فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 60

وَأَمَّا الْقَدْرُ الَّذِي تَنَازَعُوا فِيهِ فَلَا يُقَالُ: إنَّ اللَّهَ أَمَرَ كُلًّا مِنهُمْ بَاطِنًا وَظَاهِرًا بِالتَّمَسُّكِ بِهَا هُوَ عَلَيْهِ كَمَا أُمِرَ بِذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ وَإِنْ كَانَ هَذَا قَوْلَ طَائِفَةٍ مِن أَهْلِ الْكَلَامِ فَإِنَّمَا يُقَالُ: إنَّ اللَّهَ أَمَرَ كُلًّا مِنهُمْ أَنْ يَطْلُبَ الْحَقَّ بِقَدْرِ وُسْعِهِ وَإِمْكَانِهِ فَإِنْ أَصَابَهُ وَإِلَّا فَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا، وَقَدْ قَالَ الْمُؤْمِنُونَ: { رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} (286) سورة البقرة وَقَالَ اللَّهُ: قَدْ فَعَلْت [1] ،وَقَالَ تَعَالَى: { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ } (5) سورة الأحزاب، فَمَن ذَمَّهُمْ وَلَامَهُمْ عَلَى مَا لَمْ يُؤَاخِذْهُمْ اللَّهُ عَلَيْهِ فَقَدِ اعْتَدَى وَمَن أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ أَقْوَالَهُمْ وَأَفْعَالَهُمْ بِمَنزِلَةِ قَوْلِ الْمَعْصُومِ وَفِعْلِهِ وَيَنْتَصِرُ لَهَا بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ فَقَدْ اعْتَدَى وَاتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِن اللَّهِ وَمَن فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ بِحَسَبِ حَالِهِ: مِن اجْتِهَادٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَوْ تَقْلِيدٍ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الِاجْتِهَادِ ؛ وَسَلَكَ فِي تَقْلِيدِهِ مَسْلَكَ الْعَدْلِ فَهُوَ مُقْتَصِدٌ . إذْ الْأَمْرُ مَشْرُوطٌ بِالْقُدْرَةِ {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } (286) سورة البقرة، فَعَلَى الْمُسْلِمِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ أَنْ يُسَلِّمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ،وَيَدُومَ عَلَى هَذَا الْإِسْلَامِ فَإِسْلَامُ وَجْهِهِ إخْلَاصُهُ لِلَّهِ وَإِحْسَانُ فِعْلِهِ الْحَسَنِ . فَتَدَبَّرْ هَذَا فَإِنَّهُ أَصْلٌ جَامِعٌ نَافِعٌ عَظِيمٌ"." [2]

14-الصَّلاَةُ خَلْفَ الْمُخَالِفِ فِي أَحْكَامِهَا[3]:

وَرَدَ عَنِ الأَْئِمَّةِ مَا يَدُل عَلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ يَأْتَمُّ بِمَن يُخَالِفُ اجْتِهَادَهُ فِي أَحْكَامِ الصَّلاَةِ ، وَلَوْ كَانَ يَرَى أَنَّ مِثْل ذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلصَّلاَةِ ، أَوْ غَيْرُهُ أَوْلَى مِنهُ . لأَِنَّهُ لَمَّا كَانَ الإِْمَامُ مُجْتَهِدًا اجْتِهَادًا سَائِغًا ، أَوْ مُقَلِّدًا تَقْلِيدًا سَائِغًا ، فَإِنَّ الاِنْفِرَادَ عَنهُ نَوْعٌ مِنَ الْفُرْقَةِ ، وَاخْتِلاَفُ الظَّوَاهِرِ تُؤَدِّي إِلَى اخْتِلاَفِ الْبَوَاطِنِ . وَمِمَّا وَرَدَ مِن ذَلِكَ:

أ - كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ يَرَوْنَ الْوُضُوءَ مِن خُرُوجِ الدَّمِ . وَرَأَى أَبُو يُوسُفَ هَارُونَ الرَّشِيدَ احْتَجَمَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ- أَفْتَاهُ مَالِكٌ بِذَلِكَ - فَصَلَّى أَبُو يُوسُفَ خَلْفَهُ وَلَمْ يُعِدِ الصَّلاَةَ.

ب - الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ تَرَكَ الْقُنُوتَ فِي الصُّبْحِ لَمَّا صَلَّى مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ فِي مَسْجِدِهِمْ بِضَوَاحِي بَغْدَادَ . فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: فَعَل ذَلِكَ أَدَبًا مَعَ الإِْمَامِ ، وَقَال الشَّافِعِيَّةُ بَل تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ .

ج - كَانَ الإِْمَامُ أَحْمَدُ يَرَى الْوُضُوءَ مِنَ الْحِجَامَةِ وَالْفَصْدِ . فَسُئِل عَمَن رَأَى الإِْمَامَ قَدِ احْتَجَمَ ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ أَيُصَلِّي خَلْفَهُ ؟ فَقَال: كَيْفَ لاَ أُصَلِّي خَلَفَ مَالِكٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ؟ [4]

إِلاَّ أَنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ الْفُقَهَاءِ مَالُوا إِلَى التَّشَدُّدِ فِي ذَلِكَ . [5]

15-مُرَاعَاةُ الإِْمَامِ لِلْمُصَلِّينَ خَلْفَهُ إِنْ كَانُوا يُخَالِفُونَهُ فِي أَحْكَامِ الصَّلاَةِ:

تَقَدَّمَ ذِكْرُ مُرَاعَاةِ الْخِلاَفِ وَشُرُوطِهَا ، وَأَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ . وَمُرَاعَاةُ إِمَامِ الصَّلاَةِ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا يَعْتَقِدُهُ الْمَأْمُومُ شَرْطًا أَوْ رُكْنًا أَوْ وَاجِبًا ، وَلَوْ لَمْ يَعْتَقِدْهُ الإِْمَامُ كَذَلِكَ .

وَكَذَلِكَ فِيمَا يَعْتَقِدُهُ الْمَأْمُومُ مِن سُنَّةِ الصَّلاَةِ . وَلاَ تَتَأَتَّى الْمُرَاعَاةُ ، عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ ، فِيمَا هُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ الْمَأْمُومِ وَمَكْرُوهٌ عِنْدَ الإِْمَامِ ، كَرَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الاِنْتِقَالاَتِ ، وَجَهْرِ الْبَسْمَلَةِ . فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ لاَ يُمْكِنُ الْخُرُوجُ فِيهِ مِن عُهْدَةِ الْخِلاَفِ"فَكُلُّهُمْ يَتْبَعُ مَذْهَبَهُ" [6] ، وَلَكِنْ قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ:"وَلِذَلِكَ اسْتَحَبَّ الْأَئِمَّةُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ أَنْ يَدَعَ الْإِمَامُ مَا هُوَ عِنْدَهُ أَفْضَلُ إذَا كَانَ فِيهِ تَأْلِيفُ الْمَأْمُومِينَ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ فَصْلُ الْوِتْرِ أَفْضَلَ بِأَنْ يُسَلِّمَ فِي الشَّفْعِ ثُمَّ يُصَلِّيَ رَكْعَةَ الْوِتْرِ وَهُوَ يَؤُمُّ قَوْمًا لَا يَرَوْنَ إلَّا وَصْلَ الْوِتْرِ فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَى الْأَفْضَلِ كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ الْحَاصِلَةُ بِمُوَافَقَتِهِ لَهُمْ بِوَصْلِ الْوِتْرِ أَرْجَحَ مِن مَصْلَحَةِ فَصْلِهِ مَعَ كَرَاهَتِهِمْ لِلصَّلَاةِ خَلْفَهُ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مِمَن يَرَى الْمُخَافَتَةَ بِالْبَسْمَلَةِ أَفْضَلَ أَوْ الْجَهْرَ بِهَا وَكَانَ الْمَأْمُومُونَ عَلَى خِلَافِ رَأْيِهِ ، فَفَعَلَ الْمَفْضُولَ عِنْدَهُ لِمَصْلَحَةِ الْمُوَافَقَةِ وَالتَّأْلِيفِ الَّتِي هِيَ رَاجِحَةٌ عَلَى مَصْلَحَةِ تِلْكَ الْفَضِيلَةِ كَانَ جَائِزًا حَسَنًا . وَكَذَلِكَ لَوْ فَعَلَ خِلَافَ الْأَفْضَلِ لِأَجْلِ بَيَانِ السُّنَّةِ وَتَعْلِيمِهَا لِمَن لَمْ يَعْلَمْهَا كَانَ حَسَنًا ؛ مِثْلَ أَنْ يَجْهَرَ بِالِاسْتِفْتَاحِ أَوْ التَّعَوُّذِ أَوْ الْبَسْمَلَةِ لِيَعْرِفَ النَّاسُ أَنَّ فِعْلَ ذَلِكَ حَسَنٌ مَشْرُوعٌ" [7] .

16-الاِخْتِلاَفُ بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ [8] :

قَدْ يَتَنَازَعُ شَخْصَانِ فِي إِثْبَاتِ حَقٍّ مِنَ الْحُقُوقِ لِلَّهِ تَعَالَى ، أَوْ لأَِحَدِهِمَا قِبَل الآْخَرِ ، نَاشِئٍ عَن عَقْدٍ مِنَ الْعُقُودِ ، كَالْبَيْعِ أَوِ الإِْجَارَةِ أَوِ النِّكَاحِ ، أَوْ فِي فَسْخٍ مِنَ الْفُسُوخِ ، كَالإِْقَالَةِ وَالطَّلاَقِ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ . وَالطَّرِيقُ إِلَى رَفْعِ ذَلِكَ الاِخْتِلاَفِ الاِدِّعَاءُ بِهِ لَدَى الْقَضَاءِ لِيَفْصِل فِي شَأْنِهِ ، وَيَحْكُمَ بِأَدَاءِ الْحَقِّ لِصَاحِبِهِ ، بِالطَّرِيقَةِ الصَّحِيحَةِ شَرْعًا . وَكُل نَوْعٍ مِن أَنْوَاعِ التَّصَرُّفَاتِ تَقَعُ فِيهِ اخْتِلاَفَاتٌ تَخُصُّهُ . وَيَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ هَذِهِ الاِخْتِلاَفَاتِ ، وَطَرِيقَ الْحُكْمِ فِي كُلٍّ مِنهَا ، فِي أَثْنَاءِ عَرْضِهِمْ لِلْعَقْدِ أَوِ الْفَسْخِ ..

17-اخْتِلَافُ الْحَدِيثِ وَسَائِرِ الْأَدِلَّةِ [9] :

إِذَا اخْتَلَفَتِ الأَْدِلَّةُ وَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَهَا إِنْ أَمْكَنَ ، وَإِلاَّ يُرَجَّحُ بَيْنَهَا ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ التَّرْجِيحُ يُعْتَبَرُ الْمُتَأَخِّرُ مِنهُمَا نَاسِخًا لِلْمُتَقَدِّمِ [10] .

18-أسبابُ اختلافِ الصحابة وفقهاء المذاهب في تفسير النصوص الشرعية [11]

لا غرابة في أن يختلفَ الصحابةُ في بعض أمور الدين، لأنَّ المسائل تتجدد يومًا بعد يوم، وأفهامُ الناس تختلف طبعًا، فأمَّا ما دعت إليه الحاجة في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن الأمر فيه محسومٌ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو المبلِّغ عن الله وهو الحكم في كل الأمور، فلم يكن ثمة احتمالِ وجود خلاف، وأمَّا بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - فإن الوحي قد انقطع من السماء فصارت الأحكام التي لم تطرح من قبل، وتفسير الآيات التي لم يسأل الصحابة عنها محلَّ خلاف.

وأقرب مثال لذلك ما ورد على أبي بكر الصديق رضي الله عنه في الأيام الأولى من خلافته حين سئل عن معنى الأب من قول الله تعالى: وَفَاكِهَةً وَأَبًّا {عبس: 31} . قال: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إذَا قُلْت فِي كِتَابِ اللهِ مَا لاَ أَعْلَمُ [12] .

وإذا اختلفَ الصحابة رضي الله عنهم في بعض أحكام الدين لاختلاف اجتهادهم فكذلك اختلفَ من جاء بعدهم في الأمور التي لم يرد فيها نصوصٌ، أو كانت النصوصُ فيها تحتملُ أكثرَ من دلالةٍ.

19-وراءَ تباينِ أنظار العلماء حكمٌ لا حصرَ لها [13]

مما لا شك فيه عند المسلمين أن الدين دينُ الله والشرعَ شرعُه، ولا رادَّ لحكمه ولا معقب لأمره، حكمُه عدلٌ وقوله فصل، ومن حاد عن دين الله وحكم بغير شرعه فقد دخل في قوله تعالى (وَمَن لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [ المائدة:44] ، وشرعُ الله صالحٌ لكل زمان ومكان، وما ذلك إلا لأنه اشتمل على مقومات الاستمرار وعوامل الديمومة؛ ومنها صفة الثبات والمرونة، فهو ثابت في أصوله مرنٌ في فروعه، قال تعالى: {. مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ..} (38) سورة الأنعام ، والناظر من المجتهدين يجد حقيقة جلية وهي أن أحكام الشرع تنتظمها دائرتان: دائرةُ القطعياتِ وهي محلُّ اتفاق وإجماع، ويندرجُ تحتها ما لاحصرَ له من المسائلَ الحادثةِ.

ودائرةُ الظنياتِ ( الفروع ) : وهذه دائرة المرونة، وفيها يختلف أهل العلم وتتباين أنظارهم بحسب مداركهم من الشرع وسعة علومهم وما رزقهم الله تعالى من الأفهام، والحكمةُ من هذا الاختلاف تظهر جلية واضحة لكل ذي بصيرة، وهي أن الله أراد بهذا الاختلاف التوسيعَ على عباده، فإذا ضاقَ الأمر بهم في قول عالم في زمن من الأزمان أخذوا بقول آخر، ولو أراد الله أن تكون نصوص الكتاب والسُّنَّة لا تحتمل إلا وجهًا واحدًا لا اختلاف فيه ما أعجزه ذلك، ولكنه أراد من ذلك الخلافَ حِكَمًَا يعلمها سبحانه، وقد ذكر الإمام ابن عبد البر في كتابه جامع بيان العلم وفضله أن عمر بن عبد العزيز و القاسم بن محمد اجتمعا فجعلا يتذاكران الحديث فجعل عمر يجيء بالشيء مخالفًا فيه القاسم وجعل ذلك يشق على القاسم حتى تبين فيه! فقال له عمر: لا تفعل، فما يسرني أن لي باختلافهم حمر النعم" [14] ."

ونظرًا لاختلاف أحوال السائلين التي قد تضطر المفتي إلى ذكر أقوال أهل العلم رغبة في الوصول إلى مقصد الشريعة العظيم وهو إخراج المكلفين من الضيق والحرج الذي قد يلحقهم إن أفتاهم بقول واحدٍ نظرا لكل ذلك ساغ ذكر الخلاف، ولذا نصَّ بعض أهل العلم على أن للمفتي تخيير من استفتاه بين قوله وقول غيره، وممن نص على ذلك الإمام البهوتي الحنبلي في شرح منتهى الإرادات، وذكره عن جماعة. وقال ابن تيمية [15] :"وَهَذَا كَمَا أَنَّ الْحَاكِمَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ حُكْمَ غَيْرِهِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَلَا لِلْعَالِمِ وَالْمُفْتِي أَنْ يُلْزِمَ النَّاسَ بِاتِّبَاعِهِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ ؛ وَلِهَذَا لَمَّا اسْتَشَارَ الرَّشِيدُ مَالِكًا أَنْ يَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى"مُوَطَّئِهِ"فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَنَعَهُ مِن ذَلِكَ . وَقَالَ: إنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - تَفَرَّقُوا فِي الْأَمْصَارِ وَقَدْ أَخَذَ كُلُّ قَوْمٍ مِن الْعِلْمِ مَا بَلَغَهُمْ . وَصَنَّفَ رَجُلٌ كِتَابًا فِي الِاخْتِلَافِ فَقَالَ أَحْمَد: لَا تُسَمِّهِ"كِتَابَ الِاخْتِلَافِ"وَلَكِنْ سَمِّهِ"كِتَابَ السُّنَّةِ"."

وَلِهَذَا كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ: إجْمَاعُهُمْ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ وَاخْتِلَافُهُمْ رَحْمَةٌ وَاسِعَةٌ . وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَخْتَلِفُوا ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا اجْتَمَعُوا عَلَى قَوْلٍ فَخَالَفَهُمْ رَجُلٌ كَانَ ضَالًّا وَإِذَا اخْتَلَفُوا فَأَخَذَ رَجُلٌ بِقَوْلِ هَذَا وَرَجُلٌ بِقَوْلِ هَذَا كَانَ فِي الْأَمْرِ سَعَةٌ . وَكَذَلِكَ قَالَ غَيْرُ مَالِكٍ مِن الْأَئِمَّةِ: لَيْسَ لِلْفَقِيهِ أَنْ يَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى مَذْهَبِهِ . وَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمُصَنِّفُونَ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَن الْمُنْكَرِ مِن أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ: إنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ لَا تُنْكَرُ بِالْيَدِ وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُلْزِمَ النَّاسَ بِاتِّبَاعِهِ فِيهَا ؛ وَلَكِنْ يَتَكَلَّمُ فِيهَا بِالْحُجَجِ الْعِلْمِيَّةِ فَمَن تَبَيَّنَ لَهُ صِحَّةُ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ تَبِعَهُ وَمَن قَلَّدَ أَهْلَ الْقَوْلِ الْآخَرِ فَلَا إنْكَارَ عَلَيْهِ . وَنَظَائِرُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ كَثِيرَةٌ: مِثْلَ تَنَازُعِ النَّاسِ فِي بَيْعِ الباقلا الْأَخْضَرِ فِي قِشْرَتِهِ وَفِي بَيْعِ المقاثي جُمْلَةً وَاحِدَةً وَبَيْعِ الْمُعَاطَاةِ وَالسَّلَمِ الْحَالِّ وَاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْكَثِيرِ بَعْدَ وُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ إذَا لَمْ تُغَيِّرْهُ وَالتَّوَضُّؤِ مِن مَسِّ الذَّكَرِ وَالنِّسَاءِ وَخُرُوجِ النَّجَاسَاتِ مِن غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ وَالْقَهْقَهَةِ وَتَرْكِ الْوُضُوءِ مِن ذَلِكَ وَالْقِرَاءَةِ بِالْبَسْمَلَةِ سِرًّا أَوْ جَهْرًا وَتَرْكِ ذَلِكَ . وَتَنْجِيسِ بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَرَوْثِهِ أَوْ الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ ذَلِكَ وَبَيْعِ الْأَعْيَانِ الْغَائِبَةِ بِالصِّفَةِ وَتَرْكِ ذَلِكَ . وَالتَّيَمُّمِ بِضَرْبَةٍ أَوْ ضَرْبَتَيْنِ إلَى الْكُوعَيْنِ أَوْ الْمِرْفَقَيْنِ وَالتَّيَمُّمِ لِكُلِّ صَلَاةٍ أَوْ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ أَوْ الِاكْتِفَاءِ بِتَيَمُّمِ وَاحِدٍ وَقَبُولِ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ أَوْ الْمَنعِ مِن قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ .."."

ومن الأسبابِ التي تدعو المفتي إلى ذكر الأقوال أنه قد لا يتبين له رجحانُ أحد القولين لتكافؤ الأدلة -مثلًا- وهذا المنهج في الفتوى معمولٌ به عند سلفنا من العلماء، ومن نظر في كتب الفتاوى كفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام النووي والسبكي والرملي وصاحب المعيار وصاحب النوازل وغيرهم علم حقيقة ما قلناه. ومع ذلك فعلينا أنْ نسعى جاهدين، أنْ نبحث المسألة من كل جوانبها معملين النظر في الأدلة والدلالات مهتدين بكتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا نتجاوز فَهْمَ خير القرون وسلف هذه الأمة، دون إغفال لمقاصد الشريعة.

20-الاختلافُ في الأحكام الشرعية... حكمتُه..وأسبابه [16]

المذهبُ لغة: مكان الذهاب. واصطلاحًا: ما اختص به المجتهد من الأحكام الشرعية الفرعية الاجتهادية المستفادة من الأدلة الظنية. ذكر ذلك جمعٌ من العلماء منهم: الحموي في شرحه على الأشباه والنظائر لابن نجيم [17] . وقال الهيثميُّ في تحفة المحتاج: وأصله مكان الذهاب، ثم استعير لما يذهب إليه من الأحكام تشبيها للمعقول بالمحسوس [18] . انتهى .

واعلم أخي أنَّ اختلاف الأئمة المجتهدين رحمةٌ من الله تعالى، قال العلامة بدر الدين الزركشي [19] : اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُنَصِّبْ عَلَى جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ أَدِلَّةً قَاطِعَةً ، بَل جَعَلَهَا ظَنِّيَّةً قَصْدًا لِلتَّوْسِيعِ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ ، لِئَلَّا يَنْحَصِرُوا فِي مَذْهَبٍ وَاحِدٍ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ يه. انتهى .

وقال الإمامُ ابن قدامة رحمه الله عن اختلاف الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين: اتِّفَاقُهُمْ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ ، وَاخْتِلَافُهُمْ رَحْمَةٌ وَاسِعَةٌ [20] .

ونقول: إنَّ الخلاف ينتج عن أسباب كثيرة منها:

1-عدمُ بلوغ الحديث إلى بعض المجتهدين وبلوغه البعض الآخر. قال الإمام ابن القيم في الصواعق المرسلة: [21] فإن مجموع سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أقواله وأفعاله وإقراره لا يوجد عند رجل واحد أبدًا، ولو كان أعلمَ أهل الأرض، فإنْ قيل: فالسنَّة قد دونت وجمعت وضبطت وصار ما تفرق منها عند الفئة الكثيرة مجموعًا عند واحد، قيل: هذه الدواوينُ المشهورة في السنن إنما جمعت بعد انقراض عصر الأئمة المتبوعين، ومع هذا فلا يجوز أن يدعَّى انحصار سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في دواوينَ معينة، ثم لو فرضَ انحصارُ السنَّة في هذه الدواوين فليس كل ما فيها يعلمه العالم، ولا يكاد يحصل ذلك لأحد أبدًا؛ بل قد يكون عند الرجل الدواوين الكثيرة وهو لا يحيط علمًا بما فيها، بل الذين كانوا قبل جمع هذه الدواوين كانوا أعلم بالسنَّة من المتأخرين بكثير، لأن كثيرًا مما بلغهم وصح عندهم قد لا يبلغنا إلا عن مجهول أو بإسناد منقطع أو لا يبلغنا بالكليَّة، وكانت دواوينُهم صدورَهم التي تحوي أضعاف ما في الدواوين. انتهى.

ومثل ذلك تمامًا قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله [22] .

2-ومنها: أنَّ الحديثَ قد يبلغ الأئمة ولكنهم يختلفون بعد ذلك في صحته لأمور، منها: الاختلاف في بعض الرواة توثيقًا وتضعيفًا، أو الاختلاف في شروط الصحة، وهل يعتبر المرسل حجة أم لا؟ وهل يعمل بالضعيف أم لا؟ وقد يبلغ بعضهم الحديث بسند صحيح ويبلغ الآخر بسند ضعيف.

قال ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى وهو يتكلم عن أسباب الخلاف [23] : السَّبَبُ الثَّالِثُ: اعْتِقَادُ ضَعْفِ الْحَدِيثِ بِاجْتِهَادِ قَدْ خَالَفَهُ فِيهِ غَيْرُهُ انتهى

وقال ابن القيم [24] : فقد يعتقد أحد المجتهدين ضعف رجل ويعتقد الآخر ثقته وقوته، وقد يكون الصواب مع المضعِّف لاطلاعه على سببٍ خفيَ على الموثِق، وقد يكون الصواب مع الآخر لعلمه بأنَّ ذلك السببَ غيرٌ قادح في روايته وعدالته انتهى

3-ثم إنْ بلغَ الجميع واتفقوا على صحته، فقد يختلفون في فهمه أو ضبطه من حيث اللغة. فكم من الأحكام تختلف بناء على رفع كلمة أو خفضها، وهل ذلك الحديث أو تلك الآية منسوخة أم محكمة؟ وهل دلالة الآية أو الحديث عامة باقية على عمومها أم هي مخصوصة؟ وهل هي مطلقة أم مقيدة؟ وهل المراد بها الحقيقة أو المجاز؟ أو يكون اللفظ في عرف الشرع له معنيان فيحمله عالم على معنى، ويحمله الآخر على المعنى الآخر.

ومن أسباب الاختلافِ: اشتراطُ بعضهم في خبر الواحد شروطًا لا يشترطها غيره. قال الإمام ابن القيم [25] : السبب الرابع: اشتراطُ بعضهم في خبر الواحد العدل شروطًا يخالفه فيها غيره، كاشتراط بعضهم أنْ يكون فقيها إذا خالف ما رواه القياس، واشتراط بعضهم انتشار الحديث وظهوره إذا كان مما تعم به البلوى...""

21-الاختلافُ المحمود والاختلافُ المذموم [26]

(1) - صحيح مسلم (344 )

(2) - مجموع الفتاوى - (ج 19 / ص 122-128)

(3) - الفتاوى الفقهية الكبرى - (ج 2 / ص 328) والدرر السنية في الأجوبة النجدية - الرقمية - (ج 4 / ص 104) ومواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل - (ج 5 / ص 45) والذخيرة في الفقه المالكي للقرافي - (ج 2 / ص 99) وشرح البهجة الوردية - (ج 4 / ص 202) وتحفة المحتاج في شرح المنهاج - (ج 7 / ص 400) ونهاية المحتاج إلى شرح المنهاج - (ج 5 / ص 452) والشرح الممتع على زاد المستقنع - (ج 4 / ص 169) وتهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية - (ج 2 / ص 153) وأنوار البروق في أنواع الفروق - (ج 3 / ص 333)

(4) - تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق - (ج 2 / ص 314) وفقه العبادات - شافعي - (ج 1 / ص 81)

(5) - حاشية ابن عابدين 1 / 378، 448، ونهاية المحتاج 2 / 160، 161، وانظر أيضا تحفة المحتاج 2 / 254، وكشاف القناع 1 / 442، ط مطبعة أنصار السنة، ومجموع فتاوى ابن تيمية 23 / 352، 372، وقد ترك هذا"الاستحسان"والحمد لله، في عصرنا الحاضر، وعاد أمره إلى الاستنكار .

(6) - رد المحتار - (ج 4 / ص 250)

(7) - مجموع الفتاوى - (ج 24 / ص 195)

(8) - الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 2 / ص 303)

(9) - الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 2 / ص 303)

(10) - انظر كتاب اختلاف الحديث للشافعي مطبوع مع الأم له

(11) - فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 8 / ص 3859) رقم الفتوى 54719

(12) - شعب الإيمان للبيهقي برقم (2200 ) مصنف ابن أبي شيبة (ج 10 / ص 513) (30731) وفتح الباري لابن حجر - (ج 9 / ص 481) وهو صحيح لغيره

(13) - فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 3 / ص 3589) رقم الفتوى 16387 وراء تباين أنظار العلماء حكم لا حصر لها تاريخ الفتوى: 01 ربيع الأول 1423

(14) - الإبانة الكبرى لابن بطة - (ج 2 / ص 222) برقم (711 ) وانظر والموافقات في أصول الشريعة - (ج 3 / ص 79و83) ويسألونك فتاوى - (ج 3 / ص 361) وفتاوى الشبكة الإسلامية (ج 3 / ص 3589) و (ج 8 / ص 5191)

(15) - مجموع الفتاوى - (ج 30 / ص 79)

(16) - فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 4 / ص 6507) رقم الفتوى 26350 الاختلاف في الأحكام الشرعية... حكمته..وأسبابه تاريخ الفتوى: 12 شوال 1423

(17) - غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر - (ج 1 / ص 40)

(18) - تحفة المحتاج في شرح المنهاج - (ج 1 / ص 149)

(19) - في البحر المحيط 8/120 و البحر المحيط - (ج 7 / ص 390)

(20) - فتاوى يسألونك - (ج 5 / ص 195) ودرر الحكام شرح غرر الأحكام - (ج 1 / ص 1) والمغني - (ج 1 / ص 2)

(21) - 2/542 والصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة - (ج 1 / ص 181) الشاملة 2

(22) - في مجموع الفتاوى 20/293

(23) - الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة - (ج 1 / ص 182) ومجموع الفتاوى - (ج 20 / ص 240) ومجموع فتاوى ابن تيمية - (ج 4 / ص 287)

(24) - في الصواعق المرسلة 2/556 و الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة - (ج 1 / ص 182)

(25) - في الصواعق المرسلة 2/559 والصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة - (ج 1 / ص 183)

(26) - فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 2 / ص 4202) رقم الفتوى 8675 الاختلاف المحمود والاختلاف المذموم تاريخ الفتوى: 27 ربيع الأول 1422

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت