وَذَكَرَ الشَّاطِبِيُّ أَنَّ الْخِلاَفَ النَّاشِئَ عَنِ الْهَوَى هُوَ الْخِلاَفُ حَقِيقَةً [1] . وَإِذَا دَخَل الْهَوَى أَدَّى إِلَى اتِّبَاعِ الْمُتَشَابِهِ حِرْصًا عَلَى الْغَلَبَةِ وَالظُّهُورِ بِإِقَامَةِ الْعُذْرِ فِي الْخِلاَفِ ، وَأَدَّى إِلَى الْفُرْقَةِ وَالْبَغْضَاءِ ، لاِخْتِلاَفِ الأَْهْوَاءِ وَعَدَمِ اتِّفَاقِهَا . فَأَقْوَال أَهْل الأَْهْوَاءِ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهَا فِي الْخِلاَفِ الْمُقَرَّرِ فِي الشَّرْعِ وَإِنَّمَا يَذْكُرُهَا بَعْضُ النَّاسِ لِيَرُدُّوا عَلَيْهَا وَيُبَيِّنُوا فَسَادَهَا ، كَمَا فَعَلُوا بِأَقْوَال الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لِيُوَضِّحُوا مَا فِيهَا [2] .
أَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي وَهُوَ الاِخْتِلاَفُ النَّاشِئُ عَن الاِجْتِهَادِ الْمَأْذُونِ فِيهِ فَلَهُ أَسْبَابٌ مُخْتَلِفَةٌ ، يَتَعَرَّضُ لَهَا الأُْصُولِيُّونَ لِمَامًا . وَقَدْ أَفْرَدَهَا بِالتَّأْلِيفِ قَدِيمًا وَحَاوَل الْوُصُول إِلَى حَصْرٍ لَهَا ابْنُ السَّيِّدِ الْبَطْلَيُوسِيُّ فِي كِتَابِهِ"الإِْنْصَافِ فِي أَسْبَابِ الْخِلاَفِ"وَابْنُ رُشْدٍ فِي مُقَدِّمَةِ"بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ"وَابْنُ حَزْمٍ فِي"الإِْحْكَامِ"وَالدَّهْلَوِيُّ فِي"الإِْنْصَافِ"وَغَيْرُهُمْ . وَيَرْجِعُ الاِخْتِلاَفُ إِمَّا إِلَى الدَّلِيل نَفْسِهِ ، وَإِمَّا إِلَى الْقَوَاعِدِ الأُْصُولِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ .
مِمَّا ذَكَرَهُ ابْنُ السَّيِّدِ مِن ذَلِكَ:
1 -الإِْجْمَال فِي الأَْلْفَاظِ وَاحْتِمَالُهَا لِلتَّأْوِيلاَتِ .
2 -دَوَرَانُ الدَّلِيل بَيْنَ الاِسْتِقْلاَل بِالْحُكْمِ وَعَدَمِهِ .
3 -دَوَرَانُهُ بَيْنَ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ ، نَحْوُ قوله تعالى: { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ..} (256) سورة البقرة، اخْتُلِفَ فِيهِ هَل هُوَ عَامٌّ أَوْ خَاصٌّ بِأَهْل الْكِتَابِ الَّذِينَ قَبِلُوا الْجِزْيَةَ .
4 -اخْتِلاَفُ الْقِرَاءَاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ، وَاخْتِلاَفُ الرِّوَايَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ .
5 -دَعْوَى النَّسْخِ وَعَدَمِهِ [4] .
6 -عَدَمُ اطِّلاَعِ الْفَقِيهِ عَلَى الْحَدِيثِ الْوَارِدِ أَوْ نِسْيَانِهِ لَهُ .
12-أَسْبَابُ الْخِلاَفِ الرَّاجِعِ إِلَى الْقَوَاعِدِ الأُْصُولِيَّةِ:
مِنَ الْعُسْرِ بِمَكَانٍ حَصْرُ الأَْسْبَابِ الَّتِي مِن هَذَا النَّوْعِ ، فَكُل قَاعِدَةٍ أُصُولِيَّةٍ مُخْتَلَفٌ فِيهَا يَنْشَأُ عَنهَا اخْتِلاَفٌ فِي الْفُرُوعِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَيْهَا .
الإِْنْكَارُ وَالْمُرَاعَاةُ فِي الْمَسَائِل الْخِلاَفِيَّةِ:
أَوَّلًا: الإِْنْكَارُ فِي الْمَسَائِل الْخِلاَفِيَّةِ:
ذَكَرَ السُّيُوطِيُّ فِي الأَْشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ قَاعِدَةَ:"لاَ يُنْكَرُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ وَلَكِنْ يُنْكَرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ". وَقَال إِنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنهَا صُوَرٌ يُنْكَرُ فِيهَا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ: إِحْدَاهَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَذْهَبُ بَعِيدَ الْمَأْخَذِ . وَمِن ثَمَّ وَجَبَ الْحَدُّ عَلَى الْمُرْتَهِنِ بِوَطْءِ الأَْمَةِ الْمَرْهُونَةِ وَلَمْ يُنْظَرْ لِلْخِلاَفِ الشَّاذِّ فِي ذَلِكَ .
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَرَافَعَ فِيهِ لِحَاكِمٍ ، فَيَحْكُمَ بِعَقِيدَتِهِ . إِذْ لاَ يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِخِلاَفِ مُعْتَقَدِهِ .
الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ لِلْمُنْكِرِ فِيهِ حَقٌّ ، كَالزَّوْجِ الْمُسْلِمِ يَمْنَعُ زَوْجَتَهُ الذِّمِّيَّةَ مِن شُرْبِ الْخَمْرِ بِالرَّغْمِ مِن وُجُودِ خِلاَفٍ فِي حَقِّهِ بِمَنعِهَا وَعَدَمِهِ [5] .
وَذَكَرَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَنَّ لِلْمُجْتَهِدِ أَنْ يَعْتَقِدَ فِي الأُْمُورِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا بَيْنَ الْحِل وَالتَّحْرِيمِ أَنَّ مُخَالِفَهُ قَدِ ارْتَكَبَ ( الْحَرَامَ ) فِي نَحْوِ حديث: « لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ » [6] . وَلَكِنْ لاَ يَلْحَقُهُ الْوَعِيدُ وَاللَّعْنُ إِنْ كَانَ قَدِ اجْتَهَدَ الاِجْتِهَادَ الْمَأْذُونَ فِيهِ . بَل هُوَ مَعْذُورٌ مُثَابٌ عَلَى اجْتِهَادِهِ .وَكَذَلِكَ مَن قَلَّدَهُ التَّقْلِيدَ السَّائِغَ [7] .
ثَانِيًا: مُرَاعَاةُ الْخِلاَفِ [8] :
يُرَادُ بِمُرَاعَاةِ الْخِلاَفِ أَنَّ مَن يَعْتَقِدُ جَوَازَ الشَّيْءِ يَتْرُكُ فِعْلَهُ إِنْ كَانَ غَيْرُهُ يَعْتَقِدُهُ حَرَامًا . كَذَلِكَ فِي جَانِبِ الْوُجُوبِ يُسْتَحَبُّ لِمَن رَأَى إِبَاحَةَ الشَّيْءِ أَنْ يَفْعَلَهُ إِنْ كَانَ مِنَ الأَْئِمَّةِ مَن يَرَى وُجُوبَهُ . كَمَن يَعْتَقِدُ عَدَمَ وُجُوبِ الْوِتْرِ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى عَدَمِ تَرْكِهِ ، خُرُوجًا مِن خِلاَفِ مَن أَوْجَبَهُ . وَلاَ يَتَأَتَّى مِمَّنِ اعْتَقَدَ الْوُجُوبَ مُرَاعَاةُ قَوْل مَن يَرَى التَّحْرِيمَ ، وَلاَ مِمَّنِ اعْتَقَدَ التَّحْرِيمَ مُرَاعَاةُ قَوْل مَن يَرَى الْوُجُوبَ .
حُكْمُ مُرَاعَاةِ الْخِلاَفِ [9] :
ذَكَرَ السُّيُوطِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْخُرُوجَ مِنَ الْخِلاَفِ مُسْتَحَبٌّ .
قلت:"إن الخروج من الخلاف بالأخذ بالأحوط في الأحكام الشرعية مستحب، ويكون الخروج من الخلاف بفعل ما اختلف في وجوبه، وترك ما اختلف في تحريمه ، وذلك اتقاء للشبهة لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ: « إِنَّ الْحَلاَلَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَن وَقَعَ فِى الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِى الْحَرَامِ كَالرَّاعِى يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلاَ وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ أَلاَ وَإِنَّ فِى الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلاَ وَهِىَ الْقَلْبُ » [10] . وعَن عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « الْحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ، فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِيِنِهِ وَعِرْضِهِ ، وَمَن وَقَعَ فِى الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى ، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ . أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى ، أَلاَ إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِى أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ ، أَلاَ وَإِنَّ فِى الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ . أَلاَ وَهِىَ الْقَلْبُ » [11] "
فلا شك أن صلاة اتفق الأئمة على صحتها أولى من صلاة قال الجمهور ببطلانها، فتجديد صاحب السلس للوضوء عند كل صلاة مستحب عند المالكية كما قال صاحب الرسالة، وهو واجب عند غيرهم إلا في حال الجمع فالأولى الخروج من الخلاف بالأخذ بالأحوط في هذا وهو تجديد الوضوء" [12] ."
شُرُوطُ الْخُرُوجِ مِن الْخِلاَفِ:
قَال السُّيُوطِيُّ: لِمُرَاعَاةِ الْخِلاَفِ شُرُوطٌ:
أَحَدُهَا: أَنْ لاَ تُوقِعَ مُرَاعَاتُهُ فِي خِلاَفٍ آخَرَ .
الثَّانِي: أَنْ لاَ يُخَالِفَ سُنَّةً ثَابِتَةً وَمِن ثَمَّ سُنَّ رَفْعُ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلاَةِ [13] . وَلَمْ يُبَال بِقَوْل مَن قَال بِإِبْطَالِهِ الصَّلاَةَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ ؛ لأَِنَّهُ ثَابِتٌ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِن رِوَايَةِ خَمْسِينَ صَحَابِيًّا .
الثَّالِثُ: أَنْ يَقْوَى مُدْرَكُهُ - أَيْ دَلِيلُهُ - بِحَيْثُ لاَ يُعَدُّ هَفْوَةً . وَمِن ثَمَّ كَانَ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ أَفْضَل لِمَن قَوِيَ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يُبَال بِقَوْل دَاوُدَ: إِنَّهُ لاَ يَصِحُّ [14] .
وَقَال ابْنُ حَجَرٍ فِي هَذَا الشَّرْطِ الثَّالِثِ: أَنْ يَقْوَى مُدْرَكُهُ بِأَنْ يَقِفَ الذِّهْنُ عِنْدَهُ ، لاَ بِأَنْ تَنْهَضَ حُجَّتُهُ [15] .
أَمْثِلَةٌ عَلَى الْخُرُوجِ مِنَ الْخِلاَفِ:
جَمَعَ السُّيُوطِيُّ لِذَلِكَ أَمْثِلَةً مِن فِقْهِ الشَّافِعِيَّةِ مِنهَا [16] :
1 -أَمْثِلَةٌ عَلَى الْخُرُوجِ مِن خِلاَفِ مَن يَقُول بِالْوُجُوبِ: اسْتِحْبَابُ الدَّلْكِ فِي الطَّهَارَةِ ، وَاسْتِيعَابُ الرَّأْسِ بِالْمَسْحِ ، وَالتَّرْتِيبُ فِي قَضَاءِ الْفَوَائِتِ ، وَتَرْكُ الأَْدَاءِ خَلْفَ مَن يُصَلِّي الْقَضَاءَ ، وَتَرْكُ الْقَصْرِ فِيمَا دُونَ ثَلاَثِ مَرَاحِل ، وَتَرْكُ الْجَمْعِ ، وَقَطْعُ الْمُتَيَمِّمِ الصَّلاَةَ إِذَا رَأَى الْمَاءَ .
2 -أَمْثِلَةٌ عَلَى الْخُرُوجِ مِن خِلاَفِ مَن يَقُول بِالتَّحْرِيمِ: كَرَاهَةُ الْحِيَل فِي بَابِ الرِّبَا ، وَكَرَاهَةُ نِكَاحِ الْمُحَلِّل ، وَكَرَاهَةُ مُفَارَقَةِ الإِْمَامِ بِلاَ عُذْرٍ ، وَكَرَاهَةُ صَلاَةِ الْمُنْفَرِدِ خَلْفَ الصَّفِّ . [17]
وَذَكَرَ ابْنُ عَابِدِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَمْثِلَةً مِنهَا: نَدْبُ الْوُضُوءِ لِلْخُرُوجِ مِن خِلاَفِ الْعُلَمَاءِ ، كَمَا فِي مَسِّ الذَّكَرِ أَوِ الْمَرْأَةِ . [18]
وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمُغْنِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ: اسْتِحْبَابَ السُّجُودِ عَلَى الأَْنْفِ خُرُوجًا مِن خِلاَفِ مَن أَوْجَبَهُ . [19]
وَذَكَرَ الشَّيْخُ عُلَيْشٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُ لاَ تُكْرَهُ الْبَسْمَلَةُ فِي الْفَرْضِ إِذَا قَصَدَ بِهَا الْخُرُوجَ مِن خِلاَفِ مَن أَوْجَبَهَا [20] .
مُرَاعَاةُ الْخِلاَفِ فِيمَا بَعْدَ وُقُوعِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ:
ذَكَرَ الشَّاطِبِيُّ نَوْعًا آخَرَ مِن مُرَاعَاةِ الْخِلاَفِ [21] . وَذَلِكَ فِيمَا لَوِ ارْتَكَبَ الْمُكَلَّفُ فِعْلًا مُخْتَلَفًا فِي تَحْرِيمِهِ وَجَوَازِهِ ، فَقَدْ يَنْظُرُ الْمُجْتَهِدُ الَّذِي يَرَى تَحْرِيمَ هَذَا الْفِعْل ، فَيُجِيزُ مَا وَقَعَ مِنَ الْفَسَادِ"عَلَى وَجْهٍ يَلِيقُ بِالْعَدْل ، نَظَرًا إِلَى أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْل وَافَقَ فِيهِ الْمُكَلَّفُ دَلِيلًا عَلَى الْجُمْلَةِ ، وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا ، فَهُوَ رَاجِحٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِبْقَاءِ الْحَالَةِ عَلَى مَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ أَوْلَى مِن إِزَالَتِهَا ، مَعَ دُخُول ضَرَرٍ عَلَى الْفَاعِل أَشَدَّ مِن مُقْتَضَى النَّهْيِ". وَضَرَبَ مَثَلًا لِذَلِكَ بِالنِّكَاحِ بِلاَ وَلِيٍّ [22] . فَفِي الْحَدِيثِ « أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ » . ثَلاَثَ مَرَّاتٍ « فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَالْمَهْرُ لَهَا بِمَا أَصَابَ مِنهَا فَإِنْ تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِىُّ مَن لاَ وَلِىَّ لَهُ » [23] ، فَلَوْ تَزَوَّجَ رَجُلٌ امْرَأَةً بِلاَ وَلِيٍّ ، فَإِنَّ هَذَا النِّكَاحَ يَثْبُتُ بِهِ الْمِيرَاثُ ، وَيَثْبُتُ بِهِ نَسَبُ الأَْوْلاَدِ ، وَلاَ يُعَامَل مُعَامَلَةَ الزِّنَا لِثُبُوتِ الْخِلاَفِ فِيهِ ، وَثُبُوتُ الْمِيرَاثِ وَالنَّسَبِ تَصْحِيحٌ لِلْمَنهِيِّ عَنهُ مِن وَجْهٍ ،"وَإِجْرَاؤُهُمُ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ مَجْرَى الصَّحِيحِ فِي هَذِهِ الأَْحْكَامِ [24] ، وَفِي حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى الْحُكْمِ بِصِحَّتِهِ عَلَى الْجُمْلَةِ ، وَإِلاَّ لَكَانَ فِي حُكْمِ الزِّنَا . وَلَيْسَ فِي حُكْمِهِ بِالاِتِّفَاقِ". وَقَدْ وَجَّهَهُ بِأَنَّ"الْعَامِل بِالْجَهْل مُخْطِئًا لَهُ نَظَرَانِ: نَظَرٌ مِن جِهَةِ مُخَالَفَتِهِ لِلأَْمْرِ وَالنَّهْيِ . وَهَذَا يَقْتَضِي الإِْبْطَال ، وَنَظَرٌ مِن جِهَةِ قَصْدِهِ الْمُوَافَقَةَ فِي الْجُمْلَةِ ؛ لأَِنَّهُ دَاخِلٌ مَدَاخِل أَهْل الإِْسْلاَمِ ، وَمَحْكُومٌ لَهُ بِأَحْكَامِهِمْ ، وَخَطَؤُهُ أَوْ جَهْلُهُ لاَ يَجْنِي عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ بِهِ عَن حُكْمِ أَهْل الإِْسْلاَمِ ، بَل يُتَلاَفَى لَهُ حُكْمٌ يُصَحِّحُ مَا أَفْسَدَهُ بِجَهْلِهِ أَوْ خَطَئِهِ . . . إِلاَّ أَنْ يَتَرَجَّحَ جَانِبُ الإِْبْطَال بِالأَْمْرِ الْوَاضِحِ". [25]
13-الْعَمَل فِي الْمَسَائِل الْخِلاَفِيَّةِ [26] :
الْمُقَلِّدُ بَيْنَ التَّخَيُّرِ وَالتَّحَرِّي:
ذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْعَامِّيَّ إِذَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ فَتْوَى عُلَمَاءِ عَصْرِهِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ يَأْخُذُ بِأَيِّهَا شَاءَ قَال الشَّوْكَانِيُّ: وَاسْتَدَلُّوا بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى عَدَمِ إِنْكَارِ الْعَمَل بِقَوْل الْمَفْضُول مَعَ وُجُودِ الأَْفْضَل [27] .
وَقِيل: لَيْسَ هُوَ عَلَى التَّخْيِيرِ ، بَل لاَ بُدَّ مِن مُرَجِّحٍ . وَبِهِ قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ وَكَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ . ثُمَّ قَدْ قِيل: يَأْخُذُ بِالأَْغْلَظِ ، وَقِيل: بِالأَْخَفِّ ، وَقِيل: بِقَوْل الأَْعْلَمِ . [28]
وَقَال الْغَزَالِيُّ: يَأْخُذُ بِقَوْل أَفْضَلِهِمْ عِنْدَهُ وَأَغْلَبِهِمْ صَوَابًا فِي قَلْبِهِ . [29]
وَقَدْ أَيَّدَ الشَّاطِبِيُّ الْقَوْل الثَّانِيَ مِن أَنَّ الْمُقَلِّدَ لَيْسَ عَلَى التَّخْيِيرِ . قَال: لَيْسَ لِلْمُقَلِّدِ أَنْ يَتَخَيَّرَ فِي الْخِلاَفِ ؛ لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنَ الْمُفْتِينَ مُتَّبِعٌ لِدَلِيلٍ عِنْدَهُ يَقْتَضِي ضِدَّ مَا يَقْتَضِيهِ دَلِيل صَاحِبِهِ . فَهُمَا صَاحِبَا دَلِيلَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ . فَاتِّبَاعُ أَحَدِهِمَا بِالْهَوَى اتِّبَاعٌ لِلْهَوَى . فَلَيْسَ إِلاَّ التَّرْجِيحُ بِالأَْعْلَمِيَّةِ وَنَحْوِهَا . فَكَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ التَّرْجِيحُ ، أَوِ التَّوَقُّفُ ، فَكَذَلِكَ الْمُقَلِّدُ . وَأَيْضًا فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى تَتَبُّعِ رُخَصِ الْمَذَاهِبِ مِن غَيْرِ اسْتِنَادٍ إِلَى دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ . [30]
مَا يَصْنَعُ الْقَاضِي وَالْمُفْتِي فِي الْمَسَائِل الْخِلاَفِيَّةِ:
يَجِبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي مُجْتَهِدًا . وَقَدْ صَرَّحَ صَاحِبُ الْمُغْنِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْقَاضِيَ لاَ يَحْكُمُ بِتَقْلِيدِ غَيْرِهِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَظَهَرَ لَهُ الْحَقُّ فَخَالَفَهُ فِيهِ غَيْرُهُ ، أَمْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ شَيْءٌ ، وَسَوَاءٌ أَضَاقَ الْوَقْتُ أَمْ لَمْ يَضِقْ . وَكَذَلِكَ لَيْسَ لِلْمُفْتِي الْفُتْيَا بِالتَّقْلِيدِ [31] .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِنْ تَعَذَّرَ هَذَا الشَّرْطُ فَوَلَّى سُلْطَانٌ أَوْ مَن لَهُ شَوْكَةٌ مُقَلِّدًا نَفَذَ قَضَاؤُهُ لِلضَّرُورَةِ . [32]
وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ جَوَازُ كَوْنِ الْقَاضِي مُقَلِّدًا . [33] وَالاِجْتِهَادُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ شَرْطُ أَوْلَوِيَّةٍ فَقَطْ . [34]
فَعَلَى قَوْل مَنِ اشْتَرَطَ الاِجْتِهَادَ ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ فِي الْمَسَائِل الْمُخْتَلَفِ فِيهَا مِمَّا لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ وَلاَ إِجْمَاعٌ لاَ يَحْكُمُ إِلاَّ بِمَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ حَسَبَ أُصُول الاِجْتِهَادِ .
وَعَلَى قَوْل مَن يُجِيزُ كَوْنَ الْقَاضِي مُقَلِّدًا ، ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَحْكُمُ الْمُقَلِّدُ بِقَوْل مُقَلِّدِهِ أَيْ بِالرَّاجِحِ مِن مَذْهَبِهِ سَوَاءٌ أَكَانَ قَوْلَهُ - يَعْنِي إِمَامَ الْمَذْهَبِ - أَمْ قَوْل أَصْحَابِهِ ، لاَ بِالضَّعِيفِ ، وَلاَ بِقَوْل غَيْرِهِ مِنَ الْمَذَاهِبِ ، وَإِلاَّ نُقِضَ حُكْمُهُ ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ لِلضَّعِيفِ مُدْرَكٌ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ وَكَانَ مِن أَهْل التَّرْجِيحِ ، وَكَذَلِكَ الْمُفْتِي . وَيَجُوزُ لِلإِْنْسَانِ أَنْ يَعْمَل بِالضَّعِيفِ لأَِمْرٍ اقْتَضَى ذَلِكَ عِنْدَهُ ، وَقِيل: بَل يُقَلِّدُ قَوْل الْغَيْرِ إِذَا كَانَ رَاجِحًا فِي مَذْهَبِ ذَلِكَ الْغَيْرِ [35] ، قَال الصَّاوِيُّ: وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ لِجَوَازِ التَّقْلِيدِ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ [36] .
(1) - يعني أنه لا يرجع الوفاق كالخلاف الناشئ من نظر المجتهدين من أهل الحق في الأدلة ، إذ أنهم يلتزمون بمقتضى الدليل كما تقدم .
(2) - الموافقات 4 / 222 - 224
(3) - الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 2 / ص 297) و الموافقات في أصول الشريعة - (ج 3 / ص 146)
(4) - الموافقات 4 / 213
(5) - المنثور في القواعد - (ج 4 / ص 67) والأشباه والنظائر - (ج 1 / ص 285) و فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 10 / ص 3531)
(6) - سنن أبى داود (2078) صحيح
(7) - رفع الملام، ومجموع الفتاوى 19 / 278، وما بعدها .
(8) - الفقه الإسلامي وأدلته - (ج 1 / ص 84) والمنثور في القواعد - (ج 2 / ص 122) وغمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر - (ج 3 / ص 104) وحاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع - (ج 4 / ص 276) والموافقات في أصول الشريعة - (ج 1 / ص 331)
(9) - فتاوى معاصرة - (ج 1 / ص 19) وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 4 / ص 9908) الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 2 / ص 298) والأشباه والنظائر - (ج 1 / ص 246) وكتب وليد بن راشد السعيدان - (ج 2 / ص 32)
(10) - صحيح مسلم (4178 )
(11) - صحيح البخارى (52 )
(12) - فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 10 / ص 1051) رقم الفتوى 71228 مسائل فقهية متنوعة تاريخ الفتوى: 26 ذو الحجة 1426
(13) - انظر موطأ مالك برقم (165) وسنن النسائى برقم (891 ) وسنن ابن ماجه برقم (909) ومعرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني برقم (4701) وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 5 / ص 8425) ونظم المتناثر - (ج 1 / ص 85) برقم ( 67)
(14) - الأشباه والنظائر للسيوطي ط الحلبي ص 136، 137
(15) - تحفة المحتاج في شرح المنهاج - (ج 7 / ص 336)
(16) - الأشباه والنظائر - (ج 1 / ص 246)
(17) - حاشية ابن عابدين 1 / 99، 100، وتحفة المحتاج لابن حجر بحاشية الشرواني 2 / 242، والأشباه والنظائر ص 122 ط المكتبة التجارية 1359 هـ / 3 299 / 3
(18) - حاشية ابن عابدين 1 / 61
(19) - المغني 1 / 560 و و شرح زاد المستقنع - (ج 34 / ص 20)
(20) - منح الجليل 1/160
(21) - الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 2 / ص 299) والموافقات في أصول الشريعة - (ج 3 / ص 141)
(22) - مجموع الفتاوى - (ج 32 / ص 21) وفتاوى الأزهر - (ج 7 / ص 174) والفتاوى الكبرى - (ج 3 / ص 453) و (ج 8 / ص 259) و (ج 8 / ص 282) و (ج 8 / ص 344) وفتاوى السبكي - (ج 1 / ص 292) والفتاوى الفقهية الكبرى - (ج 8 / ص 359) ولقاءات الباب المفتوح - (ج 162 / ص 25) وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 4 / ص 8354) و (ج 7 / ص 641و(ج 7 / ص 776و(ج 8 / ص 1093) وفتاوى ابن الصلاح - (ج 2 / ص 311 والفقه الإسلامي وأدلته -(ج 1 / ص 90) والتشريع الجنائي في الإسلام - (ج 3 / ص 393) وفتاوى واستشارات الإسلام اليوم - (ج 11 / ص 60) والأحكام للآمدي - (ج 1 / ص 198) والإحكام في أصول الأحكام - (ج 1 / ص 175) والمنخول - (ج 1 / ص 474) والمستصفى - (ج 2 / ص 400) وقواعد الأحكام في مصالح الأنام - (ج 2 / ص 160) وإعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 3 / ص 367) والمنثور في القواعد - (ج 1 / ص 300) والأشباه والنظائر - (ج 1 / ص 186) وشرح الكوكب المنير - (ج 3 / ص 67) وتيسير التحرير - (ج 4 / ص 304) وقواطع الأدلة في الأصول / للسمعانى - (ج 1 / ص 421)
(23) - سنن أبى داود برقم ( 2085 ) وهو صحيح
(24) - الموافقات في أصول الشريعة - (ج 3 / ص 141)
(25) - الموافقات 4 / 202 - 205
(26) - الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 2 / ص 299)
(27) - الفقه الإسلامي وأدلته - (ج 1 / ص 78) والبحر المحيط - (ج 8 / ص 251) وإرشاد الفحول الي تحقيق الحق من علم الاصول - (ج 2 / ص 137)
(28) - البحر المحيط - (ج 7 / ص 400) و (ج 8 / ص 252) وشرح الكوكب المنير - (ج 3 / ص 99) والتقرير والتحبير في شرح التحرير 3 / 349 ط بولاق 1316 هـ، وإرشاد الفحول ص 271
(29) - القسطاس المستقيم ص 87 ط -بيروت
(30) - الموافقات 4 / 133، 140 - 147
(31) - شرح الوجيز - (ج 3 / ص 230) وحاشية البجيرمي على الخطيب - (ج 4 / ص 134) والمغني - (ج 22 / ص 475)
(32) - فتاوى الرملي - (ج 5 / ص 355) والفقه الإسلامي وأدلته - (ج 8 / ص 83) وأسنى المطالب - (ج 22 / ص 87) وروضة الطالبين وعمدة المفتين - (ج 4 / ص 114) وحاشيتا قليوبي - وعميرة - (ج 16 / ص 419) والمنهاج للنووي - (ج 1 / ص 483) وتحفة المحتاج في شرح المنهاج - (ج 42 / ص 471) ومغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج - (ج 19 / ص 69) ونهاية المحتاج إلى شرح المنهاج - (ج 28 / ص 76) وحاشية البجيرمي على الخطيب - (ج 13 / ص 408) وحاشية البجيرمي على المنهج - (ج 16 / ص 280) والمنثور في القواعد - (ج 2 / ص 383)
(33) - الشرح الصغير وحاشية الصاوي ط دار المعارف بمصر 4 / 188 - 199
(34) - الهداية وفتح القدير 6/359
(35) - الشرح الكبير للشيخ الدردير - (ج 4 / ص 130) و مختصر خليل - (ج 1 / ص 230) والتاج والإكليل لمختصر خليل - (ج 10 / ص 490) ومواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل - (ج 17 / ص 27) وشرح مختصر خليل للخرشي - (ج 21 / ص 212) وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير - (ج 16 / ص 484) ومنح الجليل شرح مختصر خليل - (ج 17 / ص 288)
(36) - حاشية الصاوي على الشرح الصغير - (ج 9 / ص 297و298)