ناقش الحجوي زعم بعض الفرنج أنها متباعدة كتباعد فرق النصارى والكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس، وكتباعد الفرق اليهودية النسطورية والسامرية ونحوها، وهذا ضلال مبين يراد به التضليل، فإن فرق النصارى يكفر بعضهم بعضًا، ولا يعده من النصرانية في شيء، ولا يقتدي به، حتى إنه لا يصلي هذا في كنيسة ذاك، وكذلك فرق اليهود، وكم وقعت بينهم من معارك وسالت من دماء.
ثم قال: أما مذاهبنا، فليست كذلك بل يقتدي بعضهم ببعض، ويعتبر كل واحد أخاه مسلمًا، نعم يعتقد أنه مخطئ في بعض من المسائل غير معين على القول بعدم تصويب المجتهدين، أما على القول به، فالكل على صواب في كل المسائل، وليس البون بينهم بعيدًا، إذ لم يكن بينهم خلاف في العقائد وإنما هو خلاف ثانوي في الفروع فقط التي هي محل الاجتهاد يأخذ فيها كل واحد بما قام عليه الدليل عنده للاكتفاء في أدلتها بالظنيات، ولذلك كان كل واحد من الأئمة يجل الآخر، فقد أخذ أبو حنيفة عن مالك ، كما أخذ مالك عنه، وأخذ الشافعي عن مالك ، وقال فيه: جعلته حجة بيني وبين ربي ، وأخذ ابن حنبل عن الشافعي ، وأثنى بعضهم على بعض علمًا ودينًا، وهكذا كان جلة أصحابهم بعضهم مع بعض، ولم يقع بينهم الخلاف في كل فرع، بل في بعض الفروع التي قامت لكل حجة على رأيه [1] .
وقال محمد أبو زهرة: (الخلاف فيما يتعلق بالعقائد والفقه، لم يتجاوز الحد النظري والاتجاه الفكري، فإن العلماء الذين تصدوا لهذا لم يجرِ بينهم خلاف أدى إلى امتشاق الحسام، وطبيعة حياتهم العلمية لا تسمح لهم بأن ينقلوا الخلاف من ميدان القول إلى ميدان العمل ، ولم يكن الاختلاف النظري ليصل في حدته إلى أن يجعلوه عمليًّا، ولم تظهر الحدة إلا في أن يحكم كل واحد على الآخرين بالخطأ أو الابتداع، بل إن الاختلاف في الفقه لم يتجاوز حد اختلاف وجهة النظر، حتى إن كل فريق من المختلفين يقول:(رأينا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب) [2] .
هذا وقد أورد ابن تيمية تفصيلًا حسنًا في إطلاق الصواب على كل مجتهد في الظاهر، فقال: اختلف فيمن لم يصب الحكم الباطن: هل يقال: إنه مصيب في الظاهر، لكونه أدى الواجب المقدور عليه من اجتهاده وقصده، أو لا يطلق عليه اسم الإصابة بحال؟ وإن كان له أجر على اجتهاده وقصده الحق؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد ، وذلك لأنه لم يصب الحكم الباطن ولكن قصد الحق، واجتهد الاجتهاد المأمور به. والتحقيق أنه إن اجتهد الاجتهاد المقدور عليه فهو مصيب من هذا الوجه من جهة المأمور المقدور، وإن لم يكن مصيبًا من جهة إدراك المطلوب وفعل المأمور المطلق [3] .
21-إنصاف الأئمة المجتهدين:
امتنع الإمام مالك عن موافقة المنصور والرشيد في رغبتهما حمل الناس كلهم على مذهبه، وفي ذلك يقول مالك: ( لما حج المنصور قال لي: إني قد عزمت على أن آمر بكتبك هذه التي وضعتها فتنسخ، ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين منها بنسخة، وآمرهم أن يعملوا بما فيها، ولا يتعدوه إلى غيره. فقلت: يا أمير المؤمنين، لا تفعل هذا، فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم ودانوا به من اختلاف الناس، فدع الناس وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم) [4] ، ويقول أيضًا: شاورني هارون الرشيد في أن يعلق (الموطأ) في الكعبة، ويحمل الناس على ما فيه فقلت: لا تفعل، فإن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اختلفوا في الفروع، وتفرقوا في البلدان، وكل عند نفسه مصيب، فقال: وفقك الله يا أبا عبد الله [5] .
22-التثبت من نسبة الاختلاف:
لابد من التوثق في نسبة المسائل الخلافية إلى الأئمة، فهناك كثير من الأخطاء الناشئة عن التوهم أو النقل المتتابع أو بالتعلق الشائع. والطريقة العلمية هي نسبة ذلك الخلاف إلى كتب موثوقة الصلة بالإمام أو المذهب . ويلحظ أنه كثيرًا ما تختلف كتب المذهب نفسه في شأن بعض المسائل، فيرى فيها بعض المؤلفين ما لا يراه غيره، وربما تصبح الكتب المثبتة نادرة، أو تنقرض بعد نقل المسألة منها، فتحدث الفجوة بخلو الكتب المتداولة عن المسألة أو نفيها أحيانًا، وهذا يحدث بين أصحاب المذهب الواحد فلا يستغرب، فإذا انتقل ذلك لما بين المذاهب وقع النقد والنكير، ولاسيما في الأوساط الفقهية التي يغلب فيها تبدل الاجتهادات أو تجددها.
وعلى سبيل المثال فإن ابن حزم [6] قال: (ومن الإمامية من يجيز نكاح تسع نسوة، ومنهم من يحرم الكرنب(كالقنبيط) لأنه نبت على دم الحسين، ولم يكن قبل ذلك) وقد قال الشيخ عبد الحسين شرف الدين [7] في معرض النقد لنسبة ذلك للشيعة: (ما زاد على أربع؛ أجمع الإمامية نصًا وفتوى على حرمته، والكرنب ليس عنه في كتبهم عنوان مخصوص، وحكمه كالخس والفجل واللفت. ثم قال شرف الدين: نسبوا للشيعة أنهم لا يأكلون لحم الإبل؛ مع أن الجزر تنحر في مشاهد أئمتهم! حتى إنهم لا يفتون بكراهة لحمها كما يفتون بكراهة الخيل والبغال والحمير. وكذلك عدم إيجاب العدة على النساء، مع أنهم أحوط فيها بحيث تبدأ لديهم مع العلم بالوفاة لا من نفس الوفاة، وإذا مات وهي حامل تتربص بأبعد الأجلين) .
23-أدب الاختلاف وأخلاقيات نقله ودراسته:
الواقع أن هناك سببًا تاريخيًّا لأوهام النقل عن المذاهب، حيث ينسب إليها ما يتبرأ منه أصحاب المذهب نفسه، وهو وجود الغلاة في بعض المذاهب وعدم التمييز بين ما ينتحلونه من أقوال، وبين المعتدلين من أصحاب المذهب نفسه، وفي ذلك يقول الشيخ محمد تقي القمي: ثم إن هناك مبدأ علميًّا هامًَّا متفقًا عليه بين الباحثين الراسخين، ذلك هو أن الإنصاف والأمانة العلمية، تحتمان على الباحث أن يستقي ما يريده من المعلومات من مصادره الصحيحة، وأنه ما دامت المراجع المعتمدة لمذهب ما ميسرة، فلا يسوغ الرجوع إلى غيرها، ولاسيما إذا كانت تستند إلى الشائعات، أو تصدر عن عصبيات، وإنه لمن الخير أن يطبق أهل العلم في كل مذهب هذا المبدأ، وعندئذ سيتجلى لمن يدرس مذهب الإمامية، ويعرف آراءهم من الواقع الماثل أمامه، أي خير وأي علم في هذا المذهب، ثم يتجلى له مدى التجني الذي ناله من المتحيزين أو المتعصبين عليه، حتى خلطوا بين الغلاة الذين ينتحلون وصف الشيعة، وبين الشيعة أنفسهم الذين يبرؤون إلى الله منهم، ويحكمون بكفرهم. وكم من كتب خلطت بين الشيعة والفرق البائدة التي لا وجود لها إلا في زوايا التاريخ، أو في تفكير المتحيزين [8] .
هذا، وإن التقسيم الرباعي الغالب هو: العبادات مع الحلال والحرام من الأشياء، والمعاملات المالية ، والأنكحة وما يتعلق بها ( الأحوال الشخصية ) ، والعقوبات مع الأقضية، وهذا التقسيم الرباعي هو المتبع في كتب المذاهب الأربعة والزيدية والإباضية والظاهرية، على اختلاف في تقديم بعض الزمر على بعض، وفي محتوى كل زمرة.
أما الإمامية فيقول الشيخ محمد تقي القمي ما نصه: جرت العادة عند المؤلفين من فقهاء الإمامية أن يقسموا الموضوعات الفقهية إلى أربعة أقسام: (العبادات، العقود، الإيقاعات، الأحكام) ولعل وجه الحصر أن المبحوث عنه في الفقه إما أن يتعلق بالأمور الأخروية، أي معاملة العبد ربه، أو الدنيوية. فإن كان الأول فهو (عبادات) ، أما الثاني فإما أن يحتاج إلى صيغة أو لا، فغير المحتاج إلى صيغة هو الأحكام؛ كالديات والميراث والقصاص والأطعمة، وما يحتاج إلى صيغة فقد يكون من الطرفين أو من طرف واحد، فمن طرف واحد يسمى (الإيقاعات) كالطلاق والعتق، ومن الطرفين يسمى (العقود) ويدخل فيها المعاملات والنكاح.
ثم قال: فقسم العبادات يبدأ بكتاب الطهارة وينتهي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقسم العقود يبدأ بكتاب التجارة وينتهي بكتاب النكاح ، وقسم الإيقاعات يبدأ بكتاب الطلاق وينتهي بكتاب النذر ، وقسم الأحكام يبدأ بالصيد والذبائح وينتهي بالديات [9] .
24-لا إنكار في المختلف فيه:
الإنكار من المنكر إنما يكون فيما اجتمع عليه، فأما المختلف فيه فلا إنكار فيه، لأن كل مجتهد مصيب، أو المصيب واحد ولا نعلمه، ولم يزل الخلاف بين السلف في الفروع، ولا ينكر أحد على غيره مجتهدًا فيه، وإنما ينكرون ما خالف نصًّا أو إجماعًا قطعيًّا أو قياسيًّا جليًّا.
وهذا إذا كان الفاعل لا يرى تحريمه، فإن كان يراه فالأصح الإنكار [10] .
وفي ذلك يقول الإمام سفيان الثوري: (إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي اختلف فيه، وأنت ترى غيره فلا تنهه) ، وعن الإمام أحمد روايات مجملها - على ما ذكره أبو يعلى - لا ينكر في المسائل الاختلافية إلا إذا ضعف فيها الخلاف.
وفي تفصيل لهذا يقول ابن تيمية: إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع، فللاجتهاد فيها مساغ، فلا ينكر على من عمل بها مجتهدًا أو مقلدًا .
قال ابن تيمية: قال العلماء المصنفون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصحاب الشافعي وغيره: إن المسائل الاجتهادية لا تنكر باليد، وليس لأحد أن يلزم الناس باتباعه فيها، ولكن يتكلم فيها بالحجج العلمية، فمن تبين له صحة أحد القولين تبعه، ومن قلد أهل القول الآخر فلا إنكار عليه [11] .
وقال النووي: إنما ينكرون ما يجمع عليه الأئمة، وأما المختلف فيه فلا إنكار فيه، لأن على أحد المذهبين: كل مجتهد مصيب، وهذا هو المختار عند كثير من المحققين أو أكثرهم، وعلى المذهب الآخر المصيب واحد، والمخطئ غير متعين لنا، والإثم مرفوع عنه [12] .
25-الاقتداء بالمخالف في الفروع:
كتب ابن حزم رسالة في جواز الاقتداء بالمخالف في الفروع، أجاب فيها سائلًا متشددًا، فرد عليه ممثلًا بأنواع المسائل الخلافية، ومبينًا ما نقل فيها من صلاة الصحابة خلف من قال بها مجتهدًا.
وقد وقع الاتفاق علمًا وعملًا من الأئمة على أن المصلي يأتم بمن يخالف اجتهاده، أو ما يقلده من مذهب في أحكام الصلاة، ولو كان يرى أن مثل ذلك مفسد للصلاة أو غيره أولى منه، وذلك دفعًا للتفرق، وهناك كثير من الأمثلة على ذلك من صنيع الأئمة [13] .
الفصل الثالث
شبهات حول أسباب الاختلاف
المبحث الأول
أقوال العلماء في حديث"اختلافُ أمتي رحمةٌ" [14]
أما حديث:"اختلاف أمتي رحمة"، فهو حديث موضوع مكذوب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وفي تذكرة المحتاج إلى أحاديث المنهاج - (ج 1 / ص 71) (62 ) الحَدِيث الثَّانِي وَالسِّتُّونَ: حَدِيث: «اخْتِلَاف أمتِي رَحْمَة» .هَذَا الحَدِيث لم أر من خرجه مَرْفُوعا بعد الْبَحْث الشَّديد عَنهُ .وَإِنَّمَا نَقله ابْن الْأَثِير فِي مُقَدّمَة جَامعه من قَول مَالك ،وَفِي الْمدْخل للبيهقي عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد أَنه قَالَ: اخْتِلَاف أمة مُحَمَّد رَحْمَة.اهـ [15]
ونقل المناوي عن السبكي أنه قال:"ليس بمعروف عند المحدثين، ولم أقف له على سند صحيح، ولا ضعيف، ولا موضوع [16] ."
في المقاصد الحسنة للسخاوي (39) حديث: اختلاف أمتي رحمة، البيهقي في المدخل من حديث سليمان ابن أبي كريمة عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس، قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: مهما أوتيتم من كتاب اللَّه فالعمل به لا عذر لأحد في تركه، فإن لم يكن في كتاب اللَّه فسنة مني ماضية، فإن لم تكن سنة مني فما قال أصحابي، إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء، فأيما أخذتم به اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة [17] ، ومن هذا الوجه أخرجه الطبراني، والديلمي في مسنده بلفظه سواء، وجويبر ضعيف جدًا، والضحاك عن ابن عباس منقطع، وقد عزاه الزركشي إلى كتاب الحجة لنصر المقدسي مرفوعًا من غير بيان لسنده، ولا صحابيه وكذا عزاه العراقي لآدم بن أبي إياس في كتاب العلم والحكم بدون بيان بلفظ: اختلاف أصحابي رحمة لأمتي، قال: وهو مرسل ضعيف، [18] وبهذا اللفظ ذكره البيهقي في رسالته الأشعرية بغير إسناد، وفي المدخل له من حديث سفيان عن أفلح بن حميد عن القاسم بن محمد قال: اختلاف أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - رحمة لعباد اللَّه [19] ، ومن حديث قتادة أن عمر بن عبد العزيز كان يقول: ما سرني لو أن أصحاب محمد صلى اللَّه عليه لم يختلفوا، لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة [20] ،ومن حديث الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد قال: « ما برح المستفتون يستفتون فيحل هذا ويحرم هذا فلا يرى المحرم أن المحلل هلك لتحليله ولا يرى المحلل أن المحرم هلك لتحريمه » [21] ، وقد قرأت بخط شيخنا: إنه يعني هذا الحديث حديث مشهور على الألسنة، وقد أورده ابن الحاجب في المختصر في مباحث القياس بلفظ: اختلاف أمتي رحمة للناس، وكثر السؤال عنه، وزعم كثير من الأئمة أنه لا أصل له، لكن ذكره الخطابي في غريب الحديث مستطردًا، وقال: اعترض على هذا الحديث رجلان، أحدهما ماجن، والآخر ملحد، وهما إسحاق الموصلي وعمرو بن بحر الجاحظ، وقالا جميعًا: لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق عذابًا، ثم تشاغل الخطابي برد هذا الكلام، ولم يقع في كلامه شفاء في عزو الحديث، ولكنه أشعر بأن له أصلًا عنده، ثم ذكر شيخنا شيئًا مما تقدم في عزوه.
قلت: وفي الطبقات الكبرى لابن سعد - (ج 5 / ص 189) قال: أخبرنا قبيصة بن عُقبة قال: حدثنا أفلح بن حميد عن القاسم بن محمد قال: كان اختلاف أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رحمة للناس. ( وهذا إسناد صحيح مقطوع)
وعن قتادة ، أن عمر بن عبد العزيز ، كان يقول: « ما سرني لو أن أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - لم يختلفوا ، لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة » [22] (وهذا صحيح)
فلعل بعض الضعفاء توهمه مرفوعًا كغيره ، ونسبه للنبي - صلى الله عليه وسلم -
فالصواب أنه من قول بعض التابعين ، ولا يصح رفعه ولا فقه .
وفي فتاوى الشبكة الإسلامية:"وهذه العبارة قد أوردها كثير من العلماء والأئمة في كلامهم عن الاختلاف، وقد يشكل معناها خصوصًا مع تضافر نصوص الكتاب والسُّنَّة على ذمِّ الاختلاف، وقد وفق بين ذلك ابن حزم في (الإحكام في أصول الأحكام) [23] ، فقال بعد ذكر هذه العبارة: وهذا من أفسد قول يكون، لأنه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطًا، وهذا مما لا يقوله مسلم، لأنه ليس إلا اتفاق أو اختلاف، وليس إلا رحمة أو سخط.. إلى أن قال بعد سرد الأدلة على ذمِّ الاختلاف، فإن قيل: إن الصحابة قد اختلفوا وهم أفاضل الناس ـ أفيلحقهم الذم المذكور؟."
قيل: كلا، ما يلحق أولئك شيء من هذا، لأنَّ كلَّ امرئٍ منهم تحرَّى سبيل الله، ووجهته الحقُّ، فالمخطئُ منهم مأجورٌ أجرًا واحدًا لنيته الجميلة في إرادة الخير، وقد رفع عنهم الإثم في خطئهم، لأنهم لم يتعمدوه، ولا قصدوه، ولا استهانوا بطلبهم، والمصيبُ منهم مأجور أجرين. وهكذا كلُّ مسلم إلى يوم القيامة فيما خفيَ عليه من الدين ولم يبلغه، وإنما الذمُّ المذكور، والوعيد المنصوصُ لمن تركَ التعلق بحبل الله: وهو القرآنُ، وكلام النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد بلوغ النصِّ إليه، وقيام الحجةِ عليه، وتعلق بفلانٍ وفلان مقلدًا عامدًا للاختلاف، داعيًا إلى عصبيةٍ، وحميةٍ الجاهلية، قاصدًا للفرقة، متحريًّا في دعواه بردِّ القرآن والسُّنَّة إليها، فإن وافقها النصُّ أخذ به، وإنْ خالفها تعلقَ بجاهلية، وترك القرآن وكلام النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فهؤلاء هم المختلفونَ المذمومون. وطبقةٌ أخرى وهم قومٌ بلغت بهم رقَّةُ الدين وقلة التقوى إلى طلب ما وافق أهواءَهم في قولة كل قائل، فهم يأخذونَ ما كان رخصةً في قول كلِّ عاملٍ، مقلِّدين له غير طالبين ما أوجبَه النصُّ عن الله وعن رسوله - صلى الله عليه وسلم - انتهى [24] .
الرد على الشبكة الإسلامية وابن حزم
قلت: على هذا الكلام ملاحظات عدة:
الأولى - قولهم: (وهذه العبارة قد أوردها كثير من العلماء والأئمة في كلامهم عن الاختلاف)
قلت: بل أورده جميع الأئمة عند ذكرهم الاختلاف قديما وحديثًا ، وهذه كتبهم تشهد بذلك .
الثانية - وأما قولهم: (وقد يشكلُ معناها خصوصًا مع تضافر نصوص الكتاب والسُّنَّة على ذمِّ الاختلاف)
قلت: نصوص الكتاب والسُّنَّة متضافرة على ذم الاختلاف القائم على الهوى والتشهي ، وليس على الاختلاف المشروع ، فهذا التعميم غير صحيح ، قال تعالى: { يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} (26) سورة ص
الثالثة - نقلهم كلام ابن حزم على سبيل الإقرار والتسليم ، وهذه أدلة من فتاوى الشبكة الإسلامية تردُّ عليهم:
فقد سئلوا متى يكون الاختلاف بين العلماء رحمة ومتى يكون غير ذلك، وفى ماذا يكون الاختلاف؟ [25]
فكان الجواب التالي:"إن عبارة (الاختلاف بين العلماء رحمة) ترد كثيرًا في كلام أهل العلم، وقد حملها بعض أهل العلم على الاختلاف في المسائل التي يمكن فيها الاجتهاد، لعدم ورود نص فيها أو غموض في الأدلة الواردة فيها، وبالتالي تحصل توسعة على المقلدين في اتباع أحد طرفي الخلاف الواقع بين أهل العلم."
قال الزركشي في البحر المحيط: وأما التي يسوغ فيها الاجتهاد فهي المختلف فيها، كوجوب الزكاة في مال الصبي ونفي وجوب الوتر، وغيره مما عدمت فيها النصوص في الفروع وغمضت فيها الأدلة ويرجع فيها إلى الاجتهاد، فليس بآثم -أي المخطئ-، قال ابن السمعاني: ويشبه أن يكون سبب غموضها امتحانًا من الله لعباده ليتفاضل بينهم في درجات العلم ومراتب الكرامة، كما قال الله تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [المجادلة:11] ، وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف:76] .
وعلى هذا يتأول ما ورد في بعض الأخبار اختلاف أمتي رحمة، فعلى هذا النوع يحمل هذا اللفظ. انتهى.""
(1) - الفكر السامي: 4/415.
(2) - المذاهب الإسلامية، لأبي زهرة، ص18.
(3) - مجموع فتاوى ابن تيمية: 19/128.
(4) - الطبقات لابن سعد: 6/332.
(5) - حلية الأولياء: 6/332.
(6) - الفصل في الملل والنحل، 1842.
(7) - الفصول المهمة، ص143.
(8) - من تقديم التحقيق المعد من الشيخ محمد تقي القمي، لكتاب المختصر النافع، صفحة (ش) .
(9) - تقديم التحقيق لكتاب المختصر النافع، صفحة (ل، م) ، وقد أوردته بطوله للاستفادة منه في جهود المقارنة مع المذاهب الأخرى بالرجوع إلى مدونات المذاهب نفسه.
(10) - المنثور: 2/140.
(11) - مجموع فتاوى ابن تيمية:30/80.
(12) - الآداب لابن مفلح: 1/186؛ وجامع العلوم والحكم لابن رجب، ص284؛ وشرح صحيح مسلم للنووي: 2/23؛ وينظر دراسات في الاختلافات الفقهية للدكتور محمد البيانوني، ص103 - 118.
(13) - حاشية ابن عابدين: 1/378؛ ونهاية المحتاج: 2/160؛ وكشاف القناع: 1/442؛ ومجموع فتاوى ابن تيمية؛ ورسالة ابن حزم في مجموع رسائل ابن حزم، تحقيق إحسان عباس، بيروت ، 1981.
(14) - فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 2 / ص 3255) رقم الفتوى 7158 أقوال العلماء في حديث"اختلاف أمتي رحمة"تاريخ الفتوى: 06 ذو الحجة 1421 وفتاوى الأزهر - (ج 8 / ص 209) وفتاوى الرملي - (ج 6 / ص 185) وفتاوى يسألونك - (ج 6 / ص 294) وفتاوى الإسلام سؤال وجواب - (ج 1 / ص 1155) وفتاوى إسلامية - (ج 4 / ص 135) ومجموع فتاوى ابن باز - (ج 22 / ص 284) والموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 673) والدرر السنية في الأجوبة النجدية - الرقمية - (ج 4 / ص 79) وشرح النيل وشفاء العليل - إباضية - (ج 32 / ص 143) وفتاوى واستشارات الإسلام اليوم - (ج 4 / ص 487) والمنثور في القواعد - (ج 3 / ص 34) والبحر المحيط - (ج 8 / ص 140) وقواطع الأدلة في الأصول / للسمعانى - (ج 3 / ص 384)
(15) - وانظر التفاصيل في المقاصد الحسنة للسخاوي (39) وكشف الخفاء ومزيل الإلباس (153 )
(16) - فيض القدير، شرح الجامع الصغير، (ج 2 / ص 19)
(17) - المدخل إلى السنن الكبرى (113) والكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (101 ) وابن عساكر (22/359) ، والديلمى (4/160 ، رقم 6497) .
(18) - تخريج أحاديث الإحياء (74 ) حديث"اختلاف أمتي رحمة ."** ذكره البيهقي في رسالته الأشعرية تعليقًا وأسنده في المدخل من حديث ابن عباس بلفظ"اختلاف أصحابي لكم رحمة"وإسناده ضعيف .
(19) - الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (736 ) صحيح
(20) - الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (738 ) صحيح
(21) - جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (1057 ) صحيح
(22) - الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (738 ) صحيح
(23) - الأحكام لابن حزم - (ج 5 / ص 642)
(24) - فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 2 / ص 3240) رقم الفتوى 7134 و (ج 2 / ص 3255) رقم الفتوى 7158 أقوال العلماء في حديث"اختلاف أمتي رحمة"
(25) - فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 6 / ص 161) رقم الفتوى 40173 الاختلاف رحمة في المسائل التي يمكن فيها الاجتهاد تاريخ الفتوى: 22 رمضان 1424