وفتنة هذا الجدل والخلاف والتعمق قريبة من الفتنة الأولى حين تشاجروا في الملك ، وانتصر كلُّ رجل لصاحبه ، فكما أعقبت تلك ملكًا عضوضًا ووقائع صماء عمياء ، فكذلك أعقبت هذه جهلًا واختلاطا وشكوكا ووهما ما لهما من أرجاء ، فنشأت بعدهم قرونٌ على التقليد الصرف لا يميزون الحقَّ من الباطل ولا الجدل عن الاستنباط . . . ، فالفقيهُ يومئذٍ: هو الثرثارُ المتشدق الذي حفظ أقوال الفقهاء قويها وضعيفها من غير تمييز،وسردها بشقشقة شدقيه . . . ، والمحدث: من عدَّ الأحاديث صحيحها وسقيمها وهذها كهذه الأسمار بقوة لحييه ، ولا أقول ذلك كليا مطردا فإن للّه طائفةً من عبادة لا يضرهم من خذلهم ، وهم حجة اللّه في أرضه ، وإن قلوا ، ولم يأت قرن بعد ذلك إلا وهو أكثر فتنة وأوفر تقليدا وأشد انتزاعا للأمانة من صدور الرجال حتى اطمأنوا بترك الخوض في أمر الدين وبأن يقولوا: { إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ} (22) سورة الزخرف ، وإلى اللّه المشتكى وهو المستعان وبه الثقة وعليه التكلان .""
وقال ابن عربي في الفتوحات المكية [1] :"اعلم - وفقنا الله وإياك - أيها الولي الحميم والصفيُّ الكريم أنا روينا في هذا الباب عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رجلًا أصاب من عرضه فجاء إليه يستحله من ذلك فقاله له يا ابن عباس إنني قد نلت منك فاجعلني في حل من ذلك فقال أعوذ بالله أن أحل ما حرم الله إن الله قد حرم أعراض المسلمين فلا أحله، ولكن غفر الله لك، فانظر ما أعجب هذا التصريف وما أحسن العلم ، ومن هذا الباب حلفُ الإنسان على ما أبيح له فعله أن لا يفعله أو يفعله ففرض الله تحلَّة الأيمان وهو من باب الاستدراج والمكر الإلهي، إلا لمن عصمه الله بالتنبيه عليه فما ثم شارع إلا الله تعالى قال لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: { إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا} (105) سورة النساء، ولم يقل له"بما رأيت"بل عاتبه سبحانه وتعالى لمَّا حرم على نفسه باليمين في قضية عائشة وحفصه فقال تعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (1) سورة التحريم ، فكان هذا مما أرته نفسه، فهذا يدلك أن قوله تعالى (بما أراك الله) أنه ما يوحي به إليه لا ما يراه في رأيه، فلو كان الدِّينُ بالرأي لكان رأيُ النبي أولى من رأي كلِّ ذي رأيٍ، فإذا كان هذا حالُ النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رأته نفسُه فكيف برأي من ليس بمعصومٍ، ومن الخطأُ أقربُ إليه من الإصابة ؟ ."
فدلَّ أن الاجتهادَ الذي ذكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما هو في طلب الدليل على تعيينِ الحكم في المسألة الواقعةِ ،لا في تشريعِ حكمٍ في النازلةِ، فإن ذلك شرعٌ لم يأذنْ به الله ، ولقد أخبرني القاضي عبد الوهاب الأسدي الإسكندري بمكة المشرفة سنة تسع وتسعين وخمسمائة قال: رأيتُ رجلًا من الصالحين بعد موته في المنام فسألته ما رأيتَ؟ فذكر أشياء منها قال: ولقد رأيت كتبًا موضوعةً، وكتبًا مرفوعةً فسألت ما هذه الكتب المرفوعةُ؟ فقيل لي: هذه كتبُ الحديث، فقلت: وما هذه الكتبُ الموضوعة؟ فقيل لي: هذه كتبُ الرأي حتى يسأل عنها أصحابُها، فرأيت الأمر فيه شدةٌ .
اعلم - وفقنا الله وإياكَ - أنَّ الشريعةَ هي المحجَّةُ الواضحةُ البيضاءُ محجَّةُ السعداءِ وطريقُ السعادةِ، من مشَى عليها نجا ومن تركها هلك، عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - خَطًّا ثُمَّ قَالَ: « هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَن يَمِينِهِ وَعَن شِمَالِهِ - ثُمَّ قَالَ - هَذِهِ سُبُلٌ - قَالَ يَزِيدُ - مُتَفَرِّقَةٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ » . ثُمَّ قَرَأَ {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (153) سورة الأنعام. [2] "وأشار إلى تلك الخطوط التي خطَّها عن يمين الخط ويساره"فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ"وأشار إلى الخط المستقيم ، ولقد أخبرني بمدينة"سلا"- مدينة بالمغرب على شاطئ البحر المحيط يقال لها منقطع التراب ليس وراءها أرض - رجلٌ من الصالحين الأكابر من عامة الناس قال: رأيتُ في النوم محجةً بيضاءَ مستويةً عليها نورٌ سهلةٌ، ورأيتُ عن يمين تلك المحجَّة وشمالها خنادقَ وشعابًا وأوديةً كلَّها شوكٌ لا تسلَكُ لضيقها وتوعُّر مسالكِها ، وكثرةِ شوكِها، والظلمةُ التي فيها، ورأيت جميعَ الناس يخبطون فيها خبطَ عشواءَ، ويتركون المحجَّةَ البيضاءَ السهلةَ، وعلى المحجَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونفرٌ قليلٌ معه يسيرُ وهو ينظر إلى مَن خلفَه، وإذا في الجماعة متأخرٌ عنها لكنهُ عليها الشيخُ أبو إسحاق إبراهيمُ بنُ قرقور المحدِّث كان سيدًا فاضلًا في الحديث، اجتمعتُ بابنهِ فكان يفهمُ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه يقول له: نادِ في الناس بالرجوعِ إلى الطريقِ، فكان ابنُ قرقور يرفعُ صوته ويقول في ندائه: ولا من داعٍ ولا من متداعٍ"هلمُّوا إلى الطريق هلمُّوا"قال: فلا يجيبُه أحدٌ، ولا يرجع إلى الطريق أحدٌ ."
"واعلمْ أنه لما غلبتِ الأهواءُ على النفوس، وطلبت العلماءُ المراتبَ عند الملوك تركوا المحجَّة البيضاءَ، وجنحوا إلى التأويلاتِ البعيدةِ لينفذوا أغراض الملوكِ فيما لهم فيه هوى نفس، ليستندوا في ذلك إلى أمرٍ شرعيٍّ مع كون الفقيهِ ربما لا يعتقدُ ذلك ويفتي به ، وقد رأينا منهم جماعةً على هذا من قضاتهم وفقهائهم، ولقد أخبرني الملك الظاهر غازي بن الملك الناصر صلاحِ الدين يوسفَ بنِ أيوبَ - وقد وقع بيني وبينه في مثل هذا كلام - فنادى بملوكٍ، وقال: جئني بالحرمدان [3] ؟ فقلت: ما شأنُ الحرمدان؟ قال: أنت تنكرُ عليَّ ما يجري في بلدي ومملكتي من المنكراتِ والظلمِ وأنا واللهِ أعتقدُ مثلَ ما تعتقدُ أنتَ فيه من أن ذلك كلَّه منكرٌ، ولكن والله يا سيدي ما منه منكرٌ إلا بفتيا فقيهٍ وخطِّ يده عندي بجواز ذلك، فعليهم لعنةُ الله، ولقد أفتاني فقيهٌ هو فلانٌ - وعيَّن لي أفضلَ فقيهٍ عنده في بلده في الدِّين والتقشُّف - بأنه لا يجبُ عليَّ صومُ شهرِ رمضانَ هذا بعينه، بل الواجبُ عليَّ شهرٌ في السنَة، والاختيارُ لي فيه، أي شهرِ السَّنَة، قال السلطانُ: فلعنتُه في باطني ولم أظهرْ له ذلك - وهو فلانٌ فسمَّاه لي - رحم الله جمعيهم."
"فليعلم أنَّ الشيطان قد مكَّنه اللهُ من حضرة الخيال، وجعلَ له سلطانًا فيها ، فإذا رأى أن الفقيهَ يميلُ إلى هوًى يعرفُ أنه لا يرْضَى عند الله زيَّنَ له سوءُ عمله بتأويلٍ غريبٍ ، يمهِّدُ له فيه وجهًا يحسِّنُهُ في نظرهِ ويقولُ له: إنَّ الصدرَ الأولَ قد دانوا الله بالرأي، وقاسَ العلماءُ في الأحكام واستنبطوا العلل للأشياءَ فطردوها، وحكموا في المسكوتِ عنه بما حكموا به في المنصوصِ عليه للعلَّة الجامعة بينهما، والعلَّةُ من استنباطه، فإذا مهَّد له هذا السبيل جنحَ إلى نيل هواهُ وشهوتهِ بوجهٍ شرعيٍّ في زعمه، فلا يزالُ هكذا فعلُه في كلِّ مالَهُ أو لسلطانِه فيه هو نفسٌ، ويردُّ الأحاديث النبوية ويقول: لو أن هذا الحديثَ يكون صحيحًا ، وإن كان صحيحًا يقول: لو لم يكنْ له خبرٌ آخرُ يعارضه، وهو ناسخ له، لقال به الشافعيُّ إن كان هذا الفقيهُ شافعيًا - أو قال به أبو حنيفة - إن كان الرجلُ حنفيًّا - وهكذا قولُ أتباعِ هؤلاء الأئمةِ كلِّهم ، ويرون أن الحديثَ والأخذ به مضلَّةٌ ، وأنَّ الواجبَ تقليدُ هؤلاءِ الأئمةِ وأمثالِهم فيما حكموا به، وإنْ عارضتْ أقوالُهمُ الأخبارَ النبويةَ، فالأولى الرجوعُ إلى أقاويلِهم وتركُ الأخذ بالأخبارِ والكتابِ والسُّنَّة ، فإنْ قلتَ لهم قد روينا عن الشافعيِّ رحمه الله أنه قال: إذا أتاكم الحديثُ يعارضُ قولي فاضربوا بقولي الحائط وخذوا بالحديث، فإنَّ مذهبي الحديثُ ، وقد روينا عن أبي حنيفة أنه قال لأصحابه: حرامٌ على كلِّ من أفتَى بكلامي ما لم يعرفْ دليلي ، وما روينا شيئًا من هذا عن أبي حنيفة إلا من طريق الحنفيننَ، ولا عن الشافعي إلا من طريق الشافعية ، وكذلك المالكية والحنابلة فإذا ضايقَهم في مجالِ الكلام هربوا وسكنوا ، وقد جرى لنا هذا معهم مرارًا بالمغربِ وبالمشرقِ فما منهم أحدٌ على مذهبِ من يزعُمُ أنه على مذهبِه، فقد انتسختِ الشريعةُ بالأهواءِ، وإن كانتِ الأخبارُ الصِّحاحُ موجودةً مسطَّرةً في الكتب الصِّحاح، وكتبُ التواريخَ بالتجريح والتعديل موجودةٌ ، والأسانيدُ محفوظةٌ مصونةٌ من التغيير والتبديل، ولكنْ إذا تركَ العملُ بها واشتغل الناسُ بالرأيِ ودانوا أنفسَهم بفتاوى المتقدِّمين مع معارضةِ الأخبار الصِّحاحِ لها فلا فرقَ بين عدمِها ووجودِها إذا لم يبقَ لها حكمٌ عندهُم، وأيُّ نسخٍ أعظمُ من هذا ؟ ."
وإذا قلتَ لأحدهم في ذلك شيئًا يقول لك: هذا هو المذهبُ، وهو واللهِ كاذبٌ، فإن صاحبَ المذهب قال له: إن عارضَ الخبر كلامي فخذْ بالحديث واترك كلامي في الحش، فإن مذهبي الحديثَ، فلو أنصفَ لكان على مذهب الشافعيِّ من تركِ كلام الشافعيِّ للحديثِ المعارضِ، فاللهُ يأخذُ بيدِ الجميعِ""
المبحث الثاني
إجماعُ الأمَّة على جواز تقليد الأئمة الأربعة [4]
مما يناسبُ هذا المقام التنبيه على مسائل ضلت في بواديها الأفهامُ ،وزلت الأقدام ،÷وطغت الأقلام منها:
(1) - أنَّ هذه المذاهب الأربعة المدونة قد اجتمعتِ الأمةُ أو من يعتدُّ به منها على جواز تقليدها إلى بومنا هذا .
وفي ذلك من المصالح ما لا يخفى لا سيما في هذه الأيام التي قصرت فيها الهمم ،وأشربتِ النفوسُ الهوى، وأعجبَ كلُّ ذي رأي برأيه، فما ذهب إليه ابن حزم حيث قال [5] : التقليدُ حرامٌ ولا يحلُّ لأحدٍ أن يأخذَ قولَ أحدٍ غيرَ قولِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلا برهانِ لقوله تعالى {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ} (3) سورة الأعراف ، وقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَل نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ} (170) سورة البقرة ،وقال مادحًا من لم يقلد: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} (18) سورة الزمر ، وقال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (59) سورة النساء، فلم يبحِ اللهُ تعالى الردَّ عند التنازعِ إلى أحدٍ دون القرآنِ والسُّنَّة ،وحرَّم بذلك الردَّ عند التنازعِ إلى قولِ قائلٍ لأنهُ غيرُ القرآنِ والسُّنَّة، وقد صحَّ إجماعُ الصحابةِ كلِّهم أولِّهم عن آخرِهم وإجماعُ التابعين أولِّهم عن آخرهِم وإجماعُ تابعي التابعينَ إلى آخرهِم على الامتناعِ والمنعِ منْ أنْ يقصدَ منهم أحدٌ إلى قول إنسانٍ منهم أو ممنْ قبلهم فيأخذَهُ كلَّه ، فليعلمْ مَن أخذَ جميعَ أقوالِ أبي حنيفةَ أو جميعَ أقوالِ مالكَ أو جميعَ أقوال الشافعيِّ أو جميعَ أقوالِ أحمدَ رضيَ اللهُ عنهم ،ولم يتركْ قولَ من اتبع منهم أو من غيرهِم إلى قول غيرهِ، ولم يعتمدْ على ما جاءَ في القرآنِ والسُّنَّة غيرَ صارفٍ ذلكَ إلى قولِ إنسانٍ بعينهِ أنهُ قد خالفَ إجماع َالأمةٍ كلِّها منْ أولها إلى آخرِها بيقينٍ لا إشكالَ فيهِ، ولا يجدُ لنفسهِ سلفًا ولا إنسانًا في جميع الأعصارِ المحمودةِ الثلاثةِ، فقد اتبعَ غيرَ سبيلِ المؤمنينِ ،فنعوذُ باللهِ منْ هذهِ المنزلةِ، وأيضًا فإنَّ هؤلاءِ الفقهاءَ كلَّهُم قدْ نهوا عنْ تقليدِ غيرهِم ،وقدْ خالفهُم مَن قلَّدهم، وأيضًا فما الذي جعلَ رجلًا منْ هؤلاءِ أو من غيرهِم أولى أنْ يقلَّد منْ عمرَ بن الخطابِ أو عليَّ بن أبي طالبٍ أو ابنِ مسعود أو ابنِ عمر َأو ابنِ عباسٍ أو عائشةَ أمِّ المؤمنين رضيَ اللهُ تعالى عنهُم، فلو ساغَ التقليدُ لكانَ كلُّ واحدٍ منْ هؤلاءِ أحقَّ بأنْ يتبعَ منْ غيرهِ انتهى .
إنما يتِمُّ [6] فيمنْ لهُ ضربٌ منَ الاجتهادِ ولو في مسألة واحدةٍ ، وفيمنْ ظهرَ عليه ظهورًا بينًا أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمرَ بكذا ونهَى عنْ كذا، وأنهُ ليسَ بمنسوخٍ، إمَّا بأنْ يتتبعَ الأحاديثَ وأقوالَ المخالفِ والموافقِ في المسألةِ، فلا يجدُ له نسخًا، أو بأنْ يرَى جمعًا غفيرًا منَ المتبحرينَ في العلمِ يذهبونَ إليهِ ويرَى المخالفَ لهُ لا يحتجُّ الا بقياسٍ أو استنباطٍ أو نحوِ ذلكَ، فحينئذٍ لا سببَ لمخالفةِ حديثِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إلا نفاقٌ خفيٌّ أو حمقٌ جليٌّ .
وهذا الذي أشارَ إليه الشيخُ عز الدينِ بنُ عبد السلام حيثُ قالَ [7] :"وَمِن الْعَجَبِ الْعَجِيبِ أَنَّ الْفُقَهَاءَ الْمُقَلِّدِينَ يَقِفُ أَحَدُهُمْ عَلَى ضَعْفِ مَأْخَذِ إمَامِهِ بِحَيْثُ لَا يَجِدُ لِضَعْفِهِ مَدْفَعًا وَمَعَ هَذَا يُقَلِّدُهُ فِيهِ ، وَيَتْرُكُ مِن الْكِتَابِ والسُّنَّة وَالْأَقْيِسَةِ الصَّحِيحَةِ لِمَذْهَبِهِ جُمُودًا عَلَى تَقْلِيدِ إمَامِهِ ، بَل يَتَحَلَّلُ لِدَفْعِ ظَوَاهِرِ الْكِتَابِ والسُّنَّة ، وَيَتَأَوَّلُهُمَا بِالتَّأْوِيلَاتِ الْبَعِيدَةِ الْبَاطِلَةِ نِضَالًا عَن مُقَلِّدِهِ ، وَقَدْ رَأَيْنَاهُمْ يَجْتَمِعُونَ فِي الْمَجَالِسِ فَإِذَا ذُكِرَ لِأَحَدِهِمْ فِي خِلَافٍ مَا وَظَنَّ نَفْسَهُ عَلَيْهِ تَعَجَّبَ غَايَةَ التَّعَجُّبِ مِن اسْتِرْوَاحٍ إلَى دَلِيلٍ بَل لِمَا أَلِفَه مِن تَقْلِيدِ إمَامِهِ حَتَّى ظَنَّ أَنَّ الْحَقَّ مُنْحَصِرٌ فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ أَوْلَى مِن تَعَجُّبِهِ مِن مَذْهَبِ غَيْرِهِ ، فَالْبَحْثُ مَعَ هَؤُلَاءِ ضَائِعٌ مُفْضٍ إلَى التَّقَاطُعِ وَالتَّدَابُرِ مِن غَيْرِ فَائِدَةٍ يُجْدِيهَا ، وَمَا رَأَيْت أَحَدًا رَجَعَ عَن مَذْهَبِ إمَامِهِ إذَا ظَهَرَ لَهُ الْحَقُّ فِي غَيْرِهِ بَل يَصِيرُ عَلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِ بِضَعْفِهِ وَبُعْدِهِ ، فَالْأَوْلَى تَرْكُ الْبَحْثِ مَعَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ إذَا عَجَزَ أَحَدُهُمْ عَن تَمْشِيَةِ مَذْهَبِ إمَامِهِ قَالَ:لَعَلَّ إمَامِي وَقَفَ عَلَى دَلِيلٍ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ وَلَمْ أَهْتَدِ إلَيْهِ ، وَلَمْ يَعْلَمِ الْمِسْكِينُ أَنَّ هَذَا مُقَابَلٌ بِمِثْلِهِ وَيَفْضُلُ لِخَصْمِهِ مَا ذَكَرَهُ مِن الدَّلِيلِ الْوَاضِحِ وَالْبُرْهَانِ اللَّائِحِ ، فَسُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَكْثَرَ مَن أَعْمَى التَّقْلِيدُ بَصَرَهُ حَتَّى حَمَلَهُ عَلَى مِثْلِ مَا ذُكِرَ ، وَفَّقَنَا اللَّهُ لِاتِّبَاعِ الْحَقِّ أَيْنَ مَا كَانَ وَعَلَى لِسَانِ مَن ظَهَرَ ، وَأَيْنَ هَذَا مِن مُنَاظَرَةِ السَّلَفِ وَمُشَاوَرَتِهِمْ فِي الْأَحْكَامِ وَمُسَارَعَتِهِمْ إلَى اتِّبَاعِ الْحَقِّ إذَا ظَهَرَ عَلَى لِسَانِ الْخَصْمِ ، وَقَدْ نُقِلَ عَن الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ: مَا نَاظَرْت أَحَدًا إلَّا قُلْت اللَّهُمَّ أَجْرِ الْحَقَّ عَلَى قَلْبِهِ وَلِسَانِهِ ، فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ مَعِي اتَّبَعَنِي وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ مَعَهُ اتَّبَعْته".
وقالَ الإمام أبو شامةَ: ينبغي لمنِ اشتغلَ بالفقهِ أنْ لا يقتصرَ على مذهبِ إمامٍ ويعتقدُ في كلِّ مسألةٍ صحةَ ما كانَ أقربَ إلى الكتابِ والسُّنَّة المحكَمةِ، وذلك سهلٌ عليهِ إذا كانَ أتقنَ العلومَ المتقدمةَ، وليجتنبِ التعصبَ والنظرَ في طرائقِ الخلافِ المتأخرةِ ،فإنها مضيعةٌ للزمانِ ولصفوهِ مكدرةً، فقد صحَّ عنِ الشافعيِّ أنه نهَى عنْ تقليدهِ وتقليدِ غيرهِ .
وقال صاحبه المزني في أول مختصره:"اخْتَصَرَتْ هَذَا مِن عِلْمِ الشَّافِعِيِّ ، وَمِن مَعْنَى قَوْلِهِ ، لِأُقَرِّبَهُ عَلَى مَن أَرَادَهُ ، مَعَ إعْلَامِيَّةِ نَهْيِهِ عَن تَقْلِيدِهِ وَتَقْلِيدِ غَيْرِهِ ،لِيَنْظُرَ فِيهِ لِدِينِهِ وَيَحْتَاطُ فِيهِ لِنَفْسِهِ" [8] .
وفيمنْ يكونُ عاميًّا ويقلِّدُ رجلًا منَ الفقهاءِ بعينهِ يرَى أنْ يمتنعَ منْ مثلهِ الخطأُ ،وأنَّ ما قالهُ هو الصوابُ البتةُ، وأضمرَ في قلبهِ ألا يتركَ تقليدَه وإنْ ظهرَ الدليلُ على خلافهِ، وذلك ما رواهُ الترمذيُّ [9] عنْ عدي بن حاتم أنه قال: سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِى سُورَةِ بَرَاءَةَ يعني رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (31) سورة التوبة ، قَالَ: « أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ » .
وفيمنْ لا يجوزُ أنْ يستفتيَ الحنفيُّ مثلًا فقيهًا شافعيًّا وبالعكسِ، ولا يجوزُ أنْ يقتديَ الحنفيُّ بإمامٍ شافعيٍّ مثلًا، فإنَّ هذا قدْ خالفَ إجماعَ القرونِ الأولى، وناقضَ الصحابةَ والتابعينَ.
وليس محلُّه فيمنْ لا يدينُ إلا بقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ،ولا يعتقدُ حلالًا إلا ما أحلَّهُ اللهُ ورسولهُ، ولا حرامًا إلا ما حرَّمَهُ اللهُ ورسولهُ .
لكنْ لمَّا لم يكنْ لهُ علمٌ بما قالهُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ،ولا بطريقِ الجمعِ بينَ المختلفاتِ من كلامِه ولا بطريقِ الاستنباطِ منْ كلامِه اتَّبعَ عالمًا راشدًا على أنهُ مصيبٌ فيما يقولُ ويُفتي ظاهرًا متبعَ سنَّةَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فإنْ خالفَ ما يظنُّه أقلعَ منْ ساعتِه منْ غيرِ جدالٍ ولا إصرارٍ، فهذا كيفَ ينكرهُ أحدٌ ؟!
مع أنَّ الاستفتاءَ والإفتاءَ لم يزلْ بينَ المسلمينَ منْ عهدِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - .
ولا فرقَ بينَ أنْ يستفتيَ هذا دائمًا أو أنْ يستفتيَ هذا حينًا، وذلك حينًا، بعدَ أنْ يكونَ مجمعًا على ما ذكرناهُ، كيف لا ولمْ نؤمنْ بفقيهٍ أيًّا كانَ أنهُ أوحَى اللهُ إليهِ الفقهِ، وفرضَ علينا طاعتَهُ وأنهُ معصومٌ، فإنِ اقتدينا بواحدٍ منهم فذلكَ لعلمِنا بأنهُ عالمٌ بكتابِ اللهِ وسنَّة ِرسولهِ ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، فلا يخلو قولُه إمَّا أنْ يكونَ منْ صريحِ الكتابِ والسُّنَّة أو مستنبطًا منهُما بنحوٍ منِ الاستنباطِ، أو عرفَ بالقرائنَ أنَّ الحكمَ في صورةٍ ما منوطٌ بعلَّةِ كذا ،واطمأنَّ قلبُه بتلكَ المعرفةِ فقاسَ غيرَ المنصوصِ على المنصوصِ، فكأنهُ يقولُ: ظننتُ أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قالَ كلَّما وجدتَ هذهِ العلَّةَ فالحكمُ ثمَّةَ هكذا ، والمقيسُ مندرجٌ في هذا العمومِ، فهذا أيضا معزيٌّ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، ولكنْ في طريقهِ ظنونٌ، ولولا ذلك ما قلَّدَ مؤمنٌ مجتهدًا، فإنْ بلغَنا حديثًا منْ رسولِ اللِه المعصومِ - صلى الله عليه وسلم - الذي فُرضَ علينا طاعتُه بسندٍ صالحٍ يدلُّ على خلافِ مذهبهِ، وتركنا حديثَهُ واتبعنا ذلكَ التخمينَ فمنْ أظلمُ منَّا ؟!! وما عذرُنا يومَ يقومُ الناسُ لربِّ العالمينَ؟!
(2) - ومنها أنَّ تتبعَ الكتابُ والآثارُ لمعرفةِ الأحكامِ الشرعيةِ على مراتبَ:
أعلاها أنْ يحصلَ له منْ معرفةِ الأحكام ِ بالفعلِ أو بالقوةِ القريبةِ منَ الفعلِ ما يتمكنُ بهِ منْ جوابِ المستفتينَ في الوقائعَ غالبًا، بحيثُ يكونُ جوابهُ أكثرَ مما يتوقفُ فيهِ وتخصُّ باسمِ الاجتهادِ .
(1) - الفتوحات المكية - (ج 5 / ص 25) - الباب الثامن عشر وثلائمائة في معرفة منزل نسخ الشريعة المحمدية وغير المحمدية بالأعراض النفسية
(2) - مسند أحمد (4225) صحيح
(3) - الحرمدان اسم علم
(4) - حجة الله البالغة للدهلوي - (ج 1 / ص 98) فما بعدها
(5) - الأحكام لابن حزم - (ج 2 / ص 234)
(6) - يعني يصح ذلك لمن ملك آلة الاجتهاد أو كان قادرا على معرفة الأدلة الشرعية من مصادرها الأصلية، وإلا كان تكليفًا بما لا يطاق ، فلا يمكن أن يكون كلُّ الناس مجتهدين ، ولا أطباء ، ولا مهندسين ، وذلك لأن الله تعالى شاء أن يكونوا مختلفين في طاقاتهم وقدراتهم العقلية والمادية ، فكيف نوجب على الجميع الاجتهاد ؟!!
(7) - فتاوى الأزهر - (ج 1 / ص 2) وقواعد الأحكام في مصالح الأنام - (ج 2 / ص 277)
(8) - الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 13 / ص 161) والقول المفيد في الاجتهاد والتقليد للشوكاني - (ج 1 / ص 27) والدرر السنية في الأجوبة النجدية - الرقمية - (ج 5 / ص 297) وإعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 2 / ص 305) و مجلة المنار - (ج 14 / ص 510)
(9) - برقم ( 3378 ) ومصنف ابن أبي شيبة برقم ( 34930) ومصنف ابن أبي شيبة مرقم ومشكل - (ج 13 / ص 245) برقم (34930 ) وتفسير ابن أبي حاتم برقم (10291 و10292 ) والسنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي - (ج 10 / ص 116) برقم (20847) وهو صحيح لغيره
وانظر مجموع الفتاوى - (ج 1 / ص 98) ومجموع الفتاوى - (ج 20 / ص 216) ومجموع الفتاوى - (ج 20 / ص 289)