فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 60

إِذَا رَوَى رَجُلٌ عَن شَيْخٍ حَدِيثًا يَقْتَضِي حُكْمًا مِنَ الْأَحْكَامِ , فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ , لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَرْحًا مِنهُ لِلشَّيْخِ , لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَرَكَ الْعَمَلَ بِالْخَبَرِ لِخَبَرٍ آخَرَ يُعَارِضُهُ , أَوْ عُمُومٍ , أَوْ قِيَاسٍ , أَوْ لِكَوْنِهِ مَنسُوخًا عِنْدَهُ , أَوْ لِأَنَّهُ يَرَى أَنَّ الْعَمَلَ بِالْقِيَاسِ أَوْلَى مِنهُ , وَإِذَا احْتَمَلَ ذَلِكَ لَمْ يُجْعَلْ قَدْحًا فِي رَاوِيهِ وَمِثْلُ هَذَا (288 ) مَا أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيُّ ، ثنا أَبُو عَلِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ اللُّؤْلُؤِيُّ ، ثنا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ , عَن مَالِكٍ , عَن نَافِعٍ , عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا , إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ"فَهَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ , وَزَعَمَ أَنَّهُ رَأَى أَهْلَ الْمَدِينَةِ عَلَى الْعَمَلِ بِخِلَافِهِ , فَلَمْ يَكُنْ تَرْكُهُ الْعَمَلَ بِهِ قَدْحًا فِي نَافِعٍ"."

وكذلك مثل َاشْتِرَاطِ بَعْضِهِمْ انْتِشَارَ الْحَدِيثِ وَظُهُورَهُ إذَا كَانَ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلوَى

قال الإمام الغزاليُّ [1] :

""مَسْأَلَةٌ خَبَرُ الْوَاحِدِ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلوَى مَقْبُولٌ خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ وَبَعْضِ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا نَقَلَهُ الْعَدْلُ وَصِدْقُهُ فِيهِ مُمْكِنٌ وَجَبَ تَصْدِيقُهُ ، فَمَسُّ الذَّكَرِ مَثَلًا نَقَلَهُ الْعَدْلُ وَصِدْقُهُ فِيهِ مُمْكِنٌ فَإِنَّا لَا نَقْطَعُ بِكَذِبِ نَاقِلِهِ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ انْفَرَدَ وَاحِدٌ بِنَقْلِ مَا تُحِيلُ الْعَادَةُ فِيهِ أَنْ لَا يَسْتَفِيضَ كَقَتْلِ أَمِيرٍ فِي السُّوقِ وَعَزْلِ وَزِيرٍ وَهُجُومٍ فِي الْجَامِعِ مَنَعَ النَّاسَ مِن الْجُمُعَةِ أَوْ كَخَسْفٍ أَوْ زَلْزَلَةٍ أَوْ انْقِضَاضِ كَوْكَبٍ عَظِيمٍ وَغَيْرِهِ مِن الْعَجَائِبِ ، فَإِنَّ الدَّوَاعِيَ تَتَوَفَّرُ عَلَى إشَاعَةِ جَمِيعِ ذَلِكَ وَيَسْتَحِيلُ انْكِتَامُهُ ، وَكَذَلِكَ الْقُرْآنُ لَا يُقْبَلُ فِيهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ لِعِلْمِنَا بِأَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - تَعَبَّدَ بِإِشَاعَتِهِ وَاعْتَنَى بِإِلْقَائِهِ إلَى كَافَّةِ الْخَلْقِ ، فَإِنَّ الدَّوَاعِيَ تَتَوَفَّرُ عَلَى إشَاعَتِهِ وَنَقْلِهِ لِأَنَّهُ أَصْلُ الدِّينِ ، وَالْمُنْفَرِدُ بِرِوَايَةِ سُورَةٍ أَوْ آيَةٍ كَاذِبٌ قَطْعًا ، فَأَمَّا مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلوَى فَلَا نَقْطَعُ بِكَذِبِ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِيهِ .

فَإِنْ قِيلَ: بِمَ تُنْكِرُونَ عَلَى مَن يَقْطَعُ بِكَذِبِهِ ؛ لِأَنَّ الْخَارِجَ مِن السَّبِيلَيْنِ لَمَّا كَانَ الْإِنْسَانُ لَا يَنْفَكُّ عَنهُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مِرَارًا وَكَانَتْ الطَّهَارَةُ تَنْتَقِضُ بِهِ لَا يَحِلُّ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ لَا يَشِيعَ حُكْمَهُ وَيُنَاجِيَ بِهِ الْآحَادَ ؛ إذْ يُؤَدِّي إلَى إخْفَاءِ الشَّرْعِ وَإِلَى أَنْ تَبْطُلَ صَلَاةُ الْعِبَادِ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ، فَتَجِبُ الْإِشَاعَةُ فِي مِثْلِهِ ثُمَّ تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ ، وَكَذَلِكَ مَسُّ الذَّكَرِ مِمَّا يَكْثُرُ وُقُوعُهُ فَكَيْفَ يَخْفَى حُكْمُهُ ؟ قُلْنَا: هَذَا يَبْطُلُ أَوَّلًا بِالْوَتْرِ وَحُكْمِ الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ وَالْقَهْقَهَةِ وَوُجُوبِ الْغُسْلِ مِن غُسْلِ الْمَيِّتِ وَإِفْرَادِ الْإِقَامَةِ وَتَثْنِيَتِهَا وَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلوَى وَقَدْ أَثْبَتُوهَا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ.

فَإِنْ زَعَمُوا أَنْ لَيْسَ عُمُومُ الْبَلوَى فِيهَا كَعُمُومِهَا فِي الْأَحْدَاثِ ، فَنَقُولُ: فَلَيْسَ عُمُومُ الْبَلوَى فِي اللَّمْسِ وَالْمَسِّ كَعُمُومِهَا فِي خُرُوجِ الْأَحْدَاثِ ، فَقَدْ يَمْضِي عَلَى الْإِنْسَانِ مُدَّةٌ لَا يَلْمِسُ وَلَا يَمَسُّ الذَّكَرَ إلَّا فِي حَالَةِ الْحَدَثِ كَمَا لَا يَفْتَصِدُ وَلَا يَحْتَجِمُ إلَّا أَحْيَانًا فَلَا فَرْقَ .

وَالْجَوَابُ الثَّانِي وَهُوَ التَّحْقِيقُ: أَنَّ الْفَصْدَ وَالْحِجَامَةَ وَإِنْ كَانَ لَا يَتَكَرَّرُ كُلَّ يَوْمٍ وَلَكِنَّهُ يَكْثُرُ ، فَكَيْفَ أُخْفِيَ حُكْمُهُ حَتَّى يُؤَدِّيَ إلَى بُطْلَانِ صَلَاةِ خَلْقٍ كَثِيرٍ ؟ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ الْأَكْثَرَ فَكَيْفَ وَكُلُّ ذَلِكَ إلَى الْآحَادِ ؟ وَلَا سَبَبَ إلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُكَلِّفْ رَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم - إشَاعَةَ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ ، بَل كَلَّفَهُ إشَاعَةَ الْبَعْضِ وَجَوَّزَ لَهُ رَدَّ الْخَلْقِ إلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الْبَعْضِ ، كَمَا جَوَّزَ لَهُ رَدَّهُمْ إلَى الْقِيَاسِ فِي قَاعِدَةِ الرِّبَا ، وَكَانَ يَسْهُلُ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ: لَا تَبِيعُوا الْمَطْعُومَ بِالْمَطْعُومِ أَوْ الْمَكِيلَ بِالْمَكِيلِ ، حَتَّى يُسْتَغْنَى عَن الِاسْتِنْبَاطِ مِن الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلوَى مَن جُمْلَةِ مَا تَقْتَضِي مَصْلَحَةُ الْخَلْقِ أَنْ يَرُدُّوا فِيهِ إلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ وَلَا اسْتِحَالَةَ فِيهِ ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ صِدْقُ الرَّاوِي مُمْكِنًا فَيَجِبُ تَصْدِيقُهُ ، وَلَيْسَ عِلَّةُ الْإِشَاعَةِ عُمُومَ الْحَاجَةِ أَوْ نُدُورَهَا ، بَل عِلَّتُهُ التَّعَبُّدُ وَالتَّكْلِيفُ مِن اللَّهِ ، وَإِلَّا فَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ كَثِيرٌ كَالْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ كَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْأَكْثَرُ فِي كَوْنِهِ شَرْعًا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَخْفَى .

فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الضَّابِطُ لِمَا تَعَبَّدَ الرَّسُولُ - صلى الله عليه وسلم - فِيهِ بِالْإِشَاعَةِ ؟ قُلْنَا: إنْ طَلَبْتُمْ ضَابِطًا لِجَوَازِهِ عَقْلًا فَلَا ضَابِطَ بَل لِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يَفْعَلَ فِي تَكْلِيفِ رَسُولِهِ مِن ذَلِكَ مَا يَشَاءُ ، وَإِنْ أَرَدْتُمْ وُقُوعَهُ فَإِنَّمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ مِن فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - .

وَإِذَا اسْتَقْرَيْنَا السَّمْعِيَّاتِ وَجَدْنَاهَا أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ ، الْأَوَّلُ: الْقُرْآنُ ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ عُنِيَ بِالْمُبَالَغَةِ فِي إشَاعَتِهِ .

الثَّانِي: مَبَانِي الْإِسْلَامِ الْخَمْسُ ، كَكَلِمَتَيْ الشَّهَادَةِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَقَدْ أَشَاعَهُ إشَاعَةً اشْتَرَكَ فِي مَعْرِفَتِهِ الْعَامُّ وَالْخَاصُّ .

الثَّالِثُ: أُصُولُ الْمُعَامَلَاتِ الَّتِي لَيْسَتْ ضَرُورِيَّةً مِثْلُ أَصْلِ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَيْضًا قَدْ تَوَاتَرَ ، بَل كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالِاسْتِيلَادِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْكِتَابَةِ ، فَإِنَّ هَذَا تَوَاتَرَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَامَتْ بِهِ الْحُجَّةُ الْقَاطِعَةُ إمَّا بِالتَّوَاتُرِ وَإِمَّا بِنَقْلِ الْآحَادِ فِي مَشْهَدِ الْجَمَاعَاتِ مَعَ سُكُوتِهِمْ ، وَالْحُجَّةُ تَقُومُ بِهِ ، وَلَكِنَّ الْعَوَامَّ لَمْ يُشَارِكُوا الْعُلَمَاءَ فِي الْعِلْمِ ، بَل فَرْضُ الْعَوَامّ فِيهِ الْقَبُولُ مِن الْعُلَمَاءِ .

الرَّابِعُ: تَفَاصِيلُ هَذِهِ الْأُصُولِ ، فَمَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ وَالْعِبَادَاتِ وَيَنْقُضُ الطَّهَارَةَ مِن اللَّمْسِ وَالْمَسِّ وَالْقَيْءِ وَتَكْرَارِ مَسْحِ الرَّأْسِ ، فَهَذَا الْجِنْسُ مِنهُ مَا شَاعَ وَمِنهُ مَا نَقَلَهُ الْآحَادُ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلوَى ، فَمَا نَقَلَهُ الْآحَادُ فَلَا اسْتِحَالَةَ فِيهِ وَلَا مَانِعَ ، فَإِنَّ مَا أَشَاعَهُ كَانَ يَجُوزُ أَنْ لَا يُتَعَبَّدَ فِيهِ بِالْإِشَاعَةِ ، وَمَا وَكَّلَهُ إلَى الْآحَادِ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يُتَعَبَّدَ فِيهِ بِالْإِشَاعَةِ ، لَكِنَّ وُقُوعَ هَذِهِ الْأُمُورِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّعَبُّدَ وَقَعَ كَذَلِكَ فَمَا كَانَ يُخَالِفُ أَمَرَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي شَيْءٍ مِن ذَلِكَ . هَذَا تَمَامُ الْكَلَامِ فِي الْأَخْبَارِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .اهـ

إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي مَوَاضِعِهِ.

قلت": ومثله حديث عَمْرٍو سَمِعَ جَابِرًا قَالَ دَخَلَ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - يَخْطُبُ فَقَالَ: « أَصَلَّيْتَ » . قَالَ: لاَ . قَالَ: « فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ » [2] ."

فقد ردَّ هذا الحديث الصحيح بعض الفقهاء [3]

ومثله حديث المصراة ، عن أبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « مَنِ اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً فَاحْتَلَبَهَا ، فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا ، وَإِنْ سَخِطَهَا فَفِى حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِن تَمْرٍ » [4] .

فقد ردَّ العمل بهذا الحديث فريق من الفقهاء ، بحجة مخالفته للقياس!! [5]

وقال الشوكاني:

"ولا يضرُّه كونُه في الحدودِ والكفاراتِ خلافًا للكرخي منَ الحنفية وأبي عبد الله البصري في أحدِ قوليه [6] ، ولا وجهَ لهذا الخلافِ ، فهو خبرُ عدلٍ في حكمٍ شرعيٍّ ، ولم يثبتْ في الحدودِ والكفاراتِ دليلٌ يخصُّها منْ عموم الأحكامِ الشرعيةِ ، واستدلالهم بحديث إدرأوا الحدود بالشبهات [7] باطلٌ فالخبرُ الموجبُ للحدِّ يدفعُ الشبهةَ على فرضِ وجودها ، ولا يضرُّه أيضًا كونُه زيادةٌ على النصِّ القرآنيِّ أو السنَّةِ القطعيةِ خلافًا للحنفيةِ فقالوا:إنَّ خبرَ الواحد إذا وردَ بالزيادةِ في حكمِ القرآنِ أو السنَّة القطعيةِ كانَ نسخًا لا يقبلُ ، والحقُّ القبولُ لأنها زيادةٌ غيرُ منافيةٍ للمزيدِ [8] ، فكانتْ مقبولةً ودعوى أنها ناسخةٌ ممنوعةٌ ،وهكذا إذا وردَ الخبرُ مخصصًا للعامِّ منْ كتابٍ أو سنَّةٍ ، فإنّهُ مقبولٌ ويبنىَ العامُّ على الخاصِّ خلافًا لبعض الحنفيةِ، وهكذا إذا وردَ مقيِّدًا لمطلقِ الكتابِ أو السنَّةِ القطعيةِ ."

ولا يضرُّه كونُ راويِه انفردَ بزيادةٍ فيه على ما رواهُ غيرُه إذا كان عدلًا ، فقد يحفظُ الفردُ ما لا يحفظُه الجماعةُ ،وبه قال الجمهورُ إذا كانتْ تلكَ الزيادةُ غيرَ منافيةٍ للمزيدِ . أمَّا إذا كانتْ منافيةً فالترجيحُ ، وروايةُ الجماعةِ أرجحُ من روايةِ الواحدِ ، وقيلَ: لا تقبلُ روايةُ الواحدِ إذا خالفتْ روايةَ الجماعةِ وإنْ كانتْ تلك الزيادةُ غيرَ منافيةٍ للمزيدِ إذا كان مجلسُ السَّماعِ واحدًا وكانتِ الجماعةُ بحيثُ لا يجوزُ عليهمُ الغفلةُ عن مثلِ تلك الزيادةِ ، وأمَّا إذا تعددَ مجلسُ السَّماع فتقبلُ تلكَ الزيادةُ بالاتفاقِ ، ومثلُ انفرادِ العدلِ بالزيادةِ انفرادُه برفعِ الحديثِ إلى رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الذي وقفَهُ الجماعةُ ، وكذا انفرادُه بإسنادِ الحديثِ الذي أرسلوهُ وكذا انفرادُه بوصلِ الحديثِ الذي قطعوه ، فإنَّ ذلك مقبولٌ منه لأنهُ زيادةٌ على ما رووهُ وتصحيحٌ لما أعلُّوه ، ولا يضرُّه أيضًا كونُه خارجًا مخرجَ ضربِ الأمثالِ . ورويَ عن إمامِ الحرمين أنهُ لا يقبلُ لأنهُ موضعُ تجوُّزٍ ، فأجيبَ عنه بأنهُ وإنْ كانَ موضعَ تجوُّزٍ فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لا يقولُ إلا حقًّا لمكانِ العصمةِ .اهـ

السَّبَبُ الْخَامِسُ

أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ قَدْ بَلَغَهُ وَثَبَتَ عِنْدَهُ لَكِنْ نَسِيَهُ

وَهَذَا يَرِدُ فِي الْكِتَابِ والسُّنَّة مِثْلَ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ عَن سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَن أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا أَتَى عُمَرَ فَقَالَ إِنِّى أَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدْ مَاءً. فَقَالَ لاَ تُصَلِّ. فَقَالَ عَمَّارٌ أَمَا تَذْكُرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ أَنَا وَأَنْتَ فِى سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا فَلَمْ نَجِدْ مَاءً فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فِى التُّرَابِ وَصَلَّيْتُ. فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: « إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الأَرْضَ ثُمَّ تَنْفُخَ ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ » . فَقَالَ عُمَرُ اتَّقِ اللَّهَ يَا عَمَّارُ . قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ شِئْتَ لَمْ أَذْكُرْهُ مَا عِشْتُ أَوْ مَا حَيِيتُ. قَالَ كَلاَّ وَاللَّهِ وَلكِنْ نُوَلِّيكَ مِن ذَلِكَ مَا تَوَلَّيْتَ [9] .

فَهَذِهِ سُنَّةٌ شَهِدَهَا عُمَرُ ثُمَّ نَسِيَهَا حَتَّى أَفْتَى بِخِلَافِهَا وَذَكَّرَهُ عَمَّارُ فَلَمْ يَذْكُرْ وَهُوَ لَمْ يُكَذِّبْ عَمَّارًا بَل أَمَرَهُ أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ.

قال الإمام النووي [10] :"مَعْنَاهُ قَالَ عُمَر لِعَمَّارٍ: اِتَّقِ اللَّه تَعَالَى فِيمَا تَرْوِيه وَتُثْبِت . فَلَعَلَّك نَسِيت ، أَوْ اِشْتَبَهَ عَلَيْك الْأَمْر . وَأَمَّا قَوْل عَمَّار إِنْ شِئْت لَمْ أُحَدِّث بِهِ فَمَعْنَاهُ ، وَاَللَّه أَعْلَم ؛ إِنْ رَأَيْت الْمَصْلَحَة فِي إِمْسَاكِي عَن التَّحْدِيث بِهِ رَاجِحَة عَلَى مَصْلَحَة تَحْدِيثِي بِهِ أَمْسَكْت ، فَإِنَّ طَاعَتك وَاجِبَة عَلَيَّ فِي غَيْر الْمَعْصِيَة ، وَأَصْل تَبْلِيغ هَذِهِ السُّنَّة وَأَدَاء الْعِلْم قَدْ حَصَلَ ، فَإِذَا أَمْسَكَ بَعْد هَذَا لَا يَكُون دَاخِلًا فِيمَن كَتَمَ الْعِلْم . وَيَحْتَمِل أَنَّهُ أَرَادَ إِنْ شِئْت لَمْ أُحَدِّث بِهِ تَحْدِيثًا شَائِعًا بِحَيْثُ يَشْتَهِر فِي النَّاس ، بَل لَا أُحَدِّث بِهِ إِلَّا نَادِرًا . وَاَللَّه أَعْلَم ."ا.هـ

أما القول إن عمر خالف بهذا المذهب ظاهر القرآن ، فالجواب أنه كان متأولًا في ذلك ،إذ كان يعتقد أن الجنب لا يدخلُ في المعنى المراد بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} (43) سورة النساء، فكان يذهب إلى أن الملامسة ما دون الجماع ، وكان مجتهدًا في ذلك ، ولم تبلغه الأحاديث الخاصة في ذلك السالمة من المعارضة ، مثل حديث أبي ذر. وفي ذلك كما يقول ابن كثير:"ما يدلكَ على أن أخبار الآحاد العدول من علم الخاصة قد يخفى على الجليل من العلماء منها الشيء، فليس فيما ذهب إليه عمر ما يحط من قدره ، طالما أنه قال على سبيل الاجتهاد ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: « إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ » [11] "

قلت: وقد زعم بعض الناس أن عمر رضي الله عنه قد خالف القرآن الكريم و أمر بغير شرع الله ،فليس: لهؤلاء متمسك في هذا الأثر على أن عمر - رضي الله عنه - أمر بغير شرع الله - حاشاه من ذلك - وإذا كان هذا - أعني دعوى الأمر بغير شرع الله - لا يتصور في آحاد الصالحين من هذه الأمة، فكيف يتصور ذلك في الخليفة الراشد الذي أجمعت الأمة في وقته على صحة خلافته؟ ولكنه الهوى والتعصب يجعل من الأسود أبيض ومن الأبيض أسود!! نعوذ بالله من الهوى.

واعلم أنه ما من أحد من العلماء - إلا ما ندر - إلا وله من الأقوال والآراء ما يخالف فيه السنَّة، نظرًا لأنَّ السنَّة لا يمكن لأحد أن يحيط بها إحاطة تامة، بحيث لا يشذ عنه منها شيء، هذا لم يقع لكبار الصحابة - رضي الله عنهم - فضلًا عن غيرهم ممن أتى بعدهم، ومع ذلك فلم يقل أحد من العلماء: إن مخالفة عالم للسنَّة - بسبب خفائها عليه أو لعذر غيره - إن ذلك من تبديل شرع الله تعالى.

ولهذا لم يقل أحد من الأئمة إن عليًا - رضي الله عنه - قد بدَّل الشريعة حينما قال: إن المتوفى عنها زوجها تعتدُّ بأطول الأجلين ، لمخالفة قوله هذا للسنَّة الصحيحة الصريحة في حديث سبيعة الأسلمية - رضي الله عنها - والتي أفتاها النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنها انقضت عدتها بمجرد وضع حملها؟

فعَن يَزِيدَ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ كَتَبَ إِلَيْهِ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ عَن أَبِيهِ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى ابْنِ الأَرْقَمِ أَنْ يَسْأَلَ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةَ كَيْفَ أَفْتَاهَا النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَتْ أَفْتَانِى إِذَا وَضَعْتُ أَنْ أَنْكِحَ" [12] ."

وعَن يَحْيَى ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ جَالِسٌ عِنْدَهُ ، فَقَالَ: أَفْتِنِي فِي امْرَأَةٍ وَلَدَتْ بَعْدَ زَوْجِهَا بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: آخِرُ الأَجَلَيْنِ ، قُلْتُ أَنَا: وَأُولاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي - يَعْنِي أَبَا سَلَمَةَ - فَأَرْسَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ غُلاَمَهُ كُرَيْبًا إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ يَسْأَلُهَا ، فَقَالَتْ:"قُتِلَ زَوْجُ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةِ وَهِيَ حُبْلَى ، فَوَضَعَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، فَخُطِبَتْ فَأَنْكَحَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَكَانَ أَبُو السَّنَابِلِ فِيمَن خَطَبَهَا" [13]

بل أهل العلم يعتبرون هذا من جملة الاجتهادات التي يعذر فيها صاحبها، ولا يوافق على قوله، وتمثِّلُ هذه الطريقة تعامل أهل العلم المنصفين مع اجتهادات العلماء التي تبين خطؤها، سواء كان العالم من الصحابة - رضي الله عنهم - وهم أولى الناس بالتماس الأعذار - أو مع غيرهم.

وبخصوص حديث عمر هذا، فإن قول عمر - رضي الله عنه - له سبب - كما قال ابن عبد البر في"التمهيد (19/273) : (وذلك أن عمر - رضي الله عنه - كان يذهب إلى أن الجنب لا يجزيه إلا الغسل بالماء، فلما أخبره عمار - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: بأن التيمم يكفيه، سكت عنه ولم ينهه، فلما لم ينهه علمنا أنه قد وقع بقلبه تصديق عمار - رضي الله عنه -، لأن عمارًا - رضي الله عنه - قال له: إن شئت لم أذكره، ولو وقع في قلبه تكذيب عمار لنهاه، لما كان الله قد جعل في قلبه من تعظيم حرمات الله، ولا شيء أعظم من الصلاة، وغير متوهم عن عمر أن يسكت على صلاة تصلَّى عنده بغير طهارة، وهو الخليفة المسؤول عن العامة، وكان أتقى الناس لربه وأصلحهم لهم في دينهم في ذلك الوقت رضي الله عنه"انتهى كلام ابن عبد البر رحمه الله.

فتحصل من كلامه رضي الله عنه أمران:

(1) - في المستصفى - (ج 1 / ص 342) وانظر:أصول السرخسي - (ج 1 / ص 369) والأحكام للآمدي - (ج 2 / ص 113) والمحصول - (ج 5 / ص 442) والتقرير والتحبير - (ج 4 / ص 268) وكتب وليد بن راشد السعيدان - (ج 3 / ص 18) القاعدة الثانية ( خبر الآحاد معتمد فيما تعم به البلوى) وتيسير التحرير - (ج 3 / ص 160-164) والمدخل إلى مذهب الإمام أحمد - الرقمية - (ج 1 / ص 103) والمسودة - الرقمية - (ج 1 / ص 238)

(2) - صحيح البخارى برقم (931 ) ومسلم برقم (2057 )

(3) - وانظر شرحه مفصلا في طرح التثريب - (ج 4 / ص 73 فما بعدها) والموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 27 / ص 205)

(4) - أخرجه البخاري برقم (2151 ،2140 ، 2148 ، 2150 ، 2160 ، 2162 ، 2723 ، 2727 ، 5144 ، 5152 ) ومسلم برقم (3907 -3909) - المصراة: الشاة يجمع اللبن في ضرعها عند إرادة البيع فتبدو أنها كثيرة اللبن

(5) - انظر قول ابن القيم في إعلام الموقعين (ج 2 / ص 73) فَصْلٌ: [ بَيَانُ أَنَّ الْمُصَرَّاةَ عَلَى وَفْقِ الْقِيَاسِ ] و انظر المسألة مفصلة في الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 12 / ص 74-77)

(6) - قال الزركشي في البحر المحيط - (ج 5 / ص 418) : مَسْأَلَةٌ [ رَدُّ الْحَدِيثِ إذَا كَانَ فِي الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ ] وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ فِي الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَمِنهُمْ أَبُو يُوسُفَ ، وَأَبُو بَكْرٍ الرَّازِيَّ مِن الْحَنَفِيَّةِ ، وَاخْتَارَهُ الْجَصَّاصُ ، قَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ: وَهُوَ آخِرُ قَوْلَيْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ ، وَخَالَفَ الْكَرْخِيّ مِن الْحَنَفِيَّةِ ، فَلَمْ يَقْبَلْهُ ؛ لِأَنَّهُ يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ رَاوِيَهُ كَذَبَ أَوْ سَهَا أَوْ أَخْطَأَ ، فَكَانَ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْحَدِّ ، وَهَذَا يُشْكِلُ بِإِثْبَاتِ الْحَدِّ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ ، وَقَوْلِ الْمُفْتِي .

(7) - ورد عن عائشة الترمذي (1424) والبيهقي فس السنن الكبرى 8/238 والحاكم في المستدرك4/384 والدارقطني 3/84 وبنحوه عبد الرزاق في المصنف (18698 و13641 و13640) عن إبراهيم وابن مسعود وعمر ، فهو حسن لغيره

(8) - وفي البحر المحيط - (ج 5 / ص 419) : مَسْأَلَةٌ [ رَدُّ الْحَدِيثِ بِدَعْوَى أَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ] وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ زِيَادَةً عَلَى النَّصِّ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ فِي أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إذَا وَرَدَ بِالزِّيَادَةِ فِي حُكْمِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الْقَطْعِيَّةِ كَانَ نَسْخًا لَا يُقْبَلُ ، كَالْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَنَحْوِهِ ، وَسَبَقَ فِي النَّسْخِ .

(9) - صحيح مسلم برقم (846 ) وأحمد برقم ( 19395) ومصنف عبد الرزاق - (ج 1 / ص 163) برقم (915) = تمعكت: تقلبت في التراب

(10) - شرحه على مسلم - (ج 2 / ص 85)

(11) - أخرجه البخاري برقم (7352 ) ومسلم برقم ( 4584 )

(12) - صحيح البخارى (5319 )

(13) - البخاري ( 4909) ومسلم (3796 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت