فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 60

الرَّمْيُ فِي الْيَوْمِ الأَْوَّل وَالثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ: وَهُمَا الْيَوْمَانِ الثَّانِي وَالثَّالِثُ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ: يَجِبُ فِي هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ رَمْيُ الْجِمَارِ الثَّلاَثِ عَلَى التَّرْتِيبِ: يَرْمِي أَوَّلًا الْجَمْرَةَ الصُّغْرَى الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ ، ثُمَّ الْوُسْطَى ، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ، يَرْمِي كُل جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ .

1 -يَبْدَأُ وَقْتُ الرَّمْيِ فِي الْيَوْمِ الأَْوَّل وَالثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَ الزَّوَال ، وَلاَ يَجُوزُ الرَّمْيُ فِيهِمَا قَبْل الزَّوَال عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ ، وَمِنْهُمُ الأَْئِمَّةُ الأَْرْبَعَةُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ الظَّاهِرَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ [1] .

وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الأَْفْضَل أَنْ يَرْمِيَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ - أَيْ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ - بَعْدَ الزَّوَال فَإِنْ رَمَى قَبْلَهُ جَازَ ، وَهُوَ قَوْل بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ [2] .

وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: إِنْ كَانَ مِنْ قَصْدِهِ أَنْ يَتَعَجَّل فِي النَّفْرِ الأَْوَّل فَلاَ بَأْسَ بِأَنْ يَرْمِيَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ قَبْل الزَّوَال ، وَإِنْ رَمَى بَعْدَهُ فَهُوَ أَفْضَل ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ قَصْدِهِ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَرْمِيَ إِلاَّ بَعْدَ الزَّوَال ، وَذَلِكَ لِدَفْعِ الْحَرَجِ ؛ لأَِنَّهُ إِذَا نَفَرَ بَعْدَ الزَّوَال لاَ يَصِل إِلَى مَكَّةَ إِلاَّ بِاللَّيْل فَيَحْرَجُ فِي تَحْصِيل مَوْضِعِ النُّزُول [3] .

وَهَذَا رِوَايَةٌ أَيْضًا عَنْ أَحْمَدَ ، لَكِنَّهُ قَال: يَنْفِرُ بَعْدَ الزَّوَال [4] .

اسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِفِعْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ .

فَعَنِ وَبَرَةَ قَالَ سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ - رضى الله عنهما - مَتَى أَرْمِى الْجِمَارَ ؟ قَالَ: إِذَا رَمَى إِمَامُكَ فَارْمِهْ . فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ الْمَسْأَلَةَ ، قَالَ: كُنَّا نَتَحَيَّنُ ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا [5] .

وَعَنْ وَبَرَةَ قَالَ سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ - رضى الله عنهما - مَتَى أَرْمِى الْجِمَارَ ؟ قَالَ: إِذَا رَمَى إِمَامُكَ فَارْمِهْ . فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ الْمَسْأَلَةَ ، قَالَ كُنَّا نَتَحَيَّنُ ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا . [6] .

وَهَذَا بَابٌ لاَ يُعْرَفُ بِالْقِيَاسِ ، بَل بِالتَّوْقِيتِ مِنَ الشَّارِعِ ، فَلاَ يَجُوزُ الْعُدُول عَنْهُ .

وَاسْتُدِل لِلرِّوَايَةِ بِجَوَازِ الرَّمْيِ قَبْل الزَّوَال بِقِيَاسِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عَلَى يَوْمِ النَّحْرِ ؛ لأَِنَّ الْكُل أَيَّامُ نَحْرٍ ، وَيَكُونُ فِعْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَحْمُولًا عَلَى السُّنِّيَّةِ .

وَاسْتُدِل لِجَوَازِ الرَّمْيِ ثَانِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ قَبْل الزَّوَال لِمَنْ كَانَ مِنْ قَصْدِهِ النَّفْرُ إِلَى مَكَّةَ بِمَا ذَكَرُوا أَنَّهُ لِرَفْعِ الْحَرَجِ عَنْهُ ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَصِل إِلاَّ بِاللَّيْل ، وَقَدْ قَوَّى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ هَذِهِ الرِّوَايَةَ تَوْفِيقًا بَيْنَ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ .

وَالأَْخْذُ بِهَذَا مُنَاسِبٌ لِمَنْ خَشِيَ الزِّحَامَ وَدَعَتْهُ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ ، لاَ سِيَّمَا فِي زَمَنِنَا [7] .

وقال الكاساني: .. وَلِأَنَّ لَهُ أَنْ يَنْفِرَ قَبْلَ الرَّمْيِ ، وَيَتْرُكَ الرَّمْيَ فِي هَذَا الْيَوْمِ رَأْسًا فَإِذَا جَازَ لَهُ تَرْكُ الرَّمْيِ أَصْلًا فَلَأَنْ يَجُوزَ لَهُ الرَّمْيُ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْلَى ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ." [8] "

وفي فتاوى الأزهر - (ج 9 / ص 303) وهناك رأي لعطاء بن أبى رباح وطاووس بن كيسان بجواز الرمي قبل الزوال في الأيام كلها ، ويمكن الأخذ بهذا الرأي عند الحاجة ، كشدة الزحام""

وفي فتاوى الشيخ ابن جبرين - (ج 60 / ص 58) وقد روي عن الإمام أحمد جواز الرمي قبل الزوال يوم النفر، كما ذكره في المغني والإنصاف و غيرهما، و لعل ذلك يجوز في هذه الأزمنة لأجل الزحام الشديد الذي قد أودى بحياة بشر كثير.""

وفي كتاب حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للقفال- (ج 3 / ص 117) :"وقال أبو حنيفة إذا رمى منكسا أعاد فإن لم يفعل فلا شيء عليه، وقال: يجوز الرمي في اليوم الثالث قبل الزوال استحسانا ،وروى الحاكم أنه يجوز الرمي قبل الزوال في اليوم الأول والثاني أيضا والأول أشهر".

وفي فتاوى الشبكة الإسلامية [9] :"إن كان رمي الجمرات قبل الزوال خشية زحام شديد متيقن أو غالب الظن فلا مانع من ذلك للضرورة ،وإن لم يكن الزحام شديدًا بل كان زحامًا يمكن تحمله، فلا يجزئ عنه ذلك الرمي، وعليه أن يرمي بعد الزوال ." [10]

قلت: وهذا الذي أفتى به علماء المملكة اليوم ، وهو الأرفق بالناس ، والله أعلم .

الفصل الثامن

أدب الحوار بين المختلفين [11]

الحوار جائز في الإسلام متى كانت المصلحة المتوقعة منه أعظم من المفسدة المترتبة عليه، ومتى ثبت أن نفعه أكثر من ضرره، وقد عني القرآن الكريم عناية بالغة بالحوار، وذلك أمر لا غرابة فيه أبدًا، فالحوار هو الطريق الأمثل للاقتناع الذي ينبع من أعماق صاحبه، والاقتناع هو أساس الإيمان الذي لا يمكن أن يُفرض فرضًا، وإنما ينبع من داخل الإنسان. [12]

المبحث الأول

إحسان الظن بالآخرين:

ومن المبادئ الأخلاقية المهمة في التعامل بين الإسلاميين مع بعضهم البعض: إحسان الظن بالآخرين، وخلع المنظار الأسود، عند النظر إلى أعمالهم ومواقفهم فلا ينبغي أن يكون سلوك المؤمن واتجاهه قائما على تزكية نفسه، واتهام غيره..

والله تعالى ينهانا أن نزكي أنفسنا، فيقول: { هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} (32) سورة النجم.

ويذم اليهود الذين زكوا أنفسهم وقالوا: إنهم أبناء الله وأحباؤه، فقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلًا} (49) سورة النساء.

والمؤمن ـ كما قال بعض السلف ـ أشد حسابا لنفسه من سلطان غاشم، ومن شريك شحيح!

فهو أبدا متهم لنفسه لا يتسامح معها، ولا يسوغ لها خطأها، يغلب عليه شعور التفريط في جنب الله، والتقصير في حقوق عباد الله.

وهو يعمل الخير، ويجتهد في الطاعة، ويقول: أخشى أن لا يقبل مني. فإنما يتقبل الله من المتقين، وما يدريني أني منهم؟!

وهو في الجانب المقابل يلتمس المعاذير لخلق الله، وخصوصا لإخوانه والعاملين معه لنصرة دين الله، فهو يقول ما قال بعض السلف الصالح: ألتمس لأخي من عذر إلى سبعين، ثم أقول: لعل له عذرا آخر لا أعرفه!

وإن من أعظم شعب الإيمان حسن الظن بالله، وحسن الظن بالناس، وفي مقابلهما: سوء الظن بالله، وسوء الظن بعباد الله.

إن سوء الظن من خصال الشر التي حذر منها القرآن والسُّنَّة، فالأصل حمل المسلم على الصلاح، وأن لا تظن به إلا خيرا، وأن تحمل ما يصدر منه على أحسن الوجوه، وإن بدا ضعفها، تغليبا لجانب الخير على جانب الشر.

والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} (12) سورة الحجرات، والمراد به: ظن السوء الذي لم يقم عليه دليل حاسم.

وعَنِ الأَعْرَجِ قَالَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَأْثُرُ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ ، وَلاَ تَجَسَّسُوا ، وَلاَ تَحَسَّسُوا ، وَلاَ تَبَاغَضُوا ، وَكُونُوا إِخْوَانًا » [13] .

والمفروض في المسلم إذا سمع شرا عن أخيه أن يطرد عن نفسه تصور أي سوء عنه، وأن لا يظن به إلا خيرا، كما قال تعالى في سياق حديث الإفك: { لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ} (12) سورة النور.

وما أصدق ما قاله الشاعر هنا:

تأن ولا تعجل بلومك صاحبا لعل له عذرا وأنت تلوم!

ومن أجل هذا يعجب المرء غاية العجب، ويتألم كل الألم، إذا وجد بعض العاملين للإسلام يتهم بعضهم بالعمالة أو الخيانة، جريا وراء العلمانيين وأعداء الإسلام فيقول أحدهم عن الآخر: هذا عميل للغرب أو للشرق أو للنظام الفلاني، لمجرد أنه خالفه في رأي أو في موقف، أو في اتخاذ وسيلة للعمل مخالفة له، ومثل هذا لا يجوز بحال لمن فقه عن الله ورسوله.

المبحث الثاني

ترك الطعن والتجريح للمخالفين:

ومن أسباب التواصل والتقارب: ترك الطعن والتجريح للمخالف، والتماس العذر له، وإن كان مخطئا في ظنك.

وذلك لأنه قد يكون مصيبا وأنت المخطئ، إذ لا يقين في الاجتهادات بصواب أحد القولين، كل ما تملك في هذا المجال هو الترجيح، والترجيح لا يعني القطع واليقين.

كما أن المخطئ في هذه القضايا لا يجوز الطعن عليه بحال، لأنه معذور في خطئه، بل مأجور عليه بنص الحديث النبوي الشريف.

فكيف يجرح أن يطعن عليه في أمر هو مأجور عليه من الله تعالى، وإن كان أجرا واحدا غير مضاعف، ولكن يكفي أنه مثاب ومأجور غير مأزور؟

وهذا هو نهج السلف في اختلافهم في الاجتهاد، فلم يجرح بعضهم بعضا، بل أثنى بعضهم على بعض برغم ما اختلفوا فيه.

نموذج من أدب كبار العلماء مع مخالفيهم:

ولعل من أفضل وأحسن أمثلة أدب الاختلاف: تلك الرسالة العلمية الرائعة، التي بعث بها فقيه مصر وإمامها وعالمها الليث بن سعد إلى الإمام مالك، يعرض عليه فيها وجهة نظره في أدب جم رفيع، حول كثير مما كان الإمام مالك يذهب إليه، ويخالفه فيه الليث بن سعد، ونظرا لطول الرسالة نقتطف منها ما يشير إلى ذلك الأدب الرفيع، الذي اختلف في ظله سلف هذه الأمة، وكرام علمائها، يقول الليث بن سعد: (... سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد: عافانا الله وإياك، وأحسن لنا العاقبة في الدنيا والآخرة، قد بلغني كتابك تذكر فيه من صلاح حالكم الذي يسرني، فأدام الله ذلك لكم، وأتمه بالعون على شكره، والزيادة من إحسانه.. ثم يقول: وأنه بلغك أني أفتي الناس بأشياء مخالفة لما عليه الناس عندكم، وأني يحق علي الخوف على نفسي لاعتماد من قبلي على ما أفتيهم به، وأن الناس تبع لأهل المدينة التي كانت إليها الهجرة، وبها نزل القرآن، وقد أصبت بالذي كتبت به من ذلك ـ إن شاء الله تعالى ـ ووقع مني بالموقع الذي تحب، وما أجد أحدا ينسب إليه العلم أكره لشواذ الفتيا، ولا أشد تفضيلا لعلماء أهل المدينة الذين مضوا، ولا آخذ لفتياهم فيما اتفقوا عليه مني، والحمد لله رب العالمين لا شريك له) .

ثم يمضي الإمام الليث بن سعد في رسالته موردا أوجه الاختلاف بينه وبين الإمام مالك رحمهما الله تعالى حول حجية عمل أهل المدينة مبينا أن كثيرا من السابقين الأولين الذين تخرجوا في مدرسة النبوة حملوا إلى مشارق الأرض ومغاربها، وهم يجاهدون، ما تعلموه من كتاب الله وسنة نبيه، وبين أن التابعين قد اختلفوا في أشياء وكذلك من أتى بعدهم من أمثال: ربيعة بن أبي عبد الرحمن حيث يذكر بعض مآخذه عليه، ثم يقول: (ومع ذلك ـ بحمد الله ـ عند ربيعة خير كثير، وعقل أصيل، ولسان بليغ، وفضل مستبين، وطريقة حسنة في الإسلام ومودة صادقة لإخوانه عامة، ولنا خاصة، رحمه الله وغفر له وجزاه بأحسن ما عمله) ، ثم يذكر من أمثلة الاختلاف بينه وبين الإمام مالك قضايا عديدة مثل: الجمع ليلة المطر ـ والقضاء بشاهد ويمين ـ ومؤخر الصداق لا يقبض إلا عند الفراق ـ وتقديم الصلاة على الخطبة في الاستسقاء.. وقضايا خلافية أخرى، ثم قال في نهاية الرسالة: (وقد تركت أشياء كثيرة من أشباه هذا، وأنا أحب توفيق الله إياك، وطول بقائك، لما أرجو للناس في ذلك من المنفعة، وما أخاف من الضيعة إذا ذهب مثلك، مع استئناسي بمكانك وإن نأت الدار، فهذه منزلتك عندي، ورأيي فيك، فاستيقنه، ولا تترك الكتاب إلي بخبرك وحالك وحال ولدك وأهلك، وحاجة إن كانت لك، أو لأحد يوصل بك، فإني أسر بذلك، كتبت إليك ونحن صالحون معافون والحمد لله، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم شكر ما أولانا، وتمام ما أنعم به علينا، والسلام عليكم ورحمة الله) [14] .

وإن من المؤسف اليوم أن نجد من بين المشتغلين بالدعوة إلى الإسلام من يشهر سيف الذم والتجريح لكل من يخالفه، متهما إياه بقلة الدين، أو باتباع الهوى أو بالابتداع والانحراف، أو بالنفاق، وربما بالكفر!

وكثير من هؤلاء لا يقتصرون في الحكم على الظواهر، بل يتهمون النيات والسرائر، التي لا يعلم حقيقة ما فيها إلا الله سبحانه، كأنما شقوا عن قلوب العباد واطلعوا على دخائلها!

ولم يكد يسلم من ألسنة هؤلاء أحد من القدامى، أو المحدثين، أو المعاصرين ممن لا يقول بقولهم في قضايا معينة، حتى وجدنا من يسب بعض الأئمة الأربعة في الفقه، ومن يسب بعض أئمة السلوك والزهد.

وهذه من المزالق التي يتورط فيها كثير من المنتسبين إلى التيار الديني: الطعن والتجريح، فيمن يخالف وجهتهم، أو مذهبهم في الاعتقاد أو الفقه أو السلوك.

فتجد بعض المنتمين إلى مذهب يطعنون في المذهب الآخر وإمامه.

ومن ينتمون إلى الحديث أو السلف يطعنون في الفقهاء كالأئمة الأربعة وكبار أتباعهم ممن لا يشك أحد في علمهم واجتهادهم ودينهم وورعهم.

أو يطعنون في كبار الصوفية الذين أثنى عليهم الربانيون والعلماء المحققون من خيار الأمة، وربما طعنوا في الصوفية جميعا.

وكذلك قد يطعنون في كبار علماء الأشاعرة ويجرحونهم تجريحا منكرا، وهم من لهم منزلة وفضلا في الذب عن هذا الدين، وعن الكتاب والسُّنَّة.

وانظر إلى موقف الإمام ابن القيم من شيخ الإسلام الهروي الأنصاري صاحب كتاب (منازل السائرين إلى مقامات"إياك نعبد وإياك نستعين") الذي شرحه ابن القيم بكتابه (مدارج السالكين) فكثيرا ما خالف الشارح (صاحب المدارج) المؤلف (صاحب المنازل) وبين خطأه فيما ذهب إليه، وذلك حين لا يجد أي مجال لتأويل كلامه وحمله على أحسن الوجوه الممكنة، ومع ذلك يلتمس له العذر بعد العذر، ويثني عليه وعلى علمه وفضله ومنزلته.

خذ مثلا لذلك ما قاله الهروي في حقائق التوبة، حيث جعل منها (طلب أعذار الخليقة) على نحو ما يقوله كثير من الصوفية أن من نظر إلى الخلق بعين الحقيقة عذرهم، على حين أن من نظر إليهم بعين الشريعة لامهم.

وقد بين ابن القيم أنه لا وجه لعذر العصاة بالقدر، وليس عذرهم من التوبة في شيء، فلا هم معذورون، ولا طلب عذرهم من حقائق التوبة.

قال: لا سيما أنه يدخل في هذا عذر عباد الأصنام والأوثان، وقتلة الأنبياء وفرعون وهامان، ونمرود بن كنعان، وأبي جهل وأصحابه، وكل كافر وظالم، ومتعد حدود الله، ومنتهك محارم الله، فإنهم كلهم تحت القدر، وهم من الخليقة أفيكون عذر هؤلاء من حقيقة التوبة؟

ثم يقول ابن القيم: ولا توجب هذه الزلة من شيخ الإسلام إهدار محاسنه وإساءة الظن به، فمحله من العلم والإمامة والمعرفة والتقدم في طريق السلوك المحل الذي لا يجهل. وكل أحد فمأخوذ من قوله ومترك إلا المعصوم، صلوات الله وسلامه عليه. والكامل من عد خطؤه. ولا سيما في مثل هذا المجال الضنك، والمعترك الصعب، الذي زلت فيه أقدام. وضلت فيه أفهام. وافترقت بالسالكين فيه الطرقات، وأشرفوا ـ إلا أقلهم ـ على أودية الهلكات.

ومن الخطأ الذي يقع فيه بعض المتدينين: أنهم لا يسمحون للشخص الذي يثقون بمنزلته في العلم أو في الدين، بأي زلة تزلها قدمه في الفكر أو في السلوك، وتراهم بمنزلة واحدة يهدمون جهاد إنسان وجهوده طوال عمره، ويهيلون التراب على تاريخه كله.

المبخث الثالث

البعد عن المراء واللدد في الخصومة:

وعامل آخر يقرب بين أصحاب الرأي المختلف، وهو: البعد عن المراء المذموم واللدد في الخصومة.

فالإسلام ـ وإن أمر بالجدال بالتي هي أحسن ـ ذم المراء، الذي يراد منه الغلبة على الخصم بأي طريق، دون التزام بمنطق ولا خضوع لميزان بين الطرفين.

وهذا ما ذم الله به الممارين من أهل الشرك والكفر، بمثل قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ(8) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (9) [الحج/8-9] ).

ومن هنا جاء في الحديث ذم المراء، والترغيب في البعد عنه.

فعَن أَبِى أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِى رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَن تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا وَبِبَيْتٍ فِى وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَن تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا وَبِبَيْتٍ فِى أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَن حَسَّنَ خُلُقَهُ » [15] .

وعَن أَبِى أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلاَّ أُوتُوا الْجَدَلَ » . ثُمَّ تَلاَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - هَذِهِ الآيَةَ {وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَل هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} (58) سورة الزخرف [16] .

وهذا أمر ملاحظ: أن القوم إذا حرموا التوفيق، تركوا العمل، وغرقوا في الجدل، وبخاصة أن هذا موافق لطبيعة الإنسان التي لم يهذبها الإيمان {ووَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} (54) سورة الكهف.

ونحن نشاهد على الساحة الإسلامية أناسا لا هم لهم إلا الجدل في كل شيء وليس لديهم أدنى استعداد لأن يعدلوا عن أي رأي من آرائهم، وإنما يريدون للآخرين أن يتبعوهم فيما يقولون. فهم على حق دائما، وغيرهم على باطل أبدا. منهم من يجادل في كلمات أعطاها اصطلاحا خاصا، خالفه فيه غيره، ويريد أن يلزم الآخرين برأيه، مع أن علماءنا قالوا: لا مشاحة في الاصطلاح.

ومنهم من يذم التعصب للمذاهب، وهو يقيم مذهبا جديدا، يقاتل الآخرين عليه!

ومن يحرم التقليد ويطلب من الناس أن يقلدوه! أو يمنع تقليد القدامى وهو يقلد بعض المعاصرين!

المبحث الرابع

الحوار بالتي هي أحسن:

ومن الدعائم الأساسية في أدب الاختلاف: الحوار بالحسنى، وإذا استخدمنا التعبير القرآني قلنا: الجدال بالتي هي أحسن، وهو ما أمر الله تعالى به في كتابه حين قال: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (125) سورة النحل.

وهنا نجد تفرقة في التعبير بين المطلوب في الموعظة والمطلوب في الجدال. ففي الموعظة اكتفى بأن تكون حسنة، أما في الجدال فلم يرض إلا أن يكون بالتي هي أحسن، بمعنى أنه إذا كان هناك أسلوبان، أو طريقتان إحداهما حسنة، والأخرى أحسن منها وأفضل، فالمأمور به أن نتبع التي هي أحسن.

وسر ذلك: أن الموعظة ترجع ـ عادة ـ إلى الموافقين الملتزمين بالمبدأ والفكرة، فهم لا يحتاجون إلا إلى موعظة تذكرهم، وترقق قلوبهم وتجلو صدأهم، وتقوي عزائمهم، على حين يوجه الجدال ـ عادة ـ إلى المخالفين، الذين قد يدفع الخلاف معهم إلى شيء من القسوة في التعبير، أو الخشونة في التعامل، أو العنف في الجدل، فكان من الحكمة أن يطلب القرآن اتخاذ أحسن الطرائق وأمثلها للجدال أو الحوار، حتى يؤتي أكله.

ومن هذه الطرائق أو الأساليب أن يختار المجادل أرق التعبيرات وألطفها في مخاطبة الطرف الآخر.

إن بعض المتحاورين في مسائل العلم والدين، يخيل إليك أنهم يتقاتلون لا أنهم يتجادلون، وإن الذي في إيمانهم ليس قلما يقطر مدادا أسود بل سيفا يقطر دما أحمر.

(1) - بدائع الصنائع 2 / 137 - 138 والهداية وشرحها 2 / 183 ولم يذكرا غير هذه الرواية في اليوم الأول من أيام التشريق ، وقارن بشرح اللباب ص 158 - 159 ورد المحتار 2 / 253 - 254 ، وانظر الشرح الكبير 2 / 48 و50 ، وشرح الرسالة 1 / 480 ، والإيضاح ص 405 ، ونهاية المحتاج 2 / 433 ، ومغني المحتاج 1 / 507 ، والمغني 3 / 452 ، والفروع 3 / 518 .

(2) - الهداية وشرحها 2 / 184 ، والبدائع 2 / 137 - 138 ، وشرح اللباب ص 158 - 161 وفيه وفي التعليق عليه تحقيق مطول حول هذه الرواية ، وانظر النقل عن بعض الحنابلة في الفروع 3 / 518 .

(3) - المراجع السابقة في الفقه الحنفي .

(4) - الفروع 3 / 518 - 520 .

(5) - صحيح البخارى برقم (1746 )

(6) -صحيح البخارى برقم (1746 )

ومسلم برقم (3201 ) عَنْ جَابِرٍ قَالَ رَمَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى وَأَمَّا بَعْدُ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ.

(7) - الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 23 / ص 158) وقال في البحر العميق:"فهو قول مختار يعمل به بلا ريب ، وعليه عمل الناس ، وبه جزم بعض الشافعية حتى زعم الأسنوي أنه المذهب". كذا في إرشاد الساري إلى مناسك الملا علي قاري ص 161 .

(8) - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع - (ج 4 / ص 427)

(9) - وفي فتاوى الشبكة الإسلامية - (ج 6 / ص 384) : مذاهب العلماء في رمي الجمرات قبل الزوال رقم الفتوى:15820 و (ج 23 / ص 27) رقم الفتوى:34536 و (ج 39 / ص 382)

(10) - وانظر المحيط البرهاني للإمام برهان الدين ابن مازة - (ج 2 / ص 707) وتحفة المحتاج في شرح المنهاج - (ج 15 / ص 356) والإنصاف - (ج 6 / ص 412)

(11) - الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم - (ج 1 / ص 126)

(12) - مجلة مجمع الفقه الإسلامي - (ج 2 / ص 21886)

(13) - صحيح البخارى (5143)

(14) - إعلام الموقعين - (ج 3 / ص 88)

(15) - سنن أبى داود (4802 ) صحيح لغيره -الربض: حوالى الجنة وأطرافها

(16) - سنن الترمذى (3562 ) قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت