فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 60

وفي مكان آخر:"وإنما اختلف العلماء في الفروع الاجتهادية التي لم يأت فيها نص صريح قطعي الثبوت والدلالة، وهذا أمر طبيعي، لأن الاجتهاد يدعو إلى إعمال العقل، وعقول الناس متفاوتة، فلا بد أن يتفاوت فهمهم لهذه الأدلة التي تحتمل الاختلاف، ومثال القطعي: قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [النساء:11] ، فلا يمكن أن نقول هنا: للذكر مثل حظ الأنثى، لأنه لا مجال لاختلاف العقول فيها، أما قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [ البقرة:228] ، فللعلماء أن يختلفوا في معنى ( القرء) لأنه لفظ مشترك بين الطهر والحيض، وقال بعضهم القرء: هو الطهر، وبناءً عليه سيختلف حساب العدة عند الفريقين، وهذا لا مانع منه شرعًا، لأن الاختلاف سنة من سنن الله تعالى في خلقه. وقد وقع الاختلاف بين الأنبياء، كما حكى القرآن عن سليمان وداود، وحصل بين أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في حياته وبعد موته، ففي الحديث الذي رواه البخاري عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأَحْزَابِ: « لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلاَّ فِى بَنِى قُرَيْظَةَ » . فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمُ الْعَصْرَ فِى الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لاَ نُصَلِّى حَتَّى نَأْتِيَهَا ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَل نُصَلِّى لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ . فَذُكِرَ لِلنَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنهُمْ .." [1]

وجاء فيها أيضًا:

"التفرق في الدين أو الاختلاف فيه ينقسم إلى قسمين:"

الأول: ما كان اختلافًا في العقائد، وأصول الأحكام الثابتة، وما ثبت بإجماع صحيح عن خير القرون، فهذا تفرق مذموم بلا شك، ذلك أن دلائل تلك المسائل واضحة في الكتاب والسُّنَّة، مجمع عليها عند سلف الأمة، فالمخالف فيها متبع للهوى مفارق لسبيل المؤمنين، مقدم عقله على نصوص الوحي، وهذا قد ذمه الله ورسوله والمؤمنون.

الثاني: ما كان خلافًا في الفروع الفقهية والمسائل التي لم تجمع الأمة فيها على رأي واحد، وذلك كالاختلاف الواقع في المذاهب الأربعة، وكثير من المسائل الحادثة التي اختلف فيها أهل العلم، فهذا النوع من الاختلاف غير مذموم إذا وقع من أهله العارفين بأصوله، بل يمدح إن كان الحامل عليه اتباع الحق وتقديمه، ذلك أن نصوص القرآن والسُّنَّة في بيان تلك الأحكام ظنية في دلالتها، فربما رجح مجتهد ما لم يرجحه آخر، فالكل مأجور في اجتهاده، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: « إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ » . متفق عليه [2] .

وقد كان خلاف الصحابة، وأئمة السلف من هذا النوع، فلم يوجب فسقًا ولا بدعة، بل كان بعضهم يجل بعضًا، ويكرمه من غير أن يكون خلافهم لتفرقهم، طالما أن الحق بغية كل واحدٍ منهم ومطلبه، لكن خلفهم خلوف ادعى كل طائفةٍ منهم التمسك برأي إمامٍ، وتعصب كل فريق لإمامة، وضلل الطائفة الأخرى، فتركت كل طائفة بعض ما أمرت به من الحق، وارتكبت بعض ما نهيت عنه، فوقعت العداوة والبغضاء، شأن أهل الكتاب من قبلنا، فلله الأمر من قبل ومن بعد. والله المستعان." [3] "

الرابعة - في كلام ابن حزم أما الجملة الأولى ( لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطا) فسوف نناقشها في المبحث الذي بعد هذا

الخامسة - كلام ابن حزم ينسف آخره أوله ، فالمذموم حسب وجهة نظره هو (وإنما الذمُّ المذكور، والوعيد المنصوصُ لمن تركَ التعلق بحبل الله: وهو القرآنُ، وكلام النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد بلوغ النصِّ إليه، وقيام الحجةِ عليه، وتعلق بفلانٍ وفلان مقلدًا عامدًا للاختلاف، داعيًا إلى عصبيةٍ، وحميةٍ الجاهلية، قاصدًا للفرقة، متحريًّا في دعواه بردِّ القرآن والسُّنَّة إليها، فإن وافقها النصُّ أخذ به، وإنْ خالفها تعلقَ بجاهلية، وترك القرآن وكلام النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فهؤلاء هم المختلفونَ المذمومون)

فمن يخالف ابن حزم في هذا الكلام، فمن انطبقت عليه هذه الشروط ، ليس فقط مذمومًا ، بل نخشى عليه الهلاك وسوء العاقبة ، وآيات الوعيد بلا ريب تتناول هؤلاء لاتحاد العلة بينهم وبين الكفار .

ولكن هل يوجد أحد في أتباع الأئمة الأربعة تنطبق عليه الشروط النادرة ؟.

لا أظن أحدا منهم يفعل ذلك ، لأنه خروج عن سواء السبيل بالاتفاق .

ولكن بما أن هذا الصنف من المقلدين بالكاد أن يوجد منهم ، فلا حاجة لهذا الكلام لأن النادر لا حكم له أصلًا .

ومن ثمَّ فالاستدلال بكلام ابن حزم - رحمه الله - على ذم التقليد مطلقًا وتحريمه - هو قول مكذوب مفترى عليه ، فلا بدَّ أن نفهم كلامه عن التقليد في سياقه ، لا أن نذكر بعض قوله الذي يوافق هوانا ، وندع الذي يخالفه .

ولما عذر الصحابة رضي الله عنهم في اختلافهم - والأئمة من هذا القبيل قطعًا- ذم المقلدين بالصفات المذكورة ، فدلَّ على أن المقلد الذي لا تنطبق عليه هذه الصفات المذمومة أو أكثرها فهو معذور ، مأجور على تقليده لأهل العلم ، لأنه عاجز عن معرفة الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية .

وهناك طبقة أخرى تكلم عليها بقوله: ( وطبقةٌ أخرى وهم قومٌ بلغت بهم رقَّةُ الدين وقلة التقوى إلى طلب ما وافق أهواءَهم في قولة كل قائل، فهم يأخذونَ ما كان رخصةً في قول كلِّ عاملٍ، مقلِّدين له غير طالبين ما أوجبَه النصُّ عن الله وعن رسوله - صلى الله عليه وسلم - )

وهذا الصنف من الناس لا يخالفه أحد في ذمهم ، ولا يقبل إمام من الأئمة أن ينتسبوا إليه أصلًا .

وقال الألباني في تعليقه على هذا الحديث في الضعيفة 1/76 و77 (57) :

"لا أصل له ،ولقد جهد المحدثون في أن يقفوا له على سند فلم يوفقوا ، حتى قال السيوطي في"الجامع الصغير": ولعله خرج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا ! ."

وهذا بعيد عندي ، إذ يلزم منه أنه ضاع على الأمة بعض أحاديثه - صلى الله عليه وسلم - ، وهذا مما لا يليق بمسلم اعتقاده .

ونقل المناوي عن السبكي أنه قال: وليس بمعروف عند المحدثين ، ولم أقف له على سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع .

وأقره الشيخ زكريا الأنصاري في تعليقه على"تفسير البيضاوي" ( ق 92 / 2 )

ثم إن معنى هذا الحديث مستنكر عند المحققين من العلماء ، فقال العلامة ابن حزم في"الإحكام في أصول الأحكام" ( 5 / 64 ) بعد أن أشار إلى أنه ليس بحديث:

"وهذا من أفسد قول يكون ، لأنه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطا ، وهذا ما لا يقوله مسلم ، لأنه ليس إلا اتفاق أو اختلاف ، وليس إلا رحمة أو سخط..." [4]

"وإن من آثار هذا الحديث السيئة أن كثيرًا من المسلمين يقرون بسببه الاختلاف الشديد الواقع بين المذاهب الأربعة,ولا يحاولون أبدًا الرجوع بها إلى الكتاب والسُّنَّة الصحيحة كما أمرهم بذلك أئمتهم رضي الله عنهم, بل إن أولئك ليرون مذاهب هؤلاء الأئمة رضي الله عنهم إنما هي كشرائع متعددة يقولون هذا مع علمهم بما بينها من اختلاف وتعارض لا يمكن التوفيق بينها إلا بردِّ بعضها المخالف للدليل, وقبول البعض الآخر الموافق له،وهذا مالا يفعلونه, وبذلك نسبوا إلى الشريعة التناقض وهو وحده دليل على أنه ليس من الله عز وجل لو كانوا يتأملون قوله تعالى في حق القرآن {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِن عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} (82) سورة النساء, فالآية صريحة في أن الاختلاف ليس من الله, فكيف يصحُّ إذن جعله شريعة متبعة, ورحمة منزلة ؟".

أقول: في هذا الكلام خلط عجيب, لا أعتقد أن أحدًا من السابقين يقول به, وسأذكر بعضه:

الأول: زعمه أن (معنى هذا الحديث مستنكر عند المحققين من العلماء) ولم يورد شيئا لإثبات هذا الزعم سوى قول ابن حزم، فهل ابن حزم رحمه الله هو مرجع الأمة وحده ؟.

وهل هو ممثل العلماء ؟

وأين هم المحققون الذين استنكروا معنى هذا الكلام ؟

والصواب أنه م يستنكره إلا ابن حزم ، وسائر أهل العلم قد ذكروه في كتبهم دون نكير.

وهنا يصف ابن حزم بالعلامة وبالتحقيق ، بينما في كتبه الأخرى يقول عنه غير ذلك ، وإليك البيان:

قال في تعليقه على الحديث"ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير و الخمر.."قلت: وهذا إسناد صحيح ومتابعة قوية لهشام بن عمار وصدقة بن خالد ، و لم يقف على ذلك ابن حزم في"المحلى"، ولا في رسالته في إباحة الملاهي ، فأعل إسناد البخاري بالانقطاع بينه وبين هشام ، وبغير ذلك من العلل الواهية ، التي بينها العلماء من بعده وردوا عليه تضعيفه للحديث من أجلها ، مثل المحقق ابن القيم في"تهذيب السنن" ( 5 / 270 - 272 ) والحافظ ابن حجر في"الفتح"وغيرهما ،وقد فصلت القول في ذلك في جزء عندي في الرد على رسالة ابن حزم المشار إليها ، يسر الله تبيضه و نشره .

وابن حزم رحمه الله مع علمه وفضله وعقله ، فهو ليس طويل الباع في الاطلاع

على الأحاديث وطرقها ورواتها . ومن الأدلة على ذلك تضعيفه لهذا الحديث . السلسلة الصحيحة (91 )

وقال في كلامه على حديث -"ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة .."

والآخر: أن الذين صححوها أكثر وأعلم بالحديث من ابن حزم ، لاسيما وهو معروف عند أهل العلم بتشدده في النقد ، فلا ينبغي أن يحتج به إذا تفرد عند عدم

المخالفة فكيف إذا خالف ؟ !السلسلة الصحيحة ( 204 )

وقال أيضًا"فلا يقبل بعد هذا قول ابن حزم فيه ( 8 / 196 ) :"وهو مجهول"وأعل الحديث به ، فإنه لا سلف له في ذلك ، وقد وثقه هؤلاء الأئمة".السلسلة الصحيحة (260 )

وقال أيضًا:"وقال أبو الفتح الأزدي وابن حزم: ضعيف". ومن عرف حال أبي الفتح الأزدي وما فيه من الضعف المذكور في ترجمته في"الميزان"وغيره و عرف شذوذ ابن حزم في علم الجرح عن الجماعة كمثل خروجه عنهم في الفقه لم يعتد بخلافهما لمن هم الأئمة الموثوق بهم في هذا العلم"السلسلة الصحيحة (503 ) "

وقال أيضا:"وفيما تقدم رد قوي على ابن حزم في قوله في"رسالة الملاهي" (ص97) : أنه لم يثبت عن أحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - تفسير الآية بأنه الغناء ! قال:"وإنما هو قول بعض المفسرين ممن لا تقوم بقوله حجة " ! و مع سقوط كلامه هذا بما سبق ، فيخالفه صنيعه في"المحلى"، فقد ساق فيه الروايات المتقدمة عن ابن مسعود وابن عباس ، وعن غيرهما من التابعين ، ولم يضعفها ، وإنما قال: " لا حجة لأحد دون رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"!"

فنقول: كلمة حق أريد بها باطل ، لأنه لم يذكر عنه - صلى الله عليه وسلم - ما يخالف تفسيرهم . ثم زعم أنه قد خالفهم غيرهم من الصحابة والتابعين ! وهذا كالذي قبله ، فإنه لم يذكر ولا رواية واحدة مخالفة ، ولو كان لديه لسارع إلى بيانها . ثم احتج بأن الآية فيها صفة من فعلها كان كافرا . فنقول: هذا حق ، ولكن ذلك لا ينفي أن يؤاخذ المسلم بقدر ما قام فيه من تلك الصفة ، كالالتهاء بالأغاني عن القرآن . السلسلة الصحيحة (2922 )

الثاني - عدم معرفته بأسباب اختلاف الفقهاء, وقد ألفت عشرات الكتب فيها قديمًا وحديثًا ككتاب رفع الملام عن الأئمة الأعلام لابن تيمية رحمه الله وقد قمت بشرحه والتعليق عليه مطولا.

الثالث: يستحيل إزالة أسباب الخلاف إزالة تامة, لأنه يرجع إلى النصوص نفسها،فغالبها ليس قطعي الدلالة,بل ظني الدلالة, فكيف نرجع الخلاف إلى الكتاب والسُّنَّة الصحيحة ؟.

الرابع: أن الفقهاء استنبطوا أحكامهم من الكتاب والسُّنَّة والإجماع والقياس وليس من فراغ .

الخامس: لو شاء الله تعالى لجعل نصوص هذه الشريعة كلها قطعية الدلالة لا تحتمل أكثر من معنى, ولكن لم يشأ ذلك, فكيف نزيل الخلاف ؟

السادس: يعني الفقهاء بقولهم الاختلاف رحمة: أنه يوجد في المسألة الواحدة أكثر من قول والمكلَّف في سعة من أمره طالما أنه لم يبلغ درجة الاجتهاد, وهذا الاختلاف موجود منذ عهد الصحابة وسيبقى إلى قيام الساعة،ولن يستطيع أحد إزالته .

السابع: قوله أنهم يرون مذاهب هؤلاء الأئمة رضي الله عنهم إنما هي كشرائع متعددة اهـ وعزاه لفيض القدير 1/209 .

قلت:"قال المناوي رحمه الله:"إن اختلافهم توسعة على الناس يجعل المذاهب كشرائع متعددة بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - بكلها, لئلا تضيق بهم الأمور من إضافة الحق الذي فرضه الله تعالى على المجتهدين دون غيرهم, ولم يكلفوا مالا طاقة لهم به, توسعة في شريعتهم السمحة السهلة, فاختلاف المذاهب نعمة كبيرة وفضيلة جسيمة خصت بها هذه الأمة, فالمذاهب التي استنبطها أصحابه فمن بعدهم من أقواله وأفعاله على تنوعها كشرائع متعددة له, وقد وعد بوقوع ذلك, فوقع, وهو من معجزاته - صلى الله عليه وسلم - , أما الاجتهاد في العقائد فضلالٌ ووبالٌ كما تقرر"1/209"

وهناك فرق كبير بين كلام الشيخ ناصر وكلام المناوي .""

الثامن: منْ قال بأنَّ الشريعة متناقضةٌ ؟!،علمًا أن الفقهاء يصرحون ويقولون قال أبو حنيفة:رأيي في هذه المسألة كذا, . وهكذا غيره, لذلك يقولون لك إذا سألتهم عن حكم مسألة مثلًا: هذه حلال في المذهب الشافعي, ولا يقولون من الله .. بل إن اختلاف الفقهاء هو اختلاف تنوُّع وليس اختلاف تضادٍّ .

التاسع: ما علاقة الآية القرآنية باختلاف الفقهاء،ولا سيما أنها واردة في حقِّ القرآن الكريم وليس على غيره كما هو معلوم ؟ .

العاشر: ما قاله ابن حزم غير صحيح, إذا كان الاختلاف رحمة كان الاتفاق سخطًا, فهذا الثاني غير لازم قطعًا ولا مراد,والاختلاف من طبيعة البشر والحياة والنصوص, فمن أراد أن يزيله فليغير طبيعة البشر والحياة والنصوص حتى يتسنَّى له ذلك, ولا يقدر على هذا إلا اللهُ وحده. [5]

المبحث الثاني

الردُّ على ابن حزم بقوله:"لو كانَ الاختلافُ رحمةً لكانَ الاتفاقُ سخطًا" [6]

أمَّا قولُ الإمام ابن حزم في رد الحديث دراية: [ لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطًا ] فغيرُ مسلَّم لأن كون الاختلاف رحمة لا يعني أن يكون الاتفاق سخطًا كما قال ،وهذا الكلام من ابن حزم إنما هو أخذ بمفهوم المخالفة وابن حزم لا يأخذ بمفهوم المخالفة أصلا فكيف يحتج به ، هذا أولًا [7] .

وأمَّا ثانيًا فقد قال الإمام النووي [8] :[ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَقَدْ رُوِيَ عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ:"اِخْتِلَاف أُمَّتِي رَحْمَة"فَاسْتَصْوَبَ عُمَر مَا قَالَهُ ، وَقَدْ اِعْتَرَضَ عَلَى حَدِيث: اِخْتِلَاف أُمَّتِي رَحْمَة"رَجُلَانِ: أَحَدهمَا مَغْمُوض عَلَيْهِ فِي دِينه ، وَهُوَ عُمَر بْن بَحْر الْجَاحِظ ، وَالْآخَر مَعْرُوف بِالسُّخْفِ وَالْخَلَاعَة ، وَهُوَ إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم الْمَوْصِلِيّ ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا وَضَعَ كِتَابه فِي الْأَغَانِي ، وَأَمْكَنَ فِي تِلْكَ الْأَبَاطِيل لَمْ يَرْضَ بِمَا تَزَوَّدَ مِن إِثْمهَا حَتَّى صَدَّرَ كِتَابه بِذَمِّ أَصْحَاب الْحَدِيث ، وَزَعَمَ أَنَّهُمْ يَرْوُونَ مَا لَا يَدْرُونَ ، وَقَالَ هُوَ وَالْجَاحِظ: لَوْ كَانَ الِاخْتِلَاف رَحْمَة لَكَانَ الِاتِّفَاق عَذَابًا ، ثُمَّ زَعَمَ أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ اِخْتِلَاف الْأُمَّة رَحْمَة فِي زَمَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - خَاصَّة ؛ فَإِذَا اِخْتَلَفُوا سَأَلُوهُ ، فَبَيَّنَ لَهُمْ ."

وَالْجَوَاب عَن هَذَا الِاعْتِرَاض الْفَاسِد: أَنَّهُ لَا يَلْزَم مِن كَوْن الشَّيْء رَحْمَة أَنْ يَكُون ضِدّه عَذَابًا ، وَلَا يَلْتَزِم هَذَا وَيَذْكُرهُ إِلَّا جَاهِل أَوْ مُتَجَاهِل . وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى: {وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } (73) سورة القصص، فَسَمَّى اللَّيْل رَحْمَة ، وَلَمْ يَلْزَم مِن ذَلِكَ أَنْ يَكُون النَّهَار عَذَابًا ، وَهُوَ ظَاهِر لَا شَكَّ فِيهِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَالِاخْتِلَاف فِي الدِّين ثَلَاثَة أَقْسَام: أَحَدهَا: فِي إِثْبَات الصَّانِع وَوَحْدَانِيّته ، وَإِنْكَار ذَلِكَ كُفْر .

وَالثَّانِي: فِي صِفَاته وَمَشِيئَته ، وَإِنْكَارهَا بِدْعَة .

وَالثَّالِث فِي أَحْكَام الْفُرُوع الْمُحْتَمَلَة وُجُوهًا ، فَهَذَا جَعَلَهُ اللَّه تَعَالَى رَحْمَة وَكَرَامَة لِلْعُلَمَاءِ ، وَهُوَ الْمُرَاد بِحَدِيثِ: اِخْتِلَاف أُمَّتِي رَحْمَة ، هَذَا آخِر كَلَام الْخَطَّابِيّ - رَحِمَهُ اللَّه -] .

وأمَّا ثالثًا فالاختلافُ المذكور هو الاختلافُ في الفروع الفقهية والاختلاف فيها ليس فيه حرجُ ما دام أنه قد صدر عن أهل الاجتهاد . والاختلاف في الفروع موجود منذ عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - كما حصل في نهاية غزوة الأحزاب فعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأَحْزَابِ: « لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلاَّ فِى بَنِى قُرَيْظَةَ » . فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمُ الْعَصْرَ فِى الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لاَ نُصَلِّى حَتَّى نَأْتِيَهَا ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَل نُصَلِّى لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ . فَذُكِرَ لِلنَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنهُمْ . رواه البخاري ومسلم [9] .

كما أنَّ كبار الصحابة قد اختلفوا في مسائل الفروع ،وهذا أمر مشهور معروف واختلافهم فيه توسعةٌ على الأمة . قال الشيخ ابن قدامة المقدسي في مقدمة كتابه العظيم المغني ما نصه [10] : [ أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِرَحْمَتِهِ وَطَوْلِهِ ، وَقُوَّتِهِ وَحَوْلِهِ ، ضَمِنَ بَقَاءَ طَائِفَةٍ مِن هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَن خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، وَجَعَلَ السَّبَبَ فِي بَقَائِهِمْ بَقَاءَ عُلَمَائِهِمْ ، وَاقْتِدَاءَهُمْ بِأَئِمَّتِهِمْ وَفُقَهَائِهِمْ ، وَجَعَلَ هَذِهِ الْأُمَّةَ مَعَ عُلَمَائِهَا ، كَالْأُمَمِ الْخَالِيَةِ مَعَ أَنْبِيَائِهَا ، وَأَظْهَرَ فِي كُلِّ طَبَقَةٍ مِن فُقَهَائِهَا أَئِمَّةً يُقْتَدَى بِهَا ، وَيُنْتَهَى إلَى رَأْيِهَا ، وَجَعَلَ فِي سَلَفِ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَئِمَّةً مِن الْأَعْلَامِ ، مُهْدٍ بِهِمْ قَوَاعِدَ الْإِسْلَامِ ، وَأَوْضَحَ بِهِمْ مُشْكِلَاتِ الْأَحْكَامِ ، اتِّفَاقُهُمْ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ ، وَاخْتِلَافُهُمْ رَحْمَةٌ وَاسِعَةٌ ، تَحْيَا الْقُلُوبُ بِأَخْبَارِهِمْ ، وَتَحْصُلُ السَّعَادَةُ بِاقْتِفَاءِ آثَارِهِمْ ، ثُمَّ اخْتَصَّ مِنهُمْ نَفَرًا أَعْلَى أَقْدَارَهُمْ وَمَنَاصِبَهُمْ وَأَبْقَى ذِكْرَهُمْ وَمَذَاهِبَهُمْ فَعَلَى أَقْوَالِهِمْ مَدَارُ الْأَحْكَامِ ، وَبِمَذَاهِبِهِمْ يُفْتِي فُقَهَاءُ الْإِسْلَامِ] .

(1) - فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 3 / ص 3849) رقم الفتوى 16829 اختلاف تنوع وفهم..لا اختلاف تضاد تاريخ الفتوى: 26 جمادي الأولى 1423

(2) - صحيح البخارى (7352 ) ومسلم (4584 )

(3) - فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 2 / ص 4202) رقم الفتوى 8675 الاختلاف المحمود والاختلاف المذموم تاريخ الفتوى: 27 ربيع الأول 1422

(4) - الإحكام 5/64

(5) - إذا أردت التفصيل فارجع إلى كتاب الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم للدكتور يوسف القرضاوي .

(6) - انظر فتاوى يسألونك - (ج 6 / ص 294)

(7) - مفهوم المخالفة: معناه أن الأدلة إذا قيدت حكمًا شرعيًا بصفةٍ أو قيدٍ فإننا نعلم اختصاص هذا الحكم بهذا القيد وهذه الصفة ، فيوجد بوجودها ، ونفهم أنه إذا فقد هذا القيد أو هذه الصفة أن الحكم يختلف ولا شك ، ولابد من هذا القول: لأن الشارع حكيم ولا يعلق شيئًا على شيءٍ إلا وهو يقصد هذا التعليق ، فأثبت الحكم بشرطه وقيوده وصفاته ، وانف ما عداه فهذا النفي هو مفهوم المخالفة ، أي أنك تفهم أن ما خالف ذلك الشرط وهذا القيد أنه مخالف للحكم الثابت . أي: أن حكم المسكوت عنه مخالف لحكم المنطوق به ، وهو حجة عند الجمهور وليس بحجة عند الإمام أبي حنيفة ، لكن الصواب أنه حجة ، وانظر للتوسع من أصول الفقه على منهج أهل الحديث - الرقمية - (ج 1 / ص 144-146) وانظر للتوسع كتب وليد بن راشد السعيدان - (ج 3 / ص 266) وإرشاد الفحول الي تحقيق الحق من علم الأصول - (ج 1 / ص 381) ومجموع الفتاوى - (ج 6 / ص 179) و (ج 15 / ص 446) و (ج 31 / ص 345) وفتاوى الأزهر - (ج 6 / ص 67) وفتاوى السبكي - (ج 1 / ص 220) و (ج 3 / ص 387) وفتاوى الرملي - (ج 3 / ص 370) وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 2 / ص 936) و (ج 3 / ص 3826) و (ج 10 / ص 957) والفقه الإسلامي وأدلته - (ج 1 / ص 30) و (ج 3 / ص 267) و (ج 10 / ص 315) والتشريع الجنائي في الإسلام - (ج 1 / ص 205) والأحكام للآمدي - (ج 2 / ص 59) و (ج 2 / ص 257) والأحكام للآمدي - (ج 2 / ص 328) و (ج 3 / ص 66-71) والمحصول - (ج 3 / ص 11) وأنوار البروق في أنواع الفروق - (ج 3 / ص 91) وكشف الأسرار - (ج 4 / ص 64) والبحر المحيط - (ج 3 / ص 45) و (ج 3 / ص 327) و (ج 4 / ص 80) و (ج 4 / ص 81) و (ج 4 / ص 236-237) و (ج 4 / ص 424-434) والتقرير والتحبير - (ج 1 / ص 394) وشرح الكوكب المنير - (ج 2 / ص 261) وشرح التلويح على التوضيح - (ج 1 / ص 45) وحاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع - (ج 2 / ص 279) و (ج 2 / ص 320) وتيسير التحرير - (ج 3 / ص 226) وفواتح الرحموت - (ج 1 / ص 329) وغاية الوصول في شرح لب الأصول - (ج 1 / ص 24) والبرهان في أصول الفقه - الرقمية - (ج 1 / ص 166) والمدخل إلى مذهب الإمام أحمد - الرقمية - (ج 1 / ص 135)

(8) - شرح النووي على صحيح مسلم 4/258 وشرح النووي على مسلم - (ج 6 / ص 27)

(9) - صحيح البخارى برقم (946 ) وصحيح مسلم برقم (4701 )

(10) - المغني - (ج 1 / ص 2) والمغني 1/3-4

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت