فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 60

وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ حَكَاهُ طَائِفَةٌ وَلَا عِبْرَةَ بِخِلَافِ جُهَّالِ الْمُتَعَبِّدَةِ . وَأَمَّا الِاعْتِبَارُ فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ فِيهَا الْقِرَاءَةُ ؛ فَإِنْ عَجَزَ عَنهَا انْتَقَلَ إلَى الذِّكْرِ وَلَا يَجْزِيه الذِّكْرُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَالْمُبَدَّلُ مِنهُ أَفْضَلُ مِن الْبَدَلِ الَّذِي لَا يَجُوزُ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَن الْمُبَدِّلِ .

وَأَيْضًا فَالْقِرَاءَةُ تُشْتَرَطُ لَهَا الطِّهَارَةُ الْكُبْرَى كَمَا تُشْتَرَطُ لِلصَّلَاةِ الطَّهَارَتَانِ وَالذِّكْرُ لَا يُشْتَرَطُ لَهُ الْكُبْرَى وَلَا الصُّغْرَى فَعُلِمَ أَنَّ أَعْلَى أَنْوَاعِ ذِكْرِ اللَّهِ هُوَ الصَّلَاةُ ثُمَّ الْقِرَاءَةُ ثُمَّ الذِّكْرُ الْمُطْلَقُ ثُمَّ الذِّكْرُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَفْضَلُ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ مِن قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِن الْعِبَادِ قَدْ يَنْتَفِعُ بِالذِّكْرِ فِي الِابْتِدَاءِ مَا لَا يَنْتَفِعُ بِالْقِرَاءَةِ ؛ إذْ الذِّكْرُ يُعْطِيه إيمَانًا وَالْقُرْآنُ يُعْطِيه الْعِلْمَ ؛ وَقَدْ لَا يَفْهَمُهُ ؛ وَيَكُونُ إلَى الْإِيمَانِ أَحْوَجَ مِنهُ لِكَوْنِهِ قِي الِابْتِدَاءِ، وَالْقُرْآنُ مَعَ الْفَهْمِ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ أَفْضَلُ بِالِاتِّفَاقِ . فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ يُشْبِهُ تَنَوُّعَ شَرَائِعِ الْأَنْبِيَاءِ ؛ فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ كُلًّا مِنهُمْ بِالدِّينِ الْجَامِعِ، وَأَنْ نَعْبُدَهُ بِتِلْكَ الشِّرْعَةِ وَالْمِنهَاجِ، كَمَا أَنَّ الْأُمَّةَ الْإِسْلَامِيَّةَ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ كُلَّ مُسْلِمٍ مِن شَرِيعَةِ الْقُرْآنِ بِمَا هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ إمَّا إيجَابًا وَإِمَّا اسْتِحْبَابًا وَإِنْ تَنَوَّعَتْ الْأَفْعَالُ فِي حَقِّ أَصْنَافِ الْأُمَّةِ فَلَمْ يَخْتَلِفْ اعْتِقَادُهُمْ وَلَا مَعْبُودُهُمْ وَلَا أَخْطَأَ أَحَدٌ مِنهُمْ ؛ بَل كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى ذَلِكَ يُصَدِّقُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ." [1] "

وَقَدْ نَظَرَ الشَّاطِبِيُّ فِي الْمَسْأَلَةِ ، وَحَصَرَ الْخِلاَفَ غَيْرَ الْحَقِيقِيِّ فِي عَشَرَةِ أَنْوَاعٍ .

مِنهَا: مَا تَقَدَّمَ مِنَ الاِخْتِلاَفِ فِي الْعِبَارَةِ .

وَمِنهَا: أَنْ لاَ يَتَوَارَدَ الْخِلاَفُ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ [2] .

وَمِنهَا: اخْتِلاَفُ أَقْوَال الإِْمَامِ الْوَاحِدِ ، بِنَاءً عَلَى تَغَيُّرِ الاِجْتِهَادِ ، وَالرُّجُوعِ عَمَّا أَفْتَى بِهِ أَوَّلًا .

وَمِنهَا: أَنْ يَقَعَ الاِخْتِلاَفُ فِي الْعَمَل لاَ فِي الْحُكْمِ ، بِأَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الْعَمَلَيْنِ جَائِزًا ، كَاخْتِلاَفِ الْقُرَّاءِ فِي وُجُوهِ الْقِرَاءَاتِ ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَقْرَءُوا بِمَا قَرَءُوا بِهِ عَلَى إِنْكَارِ غَيْرِهِ ، بَل عَلَى إِجَازَتِهِ وَالإِْقْرَارِ بِصِحَّتِهِ ، فَهَذَا لَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ بِاخْتِلاَفٍ ، فَإِنَّ الْمَرْوِيَّاتِ عَلَى الصِّحَّةِ لاَ خِلاَفَ فِيهَا ، إِذِ الْكُل مُتَوَاتِرٌ .

وَهَذِهِ الأَْنْوَاعُ السَّابِقَةُ تَقَعُ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ ، وَفِي اخْتِلاَفِهِمْ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ ، وَكَذَلِكَ فِي فَتَاوَى الأَْئِمَّةِ وَكَلاَمِهِمْ فِي مَسَائِل الْعِلْمِ . وَهِيَ أَنْوَاعٌ - وَإِنْ سُمِّيَتْ خِلاَفًا - إِلاَّ أَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى الْوِفَاقِ [3] .

5-الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلاِخْتِلاَفِ بِحَسَبِ أَنْوَاعِهِ :

أُمُورُ الدِّينِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ فِيهَا الْخِلاَفُ إِمَّا أُصُول الدِّينِ أَوْ فُرُوعُهُ ، وَكُلٌّ مِنهُمَا إِمَّا أَنْ يَثْبُتَ بِالأَْدِلَّةِ الْقَاطِعَةِ أَوْ لاَ . فَهِيَ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ:

النَّوْعُ الأَْوَّل: أُصُول الدِّينِ الَّتِي تَثْبُتُ بِالأَْدِلَّةِ الْقَاطِعَةِ ، كَوُجُودِ اللَّهِ تَعَالَى وَوَحْدَانِيَّتِهِ ، وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . فَهَذِهِ أُمُورٌ لاَ مَجَال فِيهَا لِلاِخْتِلاَفِ ، مَن أَصَابَ الْحَقَّ فِيهَا فَهُوَ مُصِيبٌ ، وَمَن أَخْطَأَهُ فَهُوَ كَافِرٌ [4] .

النَّوْعُ الثَّانِي: بَعْضُ مَسَائِل أُصُول الدِّينِ ، مِثْل مَسْأَلَةِ رُؤْيَةِ اللَّهِ فِي الآْخِرَةِ ، وَخَلْقِ الْقُرْآنِ ، وَخُرُوجِ الْمُوَحِّدِينَ مِنَ النَّارِ ، وَمَا يُشَابِهُ ذَلِكَ ، فَقِيل يَكْفُرُ الْمُخَالِفُ ، وَمِنَ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ الشَّافِعِيُّ . فَمِن أَصْحَابِهِ مَن حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ . وَمِنهُمْ مَن حَمَلَهُ عَلَى كُفْرَانِ النِّعَمِ [5] .

وَشَرْطُ عَدَمِ التَّكْفِيرِ أَنْ يَكُونَ الْمُخَالِفُ مُصَدِّقًا بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - . وَالتَّكْذِيبُ الْمُكَفِّرُ أَنْ يَنْفِيَ وُجُودَ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُول وَيَزْعُمَ أَنَّ مَا قَالَهُ كَذِبٌ مَحْضٌ أَرَادَ بِهِ صَرْفَ النَّاسِ عَن شَيْءٍ يُرِيدُهُ ، كَذَا قَال الْغَزَالِيُّ [6] .

النَّوْعُ الثَّالِثُ: الْفُرُوعُ الْمَعْلُومَةُ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ كَفَرْضِيَّةِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ، وَحُرْمَةِ الزِّنَا ، فَهَذَا لَيْسَ مَوْضِعًا لِلْخِلاَفِ . وَمَن خَالَفَ فِيهِ فَقَدْ كَفَرَ [7]

النَّوْعُ الرَّابِعُ: الْفُرُوعُ الاِجْتِهَادِيَّةُ الَّتِي قَدْ تَخْفَى أَدِلَّتُهَا . فَهَذِهِ الْخِلاَفُ فِيهَا وَاقِعٌ فِي الأُْمَّةِ . وَيُعْذَرُ الْمُخَالِفُ فِيهَا ؛ لِخَفَاءِ الأَْدِلَّةِ أَوْ تَعَارُضِهَا ، أَوِ الاِخْتِلاَفِ فِي ثُبُوتِهَا . وَهَذَا النَّوْعُ هُوَ الْمُرَادُ فِي كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ إِذَا قَالُوا: فِي الْمَسْأَلَةِ خِلاَفٌ . وَهُوَ مَوْضُوعُ هَذَا الْبَحْثِ عَلَى أَنَّهُ الْخِلاَفُ الْمُعْتَدُّ بِهِ فِي الأُْمُورِ الْفِقْهِيَّةِ .

فَأَمَّا إِنْ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ دَلِيلٌ صَحِيحٌ صَرِيحٌ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ الْمُجْتَهِدُ فَخَالَفَهُ ، فَإِنَّهُ مَعْذُورٌ بَعْدَ بَذْل الْجَهْدِ ، وَيُعْذَرُ أَتْبَاعُهُ فِي تَرْكِ رَأْيِهِ أَخْذًا بِالدَّلِيل الصَّحِيحِ الَّذِي تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ [8] .

فَهَذَا النَّوْعُ لاَ يَصِحُّ اعْتِمَادُهُ خِلاَفًا فِي الْمَسَائِل الشَّرْعِيَّةِ ، لأَِنَّهُ اجْتِهَادٌ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا ، وَإِنَّمَا يُعَدُّ فِي مَسَائِل الْخِلاَفِ الأَْقْوَال الصَّادِرَةُ عَن أَدِلَّةٍ مُعْتَبَرَةٍ فِي الشَّرِيعَةِ [9]

6-أَدِلَّةُ جَوَازِ الاِخْتِلاَفِ فِي الْمَسَائِل الْفَرْعِيَّةِ:

أَوَّلًا: مَا وَقَعَ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي غَزْوَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ [10] : رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأَحْزَابِ: « لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلاَّ فِى بَنِى قُرَيْظَةَ » . فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمُ الْعَصْرَ فِى الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لاَ نُصَلِّى حَتَّى نَأْتِيَهَا ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَل نُصَلِّى لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ . فَذُكِرَ لِلنَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنهُمْ [11] .

ثَانِيًا: اتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ فِي مَسَائِل تَنَازَعُوا فِيهَا عَلَى إِقْرَارِ كُل فَرِيقٍ لِلْفَرِيقِ الآْخَرِ عَلَى الْعَمَل بِاجْتِهَادِهِمْ ، كَمَسَائِل فِي الْعِبَادَاتِ وَالنِّكَاحِ وَالْمَوَارِيثِ وَالْعَطَاءِ وَالسِّيَاسَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ [12] .

7-الاِخْتِلاَفُ فِيمَا لاَ فَائِدَةَ فِيهِ:

قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ:"قَدْ يَقَعُ الاِخْتِلاَفُ فِي أَلْفَاظٍ مِن تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ مَا لاَ مُسْتَنَدَ لَهُ مِنَ النَّقْل عَنِ الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - أَوْ بِنَقْلٍ لاَ يُمْكِنُ تَمْيِيزُ الصَّحِيحِ مِنهُ مِنَ الضَّعِيفِ ، وَدُونَ اسْتِدْلاَلٍ مُسْتَقِيمٍ . وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الاِخْتِلاَفِ لاَ فَائِدَةَ مِنَ الْبَحْثِ عَنهُ ، وَالْكَلاَمُ فِيهِ مِن فُضُول الْكَلاَمِ . وَأَمَّا مَا يَحْتَاجُ الْمُسْلِمُونَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ فَإِنَّ اللَّهَ نَصَبَ عَلَى الْحَقِّ فِيهِ دَلِيلًا ."

فَمِثَال مَا لاَ فَائِدَةَ فِيهِ اخْتِلاَفُهُمْ فِي أَصْحَابِ الْكَهْفِ ، وَفِي الْبَعْضِ الَّذِي ضَرَبَ بِهِ مُوسَى مِنَ الْبَقَرَةِ ، وَمِقْدَارِ سَفِينَةِ نُوحٍ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ . فَهَذِهِ الأُْمُورُ طَرِيقُ الْعِلْمِ بِهَا النَّقْل . فَمَا كَانَ مِن هَذَا مَنقُولًا نَقْلًا صَحِيحًا ، كَاسْمِ صَاحِبِ مُوسَى أَنَّهُ الْخَضِرُ ، فَهَذَا مَعْلُومٌ ، وَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَل كَانَ مِمَّا يُنْقَل عَن أَهْل الْكِتَابِ كَكَعْبٍ وَوَهْبٍ ، فَهَذَا لاَ يَجُوزُ تَصْدِيقُهُ وَلاَ تَكْذِيبُهُ إِلاَّ بِحُجَّةٍ [13] .

8-الاِخْتِلاَفُ الْجَائِزُ هَل هُوَ نَوْعٌ مِنَ الْوِفَاقِ:

يَرَى الشَّاطِبِيُّ أَنَّ مَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنَ الْخِلاَفِ فِي ظَاهِرِ الأَْمْرِ يَرْجِعُ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَى الْوِفَاقِ . فَإِنَّ الاِخْتِلاَفَ فِي بَعْضِ الْمَسَائِل الْفِقْهِيَّةِ رَاجِعٌ إِمَّا إِلَى دَوَرَانِهَا بَيْنَ طَرَفَيْنِ وَاضِحَيْنِ يَتَعَارَضَانِ فِي أَنْظَارِ الْمُجْتَهِدِينَ ، وَإِمَّا إِلَى خَفَاءِ بَعْضِ الأَْدِلَّةِ ، أَوْ إِلَى عَدَمِ الاِطِّلاَعِ عَلَى الدَّلِيل .

وَهَذَا الثَّانِي لَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ خِلاَفًا ، إِذْ لَوْ فَرَضْنَا اطِّلاَعَ الْمُجْتَهِدِ عَلَى مَا خَفِيَ عَلَيْهِ لَرَجَعَ عَن قَوْلِهِ ، فَلِذَا يُنْقَضُ لأَِجْلِهِ قَضَاءُ الْقَاضِي .

أَمَّا الأَْوَّل فَإِنَّ تَرَدُّدَهُ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ تَحَرٍّ لِقَصْدِ الشَّارِعِ الْمُبْهَمِ بَيْنَهُمَا مِن كُل وَاحِدٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ ، وَاتِّبَاعٌ لِلدَّلِيل الْمُرْشِدِ إِلَى تَعَرُّفِ قَصْدِهِ . وَقَدْ تَوَافَقُوا فِي هَذَيْنِ الْقَصْدَيْنِ تَوَافُقًا لَوْ ظَهَرَ مَعَهُ لِكُل وَاحِدٍ مِنهُمَا خِلاَفُ مَا رَآهُ لَرَجَعَ إِلَيْهِ ، وَلَوَافَقَ صَاحِبَهُ . وَسَوَاءٌ قُلْنَا بِالتَّخْطِئَةِ أَوْ بِالتَّصْوِيبِ ، إِذْ لاَ يَصِحُّ لِلْمُجْتَهِدِ أَنْ يَعْمَل عَلَى قَوْل غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ مُصِيبًا أَيْضًا .

فَالإِْصَابَةُ عَلَى قَوْل الْمُصَوِّبَةِ إِضَافِيَّةٌ . فَرَجَعَ الْقَوْلاَنِ إِلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ بِهَذَا الاِعْتِبَارِ . فَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ مُتَّفِقُونَ لاَ مُخْتَلِفُونَ . وَمِن هُنَا يَظْهَرُ وَجْهُ التَّحَابِّ وَالتَّآلُفِ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي مَسَائِل الاِجْتِهَادِ ؛ لأَِنَّهُمْ مُجْتَمِعُونَ عَلَى طَلَبِ قَصْدِ الشَّارِعِ ، فَلَمْ يَصِيرُوا شِيَعًا ، وَلاَ تَفَرَّقُوا فِرَقًا [14] .

هَذَا وَقَدْ سَلَكَ الشَّعْرَانِيُّ مَسْلَكًا آخَرَ فِي إِرْجَاعِ مَسَائِل الْخِلاَفِ إِلَى الْوِفَاقِ ، بِأَنْ يُحْمَل كُل قَوْلٍ مِن أَقْوَال الْمُخْتَلِفِينَ عَلَى حَالٍ مِن أَحْوَال الْمُكَلَّفِينَ . فَمَن قَال مِنَ الأَْئِمَّةِ: بِأَنَّ الأَْمْرَ فِي بَابٍ مِن أَبْوَابِ الْعِبَادَةِ لِلْوُجُوبِ ، وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فَقَال: إِنَّهُ لِلنَّدْبِ ، وَكَذَلِكَ اخْتِلاَفُهُمْ فِي النَّهْيِ بِأَنَّهُ لِلْكَرَاهَةِ أَوْ لِلتَّحْرِيمِ ، فَلِكُلٍّ مِنَ الْمَرْتَبَتَيْنِ رِجَالٌ ، فَمَن قَوِيَ مِنهُمْ مِن حَيْثُ إِيمَانُهُ وَجِسْمُهُ خُوطِبَ بِالْعَزِيمَةِ وَالتَّشْدِيدِ الْوَارِدِ فِي الشَّرِيعَةِ صَرِيحًا أَوْ ضِمْنًا . وَمَن ضَعُفَ مِنهُمْ خُوطِبَ بِالرُّخْصَةِ .فَالْمَرْتَبَتَانِ عِنْدَهُ عَلَى التَّرْتِيبِ الْوُجُوبِيِّ لاَ التَّخْيِيرِ [15] .

9-الاِخْتِلاَفُ الْفِقْهِيُّ هَل هُوَ رَحْمَةٌ؟ [16] :

الْمَشْهُورُ أَنَّ اخْتِلاَفَ مُجْتَهِدِي الأُْمَّةِ فِي الْفُرُوعِ رَحْمَةٌ لَهَا وَسَعَةٌ [17] . وَالَّذِينَ صَرَّحُوا بِذَلِكَ احْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا مَهْمَا أُوتِيتُمْ مِن كِتَابِ اللَّهِ فَالْعَمَل بِهِ لاَ عُذْرَ لأَِحَدٍ فِي تَرْكِهِ . فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَسُنَّةٌ مِنِّي مَاضِيَةٌ . فَإِنْ لَمْ تَكُنْ سُنَّةٌ مِنِّي فَمَا قَال أَصْحَابِي . إِنَّ أَصْحَابِي بِمَنزِلَةِ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ ، فَأَيُّمَا أَخَذْتُمْ بِهِ اهْتَدَيْتُمْ ، وَاخْتِلاَفُ أَصْحَابِي لَكُمْ رَحْمَةٌ [18] . وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا وَجُعِل اخْتِلاَفُ أُمَّتِي رَحْمَةً وَكَانَ فِيمَن كَانَ قَبْلَنَا عَذَابًا [19] .

وَاسْتَأْنَسُوا لِذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَن بَعْضِ التَّابِعِينَ مِن مِثْل قَوْل الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ: لَقَدْ نَفَعَ اللَّهُ بِاخْتِلاَفِ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي أَعْمَالِهِمْ ، لاَ يَعْمَل الْعَامِل بِعَمَل رَجُلٍ مِنهُمْ إِلاَّ رَأَى أَنَّهُ فِي سَعَةٍ ، وَرَأَى أَنَّ خَيْرًا مِنهُ قَدْ عَمِلَهُ [20] .

وَعَن عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: مَا أُحِبُّ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُول اللَّهِ لَمْ يَخْتَلِفُوا ؛ لأَِنَّهُ لَوْ كَانَ قَوْلًا وَاحِدًا كَانَ النَّاسُ فِي ضِيقٍ ، وَأَنَّهُمْ أَئِمَّةٌ يُقْتَدَى بِهِمْ ، فَلَوْ أَخَذَ أَحَدٌ بِقَوْل رَجُلٍ مِنهُمْ كَانَ فِي سَعَةٍ. [21]

وَعَن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَال: اخْتِلاَفُ أَهْل الْعِلْمِ تَوْسِعَةٌ ، وَمَا بَرِحَ الْمُفْتُونَ يَخْتَلِفُونَ ، فَيُحَلِّل هَذَا وَيُحَرِّمُ هَذَا ، فَلاَ يَعِيبُ هَذَا عَلَى هَذَا ، وَلاَ هَذَا عَلَى هَذَا [22]

وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: الاِخْتِلاَفُ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْفُرُوعِ - لاَ مُطْلَقِ الاِخْتِلاَفِ - مِن آثَارِ الرَّحْمَةِ فَإِنَّ اخْتِلاَفَهُمْ تَوْسِعَةٌ لِلنَّاسِ . قَال: فَمَهْمَا كَانَ الاِخْتِلاَفُ أَكْثَرَ كَانَتِ الرَّحْمَةُ أَوْفَرَ [23] .

وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ لَيْسَتْ مُتَّفَقًا عَلَيْهَا ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَن مَالِكٍ أَنَّهُ قَال . لَيْسَ فِي اخْتِلاَفِ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - سَعَةٌ ، وَإِنَّمَا الْحَقُّ فِي وَاحِدٍ [24] . وَقَال الْمُزَنِيُّ صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ: قَدْ ذَمَّ اللَّهُ الِاخْتِلَافَ فِي غَيْرِ مَا آيَةٍ ، وَلَوْ كَانَ مِن دِينِهِ مَا ذَمَّهُ ، وَلَوْ كَانَ التَّنَازُعُ مِن حُكْمِهِ مَا رَدَّهُ إلَى كِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ، وَلَا أَمَرَ بِإِمْضَاءِ الِاخْتِلَافِ وَالتَّنَازُعِ عَلَى مَا هُمَا بِهِ ، وَمَا حَذَّرَ رَسُولُ اللَّهِ أُمَّتَهُ مِن الْفُرْقَةِ وَأَمَرَهَا بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ .. [25] .

وَتَوَسَّطَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ بَيْنَ الاِتِّجَاهَيْنِ ، فَرَأَى أَنَّ الاِخْتِلاَفَ قَدْ يَكُونُ رَحْمَةً ، وَقَدْ يَكُونُ عَذَابًا . قَال: النِّزَاعُ فِي الْأَحْكَامِ قَدْ يَكُونُ رَحْمَةً إذَا لَمْ يُفْضِ إلَى شَرٍّ عَظِيمٍ مِن خَفَاءِ الْحُكْمِ ؛ وَلِهَذَا صَنَّفَ رَجُلٌ كِتَابًا سَمَّاهُ"كِتَابُ الِاخْتِلَافِ"فَقَالَ أَحْمَد: سَمِّهِ"كِتَابَ السِّعَةِ"وَإِنَّ الْحَقَّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَاحِدٌ وَقَدْ يَكُونُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ بِبَعْضِ النَّاسِ خَفَاؤُهُ لِمَا فِي ظُهُورِهِ مِن الشِّدَّةِ عَلَيْهِ وَيَكُونُ مِن بَابِ قَوْله تَعَالَى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَن أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنهَا وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} (101) سورة المائدة.

وَهَكَذَا مَا يُوجَدُ فِي الْأَسْوَاقِ مِنَ الطَّعَامِ وَالثِّيَابِ قَدْ يَكُونُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مَغْصُوبًا ،فَإِذَا لَمْ يَعْلَمُ الْإِنْسَان بِذَلِكَ كَانَ كُلُّهُ لَهُ حَلَالًا لَا إثْمَ عَلَيْهِ فِيهِ بِحَالِ ؛ بِخِلَافِ مَا إذَا عَلِمَ فَخَفَاءُ الْعِلْمِ بِمَا يُوجِبُ الشِّدَّةَ قَدْ يَكُونُ رَحْمَةً كَمَا أَنَّ خَفَاءَ الْعِلْمِ بِمَا يُوجِبُ الرُّخْصَةَ قَدْ يَكُونُ عُقُوبَةً كَمَا أَنَّ رَفْعَ الشَّكِّ قَدْ يَكُونُ رَحْمَةً وَقَدْ يَكُونُ عُقُوبَةً . وَالرُّخْصَةُ رَحْمَةٌ ،وَقَدْ يَكُونُ مَكْرُوهُ النَّفْسِ أَنْفَعَ كَمَا فِي الْجِهَادِ: { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (216) سورة البقرة [26] .

قلت: الاختلاف رحمة وسيبقى إلى قيام الساعة وذلك للأسباب التالية:

1-يستحيل إزالة أسباب الخلاف إزالة تامة، لأنه يرجع إلى النصوص نفسها فغالبها ليس قطعي الدلالة بل ظني الدلالة .

2-لو شاء الله تعالى لجعل نصوص الشريعة كلها قطعية الدلالة ،لا تحتمل أكثر من معنى ، ولكن لم يشأ ذلك ، فكيف نزيل الخلاف ؟

3-قول ابن حزم رحمه الله ، إذا كان الاختلاف رحمة كان الاتفاق سخطًا ، فهذا الثاني غير لازم قطعًا ولا مراد والاختلاف من طبيعة البشر والحياة والنصوص ، فمن أراد أن يزيله فليغير طبيعة البشر والحياة والنصوص حتى يتسنَّى له ذلك ، ولا يقدر على هذا إلا الله وحده .

10-أَسْبَابُ اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ [27] :

الاِخْتِلاَفُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ نَاشِئًا عَن هَوًى ، أَوْ عَنِ الاِجْتِهَادِ الْمَأْذُونِ فِيهِ .

فَأَمَّا مَا كَانَ نَاشِئًا عَن هَوًى فَهُوَ مَوْضِعُ الذَّمِّ ،قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} (135) سورة النساء ، وقال تعالى: { يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} (26) سورة ص.

إِذْ أَنَّ الْفَقِيهَ تَابِعٌ لِمَا تَدُل عَلَيْهِ الأَْدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ فَإِنْ صَرَفَ الأَْدِلَّةَ إِلَى مَا تَهْوَاهُ نَفْسُهُ فَقَدْ جَعَل الأَْدِلَّةَ تَابِعَةً لِهَوَاهُ [28] . ( وهذا من أكبر الكبائر )

(1) - مجموع الفتاوى الكبرى 19 / 118 - 121

(2) - الموافقات 4 / 216 ، وانظر لتحقيق المسألة: العضد على مختصر ابن الحاجب .

(3) - الموافقات 4 / 217

(4) - فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة .

(5) - إرشاد الفحول ص260 ط مصطفى الحلبي وكشف الخفاء 1 / 65 ، والمغني 2 / 417 ط الأولى بالمنار .

(6) - فيصل التفرقة للغزالي .

(7) - إرشاد الفحول ص 261 ط مصطفي الحلبي .

(8) - مستخلص من رسالة ابن تيمية"رفع الملام عن الأئمة الأعلام"مطبوعة مع مجموع فتاوى ابن تيمية 19 / 232 ، 250 - 257

(9) - الموافقات 4 / 168

(10) - فواتح الرحموت - (ج 2 / ص 345) وشرح رسالة رفع الملام عن الأئمة الأعلام - (ج 1 / ص 4)

(11) - صحيح البخارى (946 )

(12) - مجموع الفتاوى لابن تيمية 9 / 123

(13) - مقدمة في أصول التفسير ص 13 وما بعدها ط مطبعة الترقي بدمشق و مجموع الفتاوى - (ج 13 / ص 345) و (ج 3 / ص 194)

(14) - الموافقات4 / 220

(15) - الميزان الكبرى ص 6

(16) - الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 2 / ص 295) والموافقات للشاطبي 4/125

(17) - الموافقات 4 / 125 ، ورحمة الأمة في اختلاف الأئمة .

(18) - المدخل إلى السنن الكبرى (113 ) والخطيب في الكفاية في علم الرواية (1/48) ، وابن عساكر (22/359) ، والديلمى (4/160 ، رقم 6497) وسنده ضعيف جدا

(19) - قلت: لم يرد من طريق يعول عليه ، فلا أصل له في المرفوع ، جامع الأحاديث - (ج 2 / ص 40) برقم (874) والمقاصد الحسنة للسخاوي - (ج 1 / ص 58) وكشف الخفاء من المحدث - (ج 1 / ص 73) المنثور في القواعد - (ج 3 / ص 34) والبحر المحيط - (ج 8 / ص 140) وقواطع الأدلة في الأصول / للسمعانى - (ج 3 / ص 384)

(20) - جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر برقم (1052 ) وهو صحيح مقطوع

(21) - جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر - (ج 3 / ص 120) والموافقات في أصول الشريعة - (ج 3 / ص 79و83) وبرقم (1055 ) وهو صحيح مقطوع

(22) - المقاصد الحسنة للسخاوي - (ج 1 / ص 58) برقم (39) وكشف الخفاء من المحدث - (ج 1 / ص 73) برقم (153 ) وهو صحيح عنه

(23) - حاشية ابن عابدين 1 / 46

(24) - الموافقات 4 / 129

(25) - البحر المحيط - (ج 6 / ص 203) والموافقات في أصول الشريعة - (ج 3 / ص 75)

(26) - مجموع الفتاوى - (ج 14 / ص 159)

(27) - فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 9 / ص 3703) و (ج 10 / ص 822) وفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - (ج 5 / ص 161) والموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 2 / ص 296) والفقه الإسلامي وأدلته - (ج 1 / ص 64)

(28) - إحياء علوم الدين ط المكتبة التجارية 1 / 42

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت