فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 60

قال الزركشيُّ في البحر المحيط [1] : وَأَمَّا الَّتِي يَسُوغُ فِيهَا الِاجْتِهَادُ فَهِيَ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا ، كَوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ ، وَنَفْيِ وُجُوبِ الْوِتْرِ وَغَيْرِهِ مِمَّا عُدِمَتْ فِيهَا النُّصُوصُ فِي الْفُرُوعِ ، وَغَمُضَتْ فِيهَا الْأَدِلَّةُ وَيُرْجَعُ فِيهَا إلَى الِاجْتِهَادِ ، فَلَيْسَ بِآثِمٍ.

قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ عِوَضِهَا امْتِحَانًا مِن اللَّهِ لِعِبَادِهِ ، لِيَتَفَاضَلَ بَيْنَهُمْ فِي دَرَجَاتِ الْعِلْمِ وَمَرَاتِبِ الْكَرَامَةِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {.. يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (11) سورة المجادلة, {..وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} (76) سورة يوسف .

وَعَلَى هَذَا يَتَأَوَّلُ مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ: { اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ } [2] فَعَلَى هَذَا النَّوْعِ يُحْمَلُ هَذَا لِلَّفْظِ دُونَ النَّوْعِ الْآخَرِ ، فَيَكُونُ اللَّفْظُ عَامًّا وَالْمُرَادُ خَاصًّا . انتهى.

المبحث الرابع عشر

الفرقُ بين اختلاف التنوُّع واختلاف التضادِّ [3]

اعلم أن الأئمة السابقين لم يختلفوا في أصول الدين، كالإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه، لأن هذه الأمور لا مجال فيها للاختلاف، ولم يختلفوا كذلك في وجوب الفروع المعلومة من الدين بالضرورة، كالصلاة والصيام والحج، وحرمة الزنا والسرقة، بل كانوا يكفرون من خالفهم في أحد الأمور السابقة وما يشبهها، وإنما اختلف العلماء في الفروع الاجتهادية التي لم يأت فيها نصٌّ صريحٌ قطعيُّ الثبوت والدلالةِ، وهذا أمر ٌطبيعيٌّ، لأن الاجتهاد يدعو إلى إعمال العقل، وعقولُ الناس متفاوتةٌ، فلا بد أن يتفاوت فهمهم لهذه الأدلة التي تحتمل الاختلاف، ومثال القطعي: قوله تعالى: { يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } [النساء:11] ، فلا يمكن أن نقول هنا: للذكر مثل حظ الأنثى، لأنه لا مجال لاختلاف العقول فيها، أمَّا قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ } [ البقرة:228] ، فللعلماء أن يختلفوا في معنى ( القرء) لأنه لفظٌ مشترك بين الطهر والحيض [4] ، وقال بعضهم القرء: هو الطهر، وبناءً عليه سيختلفُ حساب العدة عند الفريقين، وهذا لا مانع منه شرعًا، لأن الاختلافَ سنةٌ من سننِ الله تعالى في خلقه. وقد وقع الاختلاف بين الأنبياء، كما حكى القرآنُ عن سليمان وداود غليهما السلام [5] ، وحصل بين أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في حياته وبعد موته، ففي الحديث الذي رواه البخاري عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأَحْزَابِ: « لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلاَّ فِى بَنِى قُرَيْظَةَ » . فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمُ الْعَصْرَ فِى الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لاَ نُصَلِّى حَتَّى نَأْتِيَهَا ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَل نُصَلِّى لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ . فَذُكِرَ لِلنَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنهُمْ [6] .

ولا ينبغي لأحدٍ أن يتخذَ الخلاف أو الاختلافَ الفقهيَّ وسيلةٌ للتفرقِ والتعصبِ، فيتركُ الصلاةَ خلفَ مخالفه في المذهب، أو لا يتزوجُ ابنته، أو يقطعُ زيارته، لأنَّ كلَّ هذا مما يخالف هدي الإسلام وسنة خير الأنام، وليعلمْ أنَّ الأئمة لم يختلفوا اتباعًا للهوى، أو إشباعًا لشهوةِ حبِّ الانتصارِ، وإنما اختلفوا لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم يرَى أنَّ الحقَّ معه لما يرَى منْ موافقتهِ للأدلةِ الشرعيةِ الثابتةِ عنده . وهذا كله مما يسميه العلماء اختلاف تنوعٍ [7] .

أمَّا اختلافُ التضادِّ فهو أن يكونَ كلُّ واحدٍ من القولين منافيًا للآخر.. فهذا الخطب فيه أشدُّ، فإنك تجد كثيرًا من هؤلاء المتنازعين يكونُ في قول منازعه حقٌّ وباطلٌ فيرد القول كله، فيصيرُ مبطلًا في بعض ردهِ كما كان منازعُه مبطلًا في بعضِ قوله كما رأيته لكثير من أهل السنة في مسائل القدر والصفات والصحابة، ولكثير من الفقهاء في مسائل الفقه، أما أهل البدعة فالأمر فيهم ظاهرٌ [8] .

المبحث الخامس عشر

هل يعتدُّ بخلاف الظاهرية لغيرهم ؟

قال الحافظ الذهبي في ترجمة داود الظاهري:"قُلْتُ: لِلعُلَمَاءِ قَوْلاَن فِي الاعتِدَاد، بِخِلاَفِ دَاوُدَ وَأَتْبَاعِهِ: فَمَن اعتَدَّ بِخِلاَفِهِم، قَالَ: مَا اعْتِدَادُنَا بِخِلاَفِهِم لأَنَّ مُفْرَدَاتِهِم حُجَّةٌ، بَلْ لِتُحكَى فِي الجُمْلَةِ، وَبَعْضُهَا سَائِغٌ، وَبَعْضُهَا قَوِيٌّ، وَبَعْضُهَا سَاقِطٌ، ثُمَّ مَا تَفَرَّدُوا بِهِ هُوَ شَيْءٌ مِن قَبِيْلِ مُخَالَفَةِ الإِجْمَاعِ الظَّنِّي، وَتَنْدُرُ مُخَالَفَتُهُم لإِجْمَاعٍ قَطْعِي."

وَمَن أَهْدَرَهُم، وَلَمْ يَعْتَدَّ بِهِم، لَمْ يَعُدَّهُم فِي مَسَائِلِهِم المُفْرِدَةِ خَارِجِيْنَ بِهَا مِنَ الدِّيْنِ، وَلاَ كَفَّرَهُم بِهَا، بَلْ يَقُوْلُ: هَؤُلاَءِ فِي حَيِّزِ العَوَامِّ، أَوْ هُم كَالشِّيْعَةِ فِي الفُرُوْعِ، وَلاَ نَلْتَفِتُ إِلَى أَقْوَالِهِم، وَلاَ نَنْصِبُ مَعَهُم الخِلاَفَ، وَلاَ يُعْتَنَى بِتَحْصِيْلِ كُتُبِهِم، وَلاَ نَدُلُّ مُسْتَفْتِيًا مِنَ العَامَّةِ عَلَيْهِم.

وَإِذَا تَظَاهِرُوا بِمَسْأَلَةٍ مَعْلُوْمَةِ البُطْلاَنِ، كَمَسْحِ الرِّجِلَيْنِ، أَدَّبْنَاهُم، وَعَزَّرْنَاهُم، وَأَلزَمْنَاهُم بِالغَسْلِ جَزْمًا.

قَالَ الأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الإِسْفَرَايِيْنِيُّ: قَالَ الجُمْهُوْرُ:

إِنَّهُم -يَعْنِي: نُفَاةَ القِيَاسِ- لاَ يَبْلُغُونَ رُتْبَةَ الاجتِهَادِ، وَلاَ يَجُوْزُ تَقْلِيْدُهُم القَضَاءَ.

وَنَقَلَ الأُسْتَاذُ أَبُو مَنصُوْرٍ البَغْدَادِيُّ، عَن أَبِي عَلِيٍّ بنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَطَائِفَةٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ:

أَنَّهُ لاَ اعتِبَارَ بِخِلاَفِ دَاوُدَ، وَسَائِرِ نُفَاةِ القِيَاسِ، فِي الفُرُوْعِ دُوْنَ الأُصُوْلِ.

وَقَالَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ أَبُو المَعَالِي: الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ أَهْلُ التَّحْقِيْقِ: أَنَّ مُنْكِرِي القِيَاس لاَ يُعَدُّوْنَ مِن عُلَمَاءِ الأُمَّةِ، وَلاَ مِن حَمَلَةِ الشَّرِيْعَةِ؛ لأَنَّهُم مُعَانِدُوْنَ مُبَاهِتُوْنَ فِيمَا ثَبَتَ اسْتفَاضَةً وَتَوَاتُرًا، لأَنَّ مُعْظَمَ الشَّرِيْعَةِ صَادِرٌ عَنِ الاجتِهَادِ، وَلاَ تَفِي النُّصُوْصُ بعُشْرِ مِعْشَارِهَا، وَهَؤُلاَءِ مُلتَحِقُوْنَ بِالعَوَامِّ.

قُلْتُ: هَذَا القَوْلُ مِن أَبِي المعَالِي أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، وَهُم فَأَدَّاهُم اجتِهَادُهُم إِلَى نَفِي القَوْلِ بِالقِيَاسِ، فَكَيْفَ يُرَدُّ الاجتِهَادُ بِمِثْلِهِ، وَنَدْرِي بِالضَّرُوْرَةِ أَنَّ دَاوُدَ كَانَ يُقْرِئُ مَذْهَبَهُ، وَيُنَاظِرُ عَلَيْهِ، وَيُفْتِي بِهِ فِي مِثْلِ بَغْدَادَ، وَكَثْرَةِ الأَئِمَّةِ بِهَا وَبِغَيْرِهَا، فَلَم نَرَهُم قَامُوا عَلَيْهِ، وَلاَ أَنْكَرُوا فَتَاويه وَلاَ تَدْرِيسَهُ، وَلاَ سَعَوا فِي مَنعِهِ مِن بَثِّهِ، وَبَالحَضْرَةِ مِثْلُ إِسْمَاعِيْلَ القَاضِي شَيْخِ المَالِكِيَّةِ، وَعُثْمَانَ بنِ بَشَّارٍ الأَنْمَاطِيِّ شَيْخِ الشَّافِعِيَّة، وَالمَرُّوْذِيِّ شَيْخِ الحَنْبَلِيَّةِ، وَابْنَي الإِمَامِ أَحْمَدَ، وَأَبِي العَبَّاسِ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ البِرْتِيِّ شَيْخِ الحَنَفِيَّةِ، وَأَحْمَدَ بنِ أَبِي عِمْرَانَ القَاضِي، وَمِثْلُ عَالِمِ بَغْدَادَ إِبْرَاهِيْمَ الحَرْبِيِّ.

بَلْ سَكَتُوا لَهُ، حَتَّى لَقَدْ قَالَ قَاسِمُ بنُ أَصْبَغَ: ذَاكَرْتُ الطَّبرِيَّ -يَعْنِي: ابْنَ جَرِيْرٍ- وَابْنَ سُرَيْجٍ، فَقُلْتُ لَهُمَا: كِتَابُ ابْنِ قُتَيْبَةَ فِي الفِقَهِ، أَيْنَ هُوَ عِنْدَكُمَا؟

قَالاَ: لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلاَ كِتَابُ أَبِي عُبَيْدٍ، فَإِذَا أَرَدْتَ الفِقْهَ فَكُتُبُ الشَّافِعِيِّ، وَدَاوُدَ، وَنُظَرَائِهِمَا.

ثمَّ كَانَ بَعْدَهُ ابْنُهُ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ المُغَلِّسِ، وَعِدَّةٌ مِن تَلاَمِذَةِ دَاوُدَ، وَعَلَى أَكْتَافِهِم مِثْلُ: ابْنِ سُرَيْجٍ شَيْخِ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَبِي بَكْرٍ الخَلاَّلِ شَيْخِ الحَنْبَلِيَّةِ، وَأَبِي الحَسَنِ الكَرْخِيِّ شَيْخِ الحَنَفِيَّةِ، وَكَانَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ بِمِصْرَ.

بَلْ كَانُوا يَتَجَالَسُوْنَ وَيَتَنَاظَرُوْنَ، وَيَبْرُزُ كُلٌّ مِنهُم بِحُجَجِهِ، وَلاَ يَسْعَوْنَ بِالدَّاودِيَّةِ إِلَى السُّلْطَانِ.

بَلْ أَبلغُ مِن ذَلِكَ، يَنْصِبُوْنَ مَعَهُم الخِلاَفَ فِي تَصَانِيفِهِم قَدِيْمًا وَحَدِيْثًا، وَبِكُلِّ حَالٍ فَلَهُم أَشْيَاءُ أَحْسَنُوا فِيْهَا، وَلَهُم مَسَائِلُ مُسْتَهْجَنَةٌ، يُشْغَبُ عَلَيْهِم بِهَا، وَإِلَى ذَلِكَ يُشِيْرُ الإِمَامُ أَبُو عَمْرٍو بنُ الصَّلاَحِ، حَيْثُ يَقُوْلُ: الَّذِي اختَارَهُ الأُسْتَاذُ أَبُو مَنصُوْرٍ، وَذَكَرَ أَنَّهُ الصَّحِيْحُ مِنَ المَذْهَبِ، أَنَّهُ يُعْتَبَرُ خِلاَفُ دَاوُدَ.

ثُمَّ قَالَ ابْنُ الصَّلاحِ: وَهَذَا الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الأَمْرُ آخِرًا، كَمَا هُوَ الأَغْلَبُ الأَعْرَفُ مِن صَفْوِ الأَئِمَّةِ المُتَأَخِّرِينَ، الَّذِيْنَ أَوْرَدُوا مَذْهَبَ دَاوُدَ فِي مُصَنَّفَاتِهِمُ المَشْهُوْرَةِ، كَالشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الإِسْفَرَايِيْنِيِّ، وَالمَاوَرْدِيِّ، وَالقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ، فلَوْلاَ اعتِدَادُهُم بِهِ لَمَا ذَكَرُوا مَذْهَبَهُ فِي مُصَنَّفَاتِهِمُ المَشْهُوْرَةِ.

قَالَ: وَأَرَى أَنْ يُعْتَبَرَ قَوْلُهُ، إِلاَّ فِيمَا خَالَفَ فِيْهِ القيَاسَ الجَلِيَّ، وَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ القِيَاسِيُّونَ مِن أَنْواعِهِ، أَوْ بَنَاهُ عَلَى أُصُولِهِ الَّتِي قَامَ الدَّلِيْلُ القَاطعُ عَلَى بُطلاَنِهَا، فَاتِّفَاقُ مَن سِوَاهُ إِجمَاعٌ مُنْعَقِدٌ، كَقَوْلِهِ فِي التَّغَوُّطِ فِي المَاءِ الرَّاكِدِ، وَتِلْكَ المَسَائِلِ الشَّنِيعَةِ، وَقُولِهُ: لاَ رِبَا إِلاَّ فِي السِّتَّةِ المَنصُوْصِ عَلَيْهَا، فَخِلاَفُهُ فِي هَذَا أَوْ نَحْوِهِ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ، لأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا يُقْطَعُ بِبُطْلاَنِهِ.

قُلْتُ: لاَ رَيْبَ أَنَّ كُلَّ مسَأَلَةٍ انْفَرَدَ بِهَا، وَقُطِعَ بِبُطْلاَنِ قَوْلِهِ فِيْهَا، فَإِنَّهَا هَدْرٌ، وَإِنَّمَا نَحْكِيهَا للتَّعَجُّبِ، وَكُلَّ مسَأَلَةٍ لَهُ عَضَدَهَا نَصٌّ، وَسَبَقَهُ إِلَيْهَا صَاحِبٌ أَوْ تَابِعٌ، فَهِيَ مِن مَسَائِلِ الخِلاَفِ، فَلاَ تُهْدَرُ.

وَفِي الجُمْلَةِ، فَدَاوُدُ بنُ عَلِيٍّ بَصِيرٌ بِالفِقْهِ، عَالِمٌ بِالقُرْآنِ، حَافظٌ للأَثَرِ، رَأْسٌ فِي مَعْرِفَةِ الخِلاَفِ، مِن أَوْعِيَةِ العِلْمِ، لَهُ ذكَاءٌ خَارِقٌ، وَفِيْهِ دِيْنٌ مَتِينٌ.

وَكَذَلِكَ فِي فُقَهَاءِ الظَّاهِرِيَّةِ جَمَاعَةٌ لَهُم عِلْمٌ بَاهِرٌ، وَذكَاءٌ قَوِيٌّ، فَالكَمَالُ عَزِيزٌ، وَاللهُ المُوَفِّقُ.

وَنَحْنُ: فَنَحْكِي قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي المُتعَةِ، وَفِي الصَّرْفِ، وَفِي إِنكَارِ العَوْلِ، وَقولَ طَائِفَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي تَرْكِ الغُسْلِ مِنَ الإِيْلاجِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، وَلاَ نُجَوِّزُ لأَحَدٍ تَقْلِيْدَهُم فِي ذَلِكَ." [9] "

الفصل الخامس

حال الناس منذ عهد الصحابة حتى تقليد الأئمة الأربعة

المبحث الأول

بيانُ حال الناس في الصدر الأول وبعده [10]

قال الإمام أبو زيد الدبوسي رحمه الله تعالى في تقويم الأدلة:"كان الناسُ في الصدر الأول - أعني الصحابة والتابعين والصالحين يبنون أمورهم على الحجَّة فكانوا يأخذون بالكتاب ثم بالسنة ثم بأقوال من بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يصح بالحجة، فكان الرجلُ يأخذ بقول عمر في مسألة ثم يخالفه بقول علي في مسألة أخرى، وقد ظهر من أصحاب أبي حنيفة أنهم وافقوه مرة وخالفوه أخرى بحسب ما تتضح لهم الحجة ولم يكن المذهبُ في الشريعة عمرياُ ولا علويًا، بل النسبة كانت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فكانوا قرونًا أثنى عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالخير فكانوا يرون الحجَّة، لا علماءهم ولا نفوسهم، فلما ذهبتِ التقوى عن عالِمة القرن الرابع وكسلوا عن طلب الحجَج جعلوا علماءَهم حجَّة واتبعوهم ، فصار بعضُهم حنفيًّا وبعضُهم مالكيًّا ، وبعضهم شافعيًّا ينصرون الحجةَ بالرجالِ، ويعتقدون الصحةَ بالميلادِ على ذلك المذهب، ثم كلُّ قرنٍ بعدهم اتبع عالمَه كيف ما أصابَه، بلا تمييز حتى تبدلتِ السنن بالبدعِ فضلَّ الحقُّ بين الهوى"انتهى

وقال العلامة الدهلوي [11] :

"كان الناسُ غير مجمعين على التقليد الخالص:"

اعلم أن الناس كانوا قبل المائة الرابعة غير مجمعين على التقليد الخالص لمذهب واحد بعينه ، قال أبو طالب المكي في قوت القلوب [12] : إن الكتب والمجموعات محدثةٌ ، والقول بمقالات الناس ، والفتيا بمذهب الواحد من الناس ، واتخاذ قوله ، والحكاية لهمن كل شيء ، والتفقه على مذهبه - لم يكن الناس قديما على ذلك في القرنين الأول والثاني انتهى .

كان العامة من المسلمين يقلدون صاحب الشرع:

أقول: وبعد القرنين حدث فيهم شيء من التخريج غير أن أهل المائة الرابعة لم يكونوا مجتمعين على التقليد الخالص على مذهب واحد والتفقه له والحكاية لقوله كما يظهر من التتبع ، بل كان فيهم العلماءُ والعامة .

وكان من خير العامة أنهم كانوا في المسائل الإجماعية التي لا اختلاف فيها بين المسلمين وجمهور المجتهدين لا يقلِّدون إلا صاحبَ الشرع ، وكانوا يتعلمون صفة الوضوء والغسل والصلاة والزكاة ونحو ذلك من آبائهم أو معلمي بلدانهم ، فيمشون حسب ذلك ، وإذا وقعت لهم واقعةُ استفتوا فيها أي مفتٍ وجدوا من غير تعيين مذهب.

كان الخاصةُ من أهل الحديث يشتغلون به:

وكان من خبر الخاصة أنه كان أهل الحديث منهم يشتغلون بالحديث ، فيخلص إليهم من أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وآثار الصحابة مالا يحتاجون معه إلى شيء آخر في المسألة من حديث مستفيض أو صحيح قد عمل به بعض الفقهاء ، ولا عذر لتارك العمل به ، أو أقوال متظاهرة لجمهور الصحابة والتابعين مما لا يحسن مخالفتها فإن لم يجد في المسألة ما يطمئنُ به قلبه لتعارض النقل وعدم وضوح الترجيح ونحو ذلك - رجع إلى كلام بعض من مضى من الفقهاء ، فإن وجد قولين اختار أوثقهما سواء كان من أهل المدينة أومن أهل الكوفة .

كان الخاصةُ من أهل التخريج يخرِّجون ما لا يجدونه مصرحًا:

وكان أهل التخريج منهم يخرِّجون فيما لا يجدونه مصرحا ، ويجتهدون في المذهب ، وكان هؤلاء ينسبون إلى مذهب أحدهم فيقال: فلان شافعي ، وفلان حنفي ، وكان صاحب الحديث أيضًا قد ينسب إلى أحد المذاهب لكثرة موافقته له ، كالنسائي ، والبيهقي ينسبان إلى الشافعي ، فكان لا يتولى القضاء ولا الإفتاء إلا مجتهدٌ ، ولا يسمَّى الفقيهُ إلا مجتهدا .

بعد القرن الرابع حدثتْ أمورٌ:

ثم بعد هذه القرون كان ناس آخرون ذهبوا يمينا وشمالا . وحدث فيهم أمور:

منها الجدلُ والخلافُ في علم الفقه وتفصيله - على ما ذكره الغزالي - أنه لما انقرض عهدُ الخلفاء الراشدين المهديين أفضت الخلافةُ إلى قوم تولوها بغير استحقاق ولا استقلالٍ بعلم الفتاوى والأحكام ، فاضطروا إلى الاستعانة بالفقهاء وإلى استصحابهم في جميع أحوالهم .

وقد كان بقي من العلماء من هو مستمر على الطراز الأول وملازم صفو الدين ، فكانوا إذا طُلبوا هربوا ، وأعرضوا فرأى أهل تلك الأعصار عن العلماء وإقبال الأئمة عليهم مع إعراضهم ، فاشرأبوا بطلب العلم توصلا إلى نيل العزِّ ودرك الجاه ، فأصبح الفقهاءُ بعد أن كانوا مطلوبين طالبين ، وبعد أن كانوا أعزة بالإعراضِ عن السلاطين أذلةً بالإقبال عليهم ، إلا من وفقه اللّه .

وقد كان من قبلهم قد صنف ناسٌ في علم الكلام وأكثروا القال والقيل والإيراد والجواب وتمهيد طريق الجدل ، فوقع ذلك منهم بموقع من قبل أن كان من الصدور والملوك من مالت نفسه إلى المناظرة في الفقه وبيان الأولى من مذهب الشافعي وأبي حنيفة رحمهما اللّه ، فتركَ الناسُ الكلام وفنون العلم ، وأقبلوا على المسائل الخلافية بين الشافعي وأبي حنيفة رحمهما اللّه على الخصوص ، وتساهلوا في الخلاف مع مالك وسفيان وأحمد بن حنبل وغيرهم ، وزعموا أن غرضهم استنباطُ دقائق الشرع وتقريرُ علل المذهب وتمهيدُ أصول الفتاوى ، وأكثروا فيها التصانيف والاستنباطات ، ورتبوا فيها أنواع المجادلات والتصنيفات وهم مستمرون عليه إلى الآن لسنا ندري ما الذي قدَّر اللّه تعالى فيما بعدها من الأعصار . فهذا هو الباعث على الإنكباب على الخلافيات والمناظرات لا غير ولو مالت نفوس أرباب الدنيا إلى الخلاف مع إمام آخر من الأئمة أو إلى علم آخر من العلوم لمالوا أيضًا معهم، ولم يسكنوا عن التعلل بأن ما اشتغلوا به هو علمُ الدين وأن لا مطلبَ لهم سوى التقرب إلى رب العالمين انتهى حاصله . [13]

ومنها: أنهم اطمأنوا بالتقليد ، ودبَّ التقليدُ في صدورهم دبيبَ النمل وهم لا يشعرون ، وكان سببُ ذلك تزاحمَ الفقهاء وتجادلَهم فيما بينهم، فإنهم لما وقعت فيهم المزاحمة في الفتوى كان كلُّ من أفتى بشيء نوقض في فتواه ، وردَّ عليه ، فلم ينقطع الكلام إلا بمسير إلى تصريح رجل من المتقدمين في المسألة .

وأيضا جورُ القضاة، فإن القضاة لما جار أكثرهم ، ولم يكونوا أمناء لم يقبل منهم إلا ما لا يريبُ العامة فيه ، ويكون شيئًا قد قيل من قبل .

وأيضا جهلُ رؤوس الناس واستفتاء الناس من لا علم له بالحديث ولا بطريق التخريج كما ترى ذلك ظاهرًا في أكثر المتأخرين ، وقد نبَّه عليه ابن الهمام وغيره ، وفي ذلك الوقت يسمى غير المجتهد فقيهًا .

ومنها: أن أقبل أكثرهم على التعمقاتِ في كل فنٍّ ، فمنهم من زعم أنه يؤسس علم أسماء الرجال ومعرفة مراتب الجرح والتعديل ، ثم خرج من ذلك إلى التاريخ قديمه وحديثه . . ، ومنهم من تفحص عن نوادر الأخبار وغرائبها وإن دخلت في حد الموضوع . . . ، ومنهم من كثر القيل والقال في أصول الفقه ، واستنبط كل لأصحابه قواعد جدلية ، فأورد ، فاستقصى ، وأجاب ، وتفصَّى ، وعرف ، وقسم ، فحور طول الكلام تارة وتارة أخرى اختصر ، ومنهم من ذهب إلى هذا بفرض الصور المستبعدة التي من حقها ألا يتعرض لها عاقل وبفحص العمومات والإيماءات من كلام المخرَّجين فمن دونهم مما لا يرتضي استماعه عالم ولا جاهل .

(1) - البحر المحيط - (ج 8 / ص 140)

(2) - قلت لم يثبت من وجه ، وقد مر تخريجه

(3) - انظر فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 3 / ص 3849) رقم الفتوى 16829 اختلاف تنوع وفهم..لا اختلاف تضاد -تاريخ الفتوى: 26 جمادي الأولى 1423

(4) - الفقه الإسلامي وأدلته - (ج 9 / ص 595) والبحر المحيط - (ج 2 / ص 317) وإرشاد الفحول الي تحقيق الحق من علم الاصول - (ج 1 / ص 38)

(5) - في قوله تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} (78) سورة الأنبياء

ففي سنن البيهقى بإسنادصحيح برقم ( 20862) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنهُ فِى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِى الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ) قَالَ كَرْمٌ وَقَدْ أَنْبَتَتْ عَنَاقِيدُهُ فَأَفْسَدَتْهُ قَالَ فَقَضَى دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِالْغَنَمِ لِصَاحِبِ الْكَرْمِ فَقَالَ سُلَيْمَانُ غَيْرَ هَذَا يَا نَبِىَّ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ وَمَا ذَاكَ قَالَ تَدْفَعُ الْكَرْمَ إِلَى صَاحِبِ الْغَنَمِ فَيَقُومُ عَلَيْهِ حَتَّى يَعُودَ كَمَا كَانَ وَتَدْفَعُ الْغَنَمَ إِلَى صَاحِبِ الْكَرْمِ فَيُصِيبُ مِنهَا حَتَّى إِذَا كَانَ الْكَرْمُ كَمَا كَانَ دَفَعْتَ الْكَرْمَ إِلَى صَاحِبِهِ وَدَفَعْتَ الْغَنَمَ إِلَى صَاحِبِهَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حَكَمًا وَعِلْمًا) {ت} وَرُوِّينَا عَن مَسْرُوقٍ وَمُجَاهِدٍ مَعْنَى هَذَا وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ تَعَالَى الْحُكْمَ فِى هَذِهِ الْحَادِثِةِ وَأَشْبَاهِهَا إِلَى مَا حَكَمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِى نَاقَةِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ حِينَ دَخَلَتْ حَائِطًا لِقَوْمٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَأَفْسَدَتْ فَقَضَى أَنَّ حِفْظَ الأَمْوَالِ عَلَى أَهْلِهَا بِالنَّهَارِ وَعَلَى أَهْلِ الْمَوَاشِى مَا أَفْسَدَتِ الْمَوَاشِى بِاللَّيْلِ. {ش} قَالَ الشَّافِعِىُّ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ أَبِى الْحَسَنِ: لَوْلاَ هَذِهِ الآيَةُ لَرَأَيْتُ أَنَّ الْحُكَّامَ قَدْ هَلَكُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمِدَ هَذَا بِصَوَابِهِ وَأَثْنَى عَلَى هَذَا بِاجْتِهَادِهِ.

(6) - صحيح البخارى برقم (946 ) ومسلم برقم ( 4701)

(7) - انظر فتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم آل الشيخ - (ج 10 / ص 25) وفتاوى يسألونك - (ج 7 / ص 18) وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 2 / ص 1855) و (ج 3 / ص 1358) و (ج 3 / ص 5298) و (ج 6 / ص 900) ومجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين - (ج 7 / ص 118) ومجموع فتاوى ابن باز - (ج 20 / ص 313) والأحكام للآمدي - (ج 3 / ص 10) وكتب وليد بن راشد السعيدان - (ج 3 / ص 448)

(8) - مجموع الفتاوى - (ج 13 / ص 343) وفتاوى يسألونك - (ج 7 / ص 18) ومجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين - (ج 7 / ص 119) والفصول في الأصول - (ج 1 / ص 238) و (ج 3 / ص 154) و (ج 1 / ص 237)

(9) - سير أعلام النبلاء (13/104-109)

(10) - قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 272)

(11) - الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف لولي الله الدهلوي - (ج 1 / ص 30) وحجة الله البالغة - (ج 1 / ص 297)

(12) - قوت القلوب - (ج 1 / ص 225)

(13) - إحياء علوم الدين - (ج 1 / ص 45)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت