهم النصوص وتطبيقها، ومن لم يستطع فهم الأحكام من أدلتها واستنباطها لأمر ما عاقه عن ذلك سأل أهل العلم الموثوق بهم عما يحتاجه من أحكام الشريعة، رجاء معرفة الحق بدليله قدر الاستطاعة لقوله تعالى: { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } (سورة النحل الآية 43) وعليه أن يتحرى في سؤاله من يثق به من المشهورين بالعلم والفضل والتقوى والصلاح. وبهذا يعلم أن الأئمة الأربعة براء مما اتهموا به وأن ما نسب إليهم من الكفر والضلال زور وبهتان.
خامسا- ليس من علماء الحرمين مكة والمدينة ولا من سائر علماء المملكة السعودية من يذم أئمة الفقهاء مالكا وأبا حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل ونحوهم من علماء الفقه الإسلامي ولا من يزدريهم، بل المعروف عنهم أنهم يوقرونهم ويعرفون لهم فضلهم وأن لهم قدم صدق في خدمة الإسلام وحفظه وفهم نصوصه وقواعده وبيان ذلك وإبلاغه والجهاد في نصره والذود عنه ودفع الشبهة عنه وإبطال ما انتحله المنتحلون وابتدعه المفترون فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرا.
يدلُّ على موقف علماء الحرمين وسائر علماء المملكة السعودية من الأئمة الأربعة موقف تكريم وتقدير عنايتهم بتدريس مذاهبهم ومؤلفاتهم في المسجد الحرام بمكة المشرفة والمدينة المنورة وسائر مساجد المملكة السعودية وفي جامعاتها وعنايتهم بطبع الكثير من كتبهم وتوزيعها ونشرها بين المسلمين في جميع الدول التي بها مسلمون"."
الفصل السادس
أسباب ترك بعض الفقهاء الاحتجاج بالحديث
أولا
ذكر الأسباب مفصلة
هناك أسباب عديدة تجعل الفقيه يترك العمل بحديث ما ، وهي كثيرة ، ولكننا سنذكر أهمها .
"يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ مُوَالَاةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مُوَالَاةُ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ قال تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} (55) سورة المائدة، خُصُوصًا الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، فعَن كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِى الدَّرْدَاءِ فِى مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ إِنِّى جِئْتُكَ مِن مَدِينَةِ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - لِحَدِيثٍ بَلَغَنِى أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ عَن رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَا جِئْتُ لِحَاجَةٍ. قَالَ فَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « مَن سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِن طُرُقِ الْجَنَّةِ وَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَن فِى السَّمَوَاتِ وَمَن فِى الأَرْضِ وَالْحِيتَانُ فِى جَوْفِ الْمَاءِ وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَن أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ » [17] ."
وهمُ الَّذِينَ جَعَلَهُمْ اللَّهُ بِمَنزِلَةِ النُّجُومِ يُهْتَدَى بِهِمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ،وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى هِدَايَتِهِمْ وَدِرَايَتِهِمْ، إذْ كَلُّ أُمَّةٍ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - فَعُلَمَاؤُهَا شِرَارُهَا إلَّا الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ عُلَمَاءَهُمْ خِيَارُهُمْ ؛ فَإِنَّهُمْ خُلَفَاءُ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - فِي أُمَّتِهِ، والمحيون لِمَا مَاتَ مِن سُنَّتِهِ بِهِمْ قَامَ الْكِتَابُ وَبِهِ قَامُوا وَبِهِمْ نَطَقَ الْكِتَابُ وَبِهِ نَطَقُوا، فعَن أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِن كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ ، يَنْفُونَ عَنهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ" [18] .
وَلِيُعْلَمَ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمَقْبُولِينَ عِنْدَ الْأُمَّةِ قَبُولًا عَامًّا يَتَعَمَّدُ مُخَالَفَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي شَيْءٍ مِن سُنَّتِهِ ؛ دَقِيقٍ وَلَا جَلِيلٍ ؛ فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ اتِّفَاقًا يَقِينِيًّا عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - لقوله تعالى: { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (7) سورة الحشر ، ولقوله تعالى: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِن أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} (36) سورة الأحزاب ، وَعَلَى أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ يُؤْخَذُ مِن قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إلَّا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَلَكِنْ إذَا وُجِدَ لِوَاحِدِ مِنهُمْ قَوْلٌ قَدْ جَاءَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ بِخِلَافِهِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِن عُذْرٍ فِي تَرْكِهِ [19] .
وَجَمِيعُ الْأَعْذَارِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ:
أَحَدُهَا: عَدَمُ اعْتِقَادِهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَهُ .
وَالثَّانِي: عَدَمُ اعْتِقَادِهِ إرَادَةَ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ بِذَلِكَ الْقَوْلِ .
وَالثَّالِثُ: اعْتِقَادُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ مَنسُوخٌ .
وَهَذِهِ الْأَصْنَافُ الثَّلَاثَةُ تَتَفَرَّعُ إلَى أَسْبَابٍ مُتَعَدِّدَةٍ ، وهي:
السَّبَبُ الْأَوَّلُ
عدم بلوغ الحديث للفقيه
السَّبَبُ الْأَوَّلُ: أَلَّا يَكُونَ الْحَدِيثُ قَدْ بَلَغَهُ ،وَمَن لَمْ يَبْلُغْهُ الْحَدِيثُ لَمْ يُكَلَّفْ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمُوجَبِهِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ بَلَغَهُ، وَقَدْ قَالَ فِي تِلْكَ الْقَضِيَّةِ بِمُوجَبِ ظَاهِرِ آيَةٍ أَوْ حَدِيثٍ آخَرَ ؛ أَوْ بِمُوجَبِ قِيَاسٍ ؛ أَوْ مُوجَبِ اسْتِصْحَابٍ: فَقَدْ يُوَافِقُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ تَارَةً وَيُخَالِفُهُ أُخْرَى . وَهَذَا السَّبَبُ هُوَ الْغَالِبُ عَلَى أَكْثَرِ مَا يُوجَدُ مِن أَقْوَالِ السَّلَفِ مُخَالِفًا لِبَعْضِ الْأَحَادِيثِ ؛ فَإِنَّ الْإِحَاطَةَ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ تَكُنْ لِأَحَدِ مِن الْأُمَّةِ . وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُحَدِّثُ ؛ أَوْ يُفْتِي ؛ أَوْ يَقْضِي ؛ أَوْ يَفْعَلُ الشَّيْءَ فَيَسْمَعُهُ أَوْ يَرَاهُ مَن يَكُونُ حَاضِرًا وَيُبَلِّغُهُ أُولَئِكَ أَوْ بَعْضُهُمْ لِمَن يُبَلِّغُونَهُ فَيَنْتَهِي عِلْمُ ذَلِكَ إلَى مَن يَشَاءُ اللَّهُ مِن الْعُلَمَاءِ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَن بَعْدَهُمْ ثُمَّ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ قَدْ يُحَدِّثُ أَوْ يُفْتِي أَوْ يَقْضِي أَوْ يَفْعَلُ شَيْئًا وَيَشْهَدُهُ بَعْضُ مَن كَانَ غَائِبًا عَن ذَلِكَ الْمَجْلِسِ وَيُبَلِّغُونَهُ لِمَن أَمْكَنَهُمْ فَيَكُونُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ مِن الْعِلْمِ مَا لَيْسَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ وَعِنْدَ هَؤُلَاءِ مَا لَيْسَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ،وَإِنَّمَا يَتَفَاضَلُ الْعُلَمَاءُ مِن الصَّحَابَةِ وَمَن بَعْدَهُمْ بِكَثْرَةِ الْعِلْمِ أَوْ جَوْدَتِهِ .
وَأَمَّا إحَاطَةُ وَاحِدٍ بِجَمِيعِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَهَذَا لَا يُمْكِنُ ادِّعَاؤُهُ قَطُّ، وذلك لأنَّ الصحابةَ رضي الله عنهم قد تفرقوا في سائر الأمصار الإسلامية ، وحدَّثوا بها حسبَ حاجة الناس ، فصارتِ السنَّةُ النبويةُ موجودةً في سائر أقطار الإسلام ، وكان جمعُ السنَّة في البداية يقتصرُ على القُطر نفسِه ، إلى أن صار يشملُ أقطارًا أخرى.
وَاعْتُبِرَ ذَلِكَ بِالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الَّذِينَ هُمْ أَعْلَمُ الْأُمَّةِ بِأُمُورِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَسُنَّتِهِ وَأَحْوَالِهِ خُصُوصًا الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ يُفَارِقُهُ حَضَرًا وَلَا سَفَرًا ، بَل كَانَ يَكُونُ مَعَهُ فِي غَالِبِ الْأَوْقَاتِ حَتَّى إنَّهُ يَسْمَرُ عِنْدَهُ بِاللَّيْلِ فِي أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ . وَكَذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ - فَإِنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - كَثِيرًا مَا يَقُولُ: دَخَلْت أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَخَرَجْت أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ إِنِّى لَوَاقِفٌ فِى قَوْمٍ ، فَدَعَوُا اللَّهَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَقَدْ وُضِعَ عَلَى سَرِيرِهِ ، إِذَا رَجُلٌ مِن خَلْفِى قَدْ وَضَعَ مِرْفَقَهُ عَلَى مَنكِبِى ، يَقُولُ رَحِمَكَ اللَّهُ ، إِنْ كُنْتُ لأَرْجُو أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مَعَ صَاحِبَيْكَ ، لأَنِّى كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ كُنْتُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ، وَفَعَلْتُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ، وَانْطَلَقْتُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ . فَإِنْ كُنْتُ لأَرْجُو أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مَعَهُمَا . فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ عَلِىُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ" [20] ."
ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ لَمَّا سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ - عَن مِيرَاثِ الْجَدَّةِ قَالَ: مَا لَك فِي كِتَابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ وَمَا عَلِمْت لَك فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِن شَيْءٍ، وَلَكِنْ اسْأَلْ النَّاسَ فَسَأَلَهُمْ فَقَامَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ مسلمة فَشَهِدَا أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَعْطَاهَا السُّدُسَ [21] ،
(1) - انظر مجموع الفتاوى - (ج 22 / ص 279) و (ج 23 / ص 374) وفتاوى يسألونك - (ج 4 / ص 26) وفتاوى الإسلام سؤال وجواب - (ج 1 / ص 2348) وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 8 / ص 5790) وفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - (ج 7 / ص 37) والفقه الإسلامي وأدلته - (ج 2 / ص 22) والفقه الإسلامي وأصوله - (ج 1 / ص 418) وتحفة المحتاج في شرح المنهاج - (ج 8 / ص 65) وحاشية البجيرمي على الخطيب - (ج 4 / ص 219) والفروع لابن مفلح - (ج 2 / ص 121)
(2) - سنن الترمذى برقم (403 ) ومصنف عبد الرزاق مشكل - (ج 2 / ص 453) برقم (4946-4980) ومصنف ابن أبي شيبة مرقم ومشكل - (ج 3 / ص 78) برقم (6943-7031) وتهذيب الآثار للطبري - (ج 6 / ص 67) برقم (2579-2747 ) وشرح معاني الآثار - (ج 1 / ص 414-426) وفتاوى الأزهر - (ج 9 / ص 5) و مجموع الفتاوى - (ج 7 / ص 572) وج 22 / ص 267) و (ج 22 / ص 372) و (ج 23 / ص 374)
(3) - مجموع الفتاوى - (ج 23 / ص 375) وفتاوى يسألونك - (ج 4 / ص 26) وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 6 / ص 4133)
(4) - مجموع الفتاوى - (ج 20 / ص 524) و (ج 23 / ص 375) وفتاوى يسألونك - (ج 6 / ص 298) وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 6 / ص 4133) و (ج 8 / ص 5790) ومجموع رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية - (ج 44 / ص 10) وإعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 2 / ص 41)
(5) - فتاوى يسألونك - (ج 6 / ص 298) و من أصول الفقه على منهج أهل الحديث الرقمية - (ج 1 / ص 54) وحجة الله البالغة للدهلوي - (ج 1 / ص 101)
(6) - مجموع الفتاوى - (ج 23 / ص 375) وفتاوى يسألونك - (ج 4 / ص 27) وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 6 / ص 4133) و (ج 8 / ص 5790)
(7) - الفتاوى الكبرى - (ج 3 / ص 62) وفتاوى يسألونك - (ج 4 / ص 27) وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 6 / ص 4133) و (ج 8 / ص 5790) وحجة الله البالغة للدهلوي - (ج 1 / ص 101)
(8) - مجموع الفتاوى - (ج 23 / ص 375) و حجة الله البالغة للدهلوي - (ج 1 / ص 101)
(9) - يسألونك فتاوى - (ج 2 / ص 122) ويسألونك فتاوى - (ج 3 / ص 362) وحجة الله البالغة للدهلوي - (ج 1 / ص 101)
(10) - يسألونك فتاوى - (ج 2 / ص 122) وحجة الله البالغة للدهلوي - (ج 1 / ص 101)
(11) - فتاوى يسألونك - (ج 6 / ص 298) و حجة الله البالغة 1/295-296 . وشرح معاني الآثار - (ج 1 / ص 2) فما بعدها والفتاوى الفقهية الكبرى - (ج 1 / ص 34) وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 9 / ص 47) والفقه الإسلامي وأدلته - (ج 1 / ص 93) ورسم المفتي في حاشية ابن عابدين: 70/1 . وتبيين الحقائق شرح كنز الدقائق - (ج 1 / ص 142) وفتح القدير - (ج 1 / ص 128) ورد المحتار - (ج 1 / ص 189) وكتاب الإبهاج في شرح المنهاج - (ج 2 / ص 47) والإحكام في أصول الأحكام - (ج 2 / ص 147) والتقرير والتحبير - (ج 6 / ص 238) وحاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع - (ج 6 / ص 43) وفواتح الرحموت - (ج 1 / ص 274) والمدخل إلى مذهب الإمام أحمد الرقمية - (ج 1 / ص 54) والإحكام في أصول الأحكام للآمدي - (ج 2 / ص 94) وحجة الله البالغة للدهلوي - (ج 1 / ص 69) وحجة الله البالغة للدهلوي - (ج 1 / ص 101)
قلت: والحديث صحيح
(12) - فتاوى يسألونك - (ج 4 / ص 27) ويسألونك فتاوى - (ج 2 / ص 122) وحجة الله البالغة للدهلوي - (ج 1 / ص 101)
(13) - فتاوى يسألونك - (ج 4 / ص 28) ويسألونك فتاوى - (ج 2 / ص 122) وحجة الله البالغة للدهلوي - (ج 1 / ص 101)
(14) - حجة الله البالغة للدهلوي - (ج 1 / ص 101) و الفتاوى الهندية - (ج 24 / ص 324) وفتاوى يسألونك - (ج 4 / ص 28) والفقه الإسلامي وأدلته - (ج 1 / ص 89)
(15) - حجة الله البالغة للدهلوي - (ج 1 / ص 101)
(16) - فتاوى اللجنة الدائمة - 1 - (ج 5 / ص 31) - من يقول إن التقليد كفر مطلقا وفسق وشرك وينسبون إلى الأئمة الأربعة الكفر والضلال فماذا حكمه وهم يقولون هذا رأي علماء الحرمين والمملكة السعودية والكويت . و فتاوى اللجنة الدائمة - 1 - (ج 5 / ص 62) الفتوى رقم 12548
(17) - أخرجه أبو داود في سننه برقم (3643 ) وهو حديث صحيح.
(18) - أخرج الطحاوي في مشكل الآثار برقم (3269 ) وهو حسن لغيره
(19) - انظر: مجموع الفتاوى - (ج 2 / ص 227) و (ج 3 / ص 347) و (ج 13 / ص 259) و (ج 20 / ص 209) و (ج 20 / ص 211) و (ج 20 / ص 232) و (ج 27 / ص 241) و (ج 33 / ص 28) و (ج 1 / ص 210) وج 4 / ص 300) و (ج 7 / ص 211) وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 4 / ص 967) و (ج 4 / ص 9967) و (ج 6 / ص 49) و (ج 6 / ص 49) و (ج 9 / ص 4669و(ج 10 / ص 1051) ومن أصول الفقه على منهج أهل الحديث - الرقمية - (ج 1 / ص 175)
(20) - صحيح البخاري برقم (3677 ) ومسلم برقم ( 6338 )
(21) - السنن الكبرى للإمام النسائي الرسالة - (ج 4 / ص 277) برقم (6312) والمعجم الكبير للطبراني - (ج 15 / ص 373) برقم (17441 ) وصحيح ابن حبان - (ج 13 / ص 390) برقم (6031 ) وهو حسن
عثمان بن إسحاق بن خرشة، وهو القرشي العامري المدني، فقد ذكره المؤلف في"ثقاته"7/190،وقال الدوري عن ابن معين: ثقة. وقال ابن عبد البر: هو معروف النسب، إلا أنه غير مشهور بالرواية، وقال الذهبي في"الميزان": شيخ ابن شهاب الزهري، لا يعرف، سمع قبيصة بن ذؤيب، وقد وثقوه.