الأول - أن يُسَلِّمَ له بأنه حديثٌ حديثٌ صحيحٌ ، فكثير من الأحاديث اختلفوا فيها صحتها وضعفها .
الثاني - أن لا يكون الإمام قد بلغه وتركه عمدا ، لعلَّةٍ ما ظهرت له ، مثل حديث أفطر الحاجم والمحجوم .
وما من إمام إلا وترك أحاديث صحيحة لم يعمل بها ، كترك الإمام مالك بعض الأحاديث الصحيحة التي رواها في الموطأ لمخالفتها لعمل أهل المدينة مثلًا .
أو ترك بعض الفقهاء لحديث صحيح عمل راويه بخلافه ... فنحن لا نستطيع إلزامهم بها ، وإنما نلزم أنفسنا - نحن الذين صح عندنا الحديث ، ولم نتقيد بشرط الإمام الفلاني - فقط .
الثالث-لا بد أن تتوفر فيه الشروط التي وضعها ذلك الإمام لقبول الأخبار
الرابع - أن يكون غير منسوخ عنده ، أو غير معارض لما هو أقوى منه .
الخامس- أن يكون قد عمل بهذا الحديث بعض الفقهاء ، كما ذكر ابن الصلاح وغيره ، لأن عدم أهل العلم به دليل إما على عدم صحته أو على نسخه .
فإذا سلم الحديث الصحيح من هذه العوارض عندئذ ، ينبغي على طالب العلم- القادر على تمييز الصحيح من الضعيف - الذي وصل إليه إذا غلب على ظنه صحته أن يعمل به ، ويدع قول صاحب المذهب الذي يقلده .
وهذا الأمر ليس بالهيِّن ، كما يظنه فريقٌ من الناس .
قال الدهلوي:"إنما يتمُّ فيمن له ضربٌ من الاجتهاد ولو في مسألة واحدة وفيمن ظهر عليه ظهورا بينا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بكذا ونهى عن كذا وأنه ليس بمنسوخ إما بأن يتتبع الأحاديث وأقوال المخالف والموافق في المسألة فلا يجد له نسخا أو بأن يرى جمعا غفيرا من المتبحرين في العلم يذهبون إليه ويرى المخالف له لا يحتجُّ إلا بقياس أو استنباط أو نحو ذلك فحينئذ لا سبب لمخالفة حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا نفاق خفي أو حمق جلي". [1]
قال الحافظ الذهبي في ترجمة:"الدَّارَكِيُّ عَبْدُ العَزِيْزِ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدٍ، الإِمَامُ الكَبِيْرُ، شَيْخُ الشَّافِعِيَّةِ بِالعِرَاقِ، أَبُو القَاسِمِ عَبْدُ العَزِيْزِ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ العَزِيْزِ الدَّارَكِيُّ الشَّافِعِيُّ، سِبْطُ الحَسَنِ بنِ مُحَمَّدٍ الدَّارَكِيِّ الأَصْبَهَانِيُّ المُحَدِّثُ."
قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ:كَانَ يُتَّهَمُ بِالاِعْتِزَالِ، وَكَانَ رُبَّمَا يَخْتَارُ فِي الفَتْوَى، فيُقَال لَهُ فِي ذَلِكَ، فَيَقُوْلُ:وَيْحَكمْ! حَدَّثَ فُلاَنٌ عَن فُلاَنٍ، عَن رَسُوْلِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكَذَا وَكَذَا، وَالأَخْذُ بِالحَدِيْثِ أَوْلَى مِنَ الأَخْذِ بِقَولِ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيْفَةَ.
قُلْتُ:هَذَا جَيِّدٌ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَالَ بِذَلِكَ الحَدِيْثِ إِمَامٌ مِن نُظَرَاءِ الإِمَامَيْنِ مِثْلُ مَالِكٍ، أَوْ سُفْيَانَ، أَوِ الأَوْزَاعِيِّ، وَبأَنْ يَكُونَ الحَدِيْثُ ثَابِتًا سَالِمًا مِن عِلَّةٍ، وَبأَنْ لاَ يَكُونَ حُجَّةُ أَبِي حَنِيْفَةَ وَالشَّافِعِيِّ حَدِيْثًا صحيحًا معَارضًا للآخَرِ.
أَمَّا مَن أَخَذَ بِحَدِيْثٍ صَحِيْحٍ وَقَدْ تنكَّبَهُ سَائِرُ أَئِمَّةِ الاِجتهَادِ، فَلاَ، كَخَبَرِ: (فَإِنْ شَرِبَ فِي الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ) ، وَكَحَدِيْثِ (لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ، يَسْرِقُ البَيْضَةَ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ) ." [2] ."
قلت: وإذا لم يكن أهلا لمعرفة الصحيح من الضعيف (وهو العاميِّ المحضُ) ، فلا يترك مذهبه الذي ينتسب إليه ، ولا يعمل بهذا الحديث ، وهو في هذه الحال معذور ، وليس مخالفًا لسنَّة الرسول - صلى الله عليه وسلم - .
وذلك لأنه مقلِّد ، فمن غير المعقول أن يترك قول إمام مذهبه لهذا الذي صحح الحديث اليوم ، وما يدريه أنه لا تنطبق عليه الشروط السابقة ، فقد يكون الذي صححه غير مسلَّم له به ، فكيف يوجب عليه تقليده ،وهو كذلك غير معصوم ، والكلُّ تقليد ، وهذا ربما لم يسلِّم له أقرب الناس إليه بذلك ، والإمام المتبوع سلمت له الأمة .
ومن ثمَّ لا يجوز اتهامه بأنه مخالف للسنَّة النبوية ، كما يدعي ذلك بعض المنسوبين للعلم !!!
كما أنه لا يقال بحق هذا المقلِّد - والذي لا يستطيع التمييز بين الغث والسمين- ما كان يقوله بعض السلف الصالح: أنا أقول له قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو يقول لي قال أبو حنيفة أو الشافعي ، فهذا الكلام اليوم قائم على مغالطة مفضوحة ، فهل أبو حنيفة أو الشافعي يتبعون غير الرسول - صلى الله عليه وسلم - ؟ أو غير سنته ؟!!
المبحث السابع
هل الحنفية بضاعتهم في الحديث مزجاة ؟
ما اشتهر من أن أهل الرأي بضاعتهم في الحديث مزجاة كلام غير صحيح ، ولا يدعمه الدليل ، وهو من باب الخلاف المذهبي .
فالراجح عند الحنفية تقديم الحديث الضعيف على القياس ، فكيف تكون بضاعتهم مزجاة ؟
قال الإمام ابن حزم:"جميعُ الحنفية مجمعون على أنَّ مذهبَ أبي حنيفةَ (رحمه اللهُ) أنَّ ضعيفَ الحديثِ أولى منَ القياسِ ولا يحلُّ القياسُ مع وجودهِ" [3] .
وقال علي القاري في المرقاة:"إن مذهبهُم القويَّ تقديمُ الحديثِ الضعيفِ على القياسِ المجرَّدِ الذي يحتملُ التزييفَ" [4] .
أقول: فاتهامهم بأنهم أصحابُ رأي،وأنَّ بضاعتهم في الحديث مزجاةٌ , فيه شططٌ كبيرٌ،وعصبيةٌ مقيتة .
روى الخطيب عن عَبْدَانَ , قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ , يقول:"لِيَكُنِ الَّذِي تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ الْأَثَرُ , وَخُذْ مِنَ الرَّأْيِ مَا يُفَسِّرُ لَكَ الْحَدِيثَ" [5]
مثال ذلك: كان الإمام أبو بكر بن أبي شيبة من المخالفين لأهل الرأي ، شديد التمسك بالأثر ، ومن ثم فقد أحصى المسائل التي خالف فيها أبو حنيفة ، رحمه الله السنَّة فبلغت- على حدِّ زعمه- مئة وأربعًا وعشرين مسألة لا غير ، وذكر ذلك في آخر مصنفه .
ومعنى هذا أن الإمام أبا حنيفة - أستاذ مدرسة الرأي - قد وافق السنَّة فيما سوى هذه المسائل القليلة وهي بعشرات الآلاف .
ولو نظرنا في هذه المسائل التي ذكرها ابن أبي شيبة في ردِّه على الإمام أبي حنيفة رحمه الله لوجدنا ما يلي:
أ - معظمها أمور مختلف فيها منذ عهد الصحابة لم ينفرد فيها الإمام أبو حنيفة .
ب- أو أمور وجد ما هو أقوى منها فلم يعمل بها .
مثال:
ففي مصنف ابن أبي شيبة (ج 14 / ص 148)
38-كِتابُ الرّدِّ عَلَى أَبِي حَنِيفَة
1-رَجْمُ الْيَهُودِيِّ وَالْيَهُودِيَّةِ.
37202- حَدَّثَنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ، عَن سِمَاكٍ ، عَن جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ؛ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَجَمَ يَهُودِيًّا وَيَهُودِيَّةً. (حسن)
37203- حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، وَوَكِيعٌ ، عَنِ الأَعْمَشِ ، عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَجَمَ يَهُودِيًّا. (صحيح)
37204- حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَن مُجَالِدٍ ، عَن عَامِرٍ ، عَن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ؛ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَجَمَ يَهُودِيًّا وَيَهُودِيَّةً. (حسن)
37205- حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ ، عَن نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ؛ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَجَمَ يَهُودِيَّيْنِ ، أَنَا فِيمَن رَجَمَهُمَا. ( صحيح)
37206- حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَن مُغِيرَةَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ؛ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَجَمَ يَهُودِيًّا وَيَهُودِيَّةً. ( صحيح نرسل )
-وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِمَا رَجْمٌ.
قلت: المسألة خلافية منذ عهد الصحابة:
ففي مصنف ابن أبي شيبة (ج 10 / ص 67)
115-فِي الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ مِن أَهْلِ الْكِتَابِ ، ثُمَّ يَفْجُرُ.
29345- حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَن مُغِيرَةَ ، عَن إِبْرَاهِيمَ ، وَالشَّعْبِيِّ ؛ فِي الْحُرِّ يَتَزَوَّجُ الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّة ثُمَّ يَفْجُرُ ، فَقَالاَ: يُجْلَدُ ، وَلاَ يُرْجَمُ.
29346- حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ ، عَن زَمْعَةَ ، عَنِ ابْنِ طَاوُوسٍ ، عَن أَبِيهِ ؛ أَنَّهُ كَانَ لاَ يَرَى أَنْ يُحْصِنَ الْحُرَّ ، إِلاَّ الْحُرَّةُ الْمُسْلِمَةُ.
29347- حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَن أَبِي بَكْرٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، عَن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَن كَعْبٍ ؛ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ يَهُودِيَّةً ، أَوْ نَصْرَانِيَّةً ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَن ذَلِكَ ؟ فَنَهَاهُ عَنهَا ، وَقَالَ: إِنَّهَا لاَ تُحْصِنُك.
29348- حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَن عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ، عَن نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ؛ أَنَّهُ كَانَ لاَ يَرَى مُشْرِكَةً مُحْصِنَةً.
29349- حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ ، عَن سُفْيَانَ ، عَن مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَن نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ: مَن أَشْرَكَ بِاَللَّهِ فَلَيْسَ بِمُحْصِن.
29350- حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَن يُونُسَ ، عَنِ الْحَسَنِ ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِذَا تَزَوَّجَهَا وَهُوَ غَيْرُ مُسْلِمٍ ، لَمْ تُحْصِنْهُ حَتَّى يَطَأَهَا فِي الإِسْلاَمِ.
116-مَن قَالَ تُحْصِنُ الْيَهُودِيَّةُ وَالنَّصْرَانِيَّة الْمُسْلِمَ.
29351- حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَن سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ ، عَن قَتَادَةَ ، عَن جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ؛ فِي الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّة تَكُونُ تَحْتَ الْمُسْلِمِ ، ثُمَّ يَفْجُرُ ، قَالاَ: يُرْجَمُ.
29352- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ ، عَن يُونُسَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، قَالَ: كَانَ يَقُولُ: تُحْصِنُ الْيَهُودِيَّةُ وَالنَّصْرَانِيَّةُ الْمُسْلِمَ.
29353- حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَن عَطَاءٍ ؛ فِي الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ مِن أَهْلِ الْكِتَابِ ، أَنَّهَا تُحْصِنُهُ.
29354- حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ ، عَن إِسْرَائِيلَ ، عَن سَالِمٍ ، قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنِ الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْيَهُودِيَّةَ ، وَالنَّصْرَانِيَّةَ ، وَالأَمَةَ أَيُحْصَنُ بِهِنَّ ؟ قَالَ: نَعَمْ ، وَلَوْ مَا.
وفي شرح معاني الآثار - (ج 5 / ص 160)
اخْتَلَفَ النَّاسُ مِن بَعْدُ فِي الْإِحْصَانِ ،فَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَكُونُ الرَّجُلُ مُحْصَنًا بِامْرَأَتِهِ وَلَا الْمَرْأَةُ مُحْصَنَةً بِزَوْجِهَا حَتَّى يَكُونَا حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ بَالِغَيْنِ قَدْ جَامَعَهَا وَهُمَا بَالِغَانِ .
وَمِمَن قَالَ بِذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى .
وَقَالَ آخَرُونَ: يُحْصِنُ أَهْلُ الْكِتَابِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيُحْصِنُ الْمُسْلِمُ النَّصْرَانِيَّةَ وَلَا تُحْصِنُ النَّصْرَانِيَّةُ الْمُسْلِمَ وَقَدْ كَانَ أَبُو يُوسُفَ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ فِي الْإِمْلَاءِ فِيمَا حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ عَن أَبِيهِ .
فَاحْتَمَلَ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - { الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ الرَّجْمُ } أَنْ يَكُونَ هَذَا عَلَى كُلِّ ثَيِّبٍ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ عَلَى خَاصٍّ مِن الثَّيِّبِ .
فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَاهُمْ مُجْتَمِعِينَ أَنَّ الْعَبِيدَ غَيْرُ دَاخِلِينَ فِي ذَلِكَ وَأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَكُونُ مُحْصَنًا ثَيِّبًا كَانَ أَوْ بِكْرًا وَلَا يُحْصِنُ زَوْجَتَهُ حَرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً ،وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ لَا تَكُونُ مُحْصَنَةً بِزَوْجِهَا حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا .
فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - { الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ الرَّجْمُ } إنَّمَا وَقَعَ عَلَى خَاصٍّ مِن الثَّيِّبِ لَا عَلَى كُلِّ الثَّيِّبِ .
فَلَمْ يَدْخُلْ فِيمَا أَجْمَعُوا أَنَّهُ وَقَعَ عَلَى خَاصٍّ إلَّا مَا قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ فِيهِ دَاخِلٌ .
وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْحُرَّيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ الْبَالِغَيْنِ الزَّوْجَيْنِ اللَّذَيْنِ قَدْ كَانَ مِنهُمَا الْجِمَاعُ مُحْصَنَيْنِ وَاخْتَلَفُوا فِيمَن سِوَاهُمْ .
فَقَدْ أَحَاطَ عِلْمُنَا أَنَّ ذَلِكَ قَدْ دَخَلَ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - { الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ الرَّجْمُ } .
فَأَدْخَلْنَا فِيهِ وَلَمْ يُحِطْ عِلْمُنَا بِمَا سِوَى ذَلِكَ فَأَخْرَجْنَاهُ مِنهُ .
وَقَدْ كَانَ يَجِيءُ فِي الْقِيَاسِ - لَمَّا كَانَتْ الْأَمَةُ لَا تُحْصِنُ الْحُرَّ وَلَا يُحْصِنُهَا الْحُرُّ وَكَانَتْ هِيَ فِي عَدَمِ إحْصَانِهَا إيَّاهُ كَهُوَ فِي عَدَمِ إحْصَانِهِ إيَّاهَا - أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ النَّصْرَانِيَّةُ فَكَمَا هِيَ لَا تُحْصِنُ زَوْجَهَا الْمُسْلِمَ كَانَ هُوَ أَيْضًا كَذَلِكَ لَا يُحْصِنُهَا .
وَقَدْ رَأَيْنَا الْأَمَةَ أَيْضًا - لَمَّا بَطَلَ أَنْ تُحْصِنَ الْمُسْلِمَ - بَطَلَ أَنْ يُحْصِنَ الْكَافِرَ قِيَاسًا وَنَظَرًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
وفي الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 2 / ص 225) : أَمَّا شَرْطُ الإِْسْلاَمِ فَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو يُوسُفَ مِن أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ لاَ يَشْتَرِطُونَ الإِْسْلاَمَ فِي إِحْصَانِ الرَّجْمِ ، فَإِنْ تَزَوَّجَ الْمُسْلِمُ ذِمِّيَّةً فَوَطِئَهَا صَارَا مُحْصَنَيْنِ ، لِمَا رَوَى مَالِكٌ عَن نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَال: جَاءَ الْيَهُودُ إِلَى رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ؛ وَلأَِنَّ الْجِنَايَةَ بِالزِّنَى اسْتَوَتْ مِنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ ، فَيَجِبُ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي الْحَدِّ . وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الذِّمِّيَّانِ مُحْصَنَيْنِ . وَحَدُّهُمَا الرَّجْمُ إِذَا زَنَيَا فَبِالأَْوْلَى إِذَا كَانَتِ الذِّمِّيَّةُ زَوْجَةً لِمُسْلِمٍ [6] .
وَجَعَل مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ الإِْسْلاَمَ شَرْطًا مِن شُرُوطِ الإِْحْصَانِ ، فَلاَ يَكُونُ الْكَافِرُ مُحْصَنًا ، وَلاَ تُحْصِنُ الذِّمِّيَّةُ مُسْلِمًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لأَِنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ لَمَّا أَرَادَ الزَّوَاجَ مِن يَهُودِيَّةٍ نَهَاهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَقَال: إِنَّهَا لاَ تُحْصِنُكَ [7] ، وَلأَِنَّهُ إِحْصَانٌ مِن شَرْطِهِ الْحُرِّيَّةُ فَكَانَ الإِْسْلاَمُ شَرْطًا فِيهِ كَإِحْصَانِ الْقَذْفِ . وَعَلَى هَذَا فَالْمُسْلِمُ الْمُتَزَوِّجُ مِن كِتَابِيَّةٍ إِذَا زَنَى يُرْجَمُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَلاَ يُرْجَمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لأَِنَّهُ لاَ يُعْتَبَرُ مُحْصَنًا ؛ لأَِنَّ الْكِتَابِيَّةَ عِنْدَهُ لاَ تُحْصِنُ الْمُسْلِمَ . وَنَظَرًا لأَِنَّ مَالِكًا - وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَوَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - لاَ يَعْتَبِرُ تَوَفُّرَ شُرُوطِ الإِْحْصَانِ فِي الزَّوْجَيْنِ فَقَدْ قَال بِرَأْيِ الْجُمْهُورِ: أَنَّ الذِّمِّيَّةَ تُحْصِنُ الْمُسْلِمَ ، وَيَسْتَحِقُّ الرَّجْمَ إِذَا زَنَى" [8] ."
فقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رجم اليهودي واليهودية . ويرى الإمام أبو حنيفة رحمه الله ومحمد والمالكية أن الإسلام شرط للإحصان ، ولهم أدلة ، وقالوا عن الحديث بأنه كان في أول الإسلام ثم نزل حكم الرجم باشتراط الإحصان واشتراط الإسلام ، وإن كان الراجح الرجم كما هو رأي الجمهور وأبي يوسف ، لكن المسألة خلافية [9]
وهكذا بقية المسائل ، وقد يكون الراجح فيها قول أبي حنيفة وقد يكون مرجوحًا.
والخلاصة أنه لا يجوز الإنكار في المسائل المختلف فيها ، ولك أيها المسلم أن تأخذ بأي القولين ولا حرج عليك ، دون أن تعتقد بطلان ما سواه .
فقد اختلف الصحابة منذ عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأقرهم عليه وسيبقى هذا الاختلاف إلى قيام الساعة ، وهو يدلُّ على سعة هذا الدين ومرونته ومسايرته للحياة وملاءمته لطبائع الناس ومشاربهم ، وصلاحيته لكل زمان ومكان فحذار أيها المسلم أن تشغل نفسك بالخلاف ، وتترك الاتفاق فكلُّ الأئمة على خير ، ولا تجد واحدًا منهم تعمد ترك العمل بنصٍّ ثابت عمدًا ، أو عن هوى أو شهوة ، فقد كانوا من أتقى الناس وأعلمهم بهذا الدين .
المبحث الثامن
هل يمكن الاستغناء بالقرآن عن السنة ؟
إننا لو فتشنا عن المحاربين لسُنَّة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، لوجدنا أنهم يتظاهرون بإجلال القرآن واحترامه، وأنه الحجة التي ليس وراءها حجة، فيقولون: علينا بالاكتفاء بالقرآن الكريم فقط؛ فهو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو المصدر الأول للإسلام، وهو الذي سلم من التغيير والتبديل ... إلى آخر ما يقولونه تظاهرًا بحبهم للإسلام، ودفاعًا عنه، وغيرة على ما في كتاب الله عز وجل من شريعة وأحكام، غير أنهم لا يريدون - مع ذلك - أن يضبطوا أنفسهم وعقولهم بهذا الذي أمر القرآن الكريم بضبط أنفسنا وعقولنا به، من اتباع سنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - مصطنعين لأنفسهم ما يشاءون من آيات القرآن الكريم، يستدلون بها على الاكتفاء بالقرآن وحده، وعدم حجية السُنَّة والحاجة إليها .
وما استدلوا به من آيات قرآنية بنوا عليها شبهتين جعلوهما قاعدتين ينطلقون منهما تشكيكًا في حجية السُنَّة . نذكرهما في مطلبين:
الأولى- شبهة الاكتفاء بالقرآن وعدم الحاجة إلى السُنَّة النبوية والرد عليها .
الثانية - شبهة أن السُنَّة لو كانت حجة لتكفل الله بحفظها والرد عليها .
الشبهة الأولى - شبهة الاكتفاء بالقرآن
* يقول المشككون في السنَّة، إن القرآن الكريم محفوظ بحفظ الله تعالى، وبقوله تعالى: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } (9) سورة الحجر، كيف لا ومفرداته كلام الله، وحروفه ثابتة، وأحكام تلاوته متواترة ومحفوظة في الصدور والسطور.
* كما أن القرآن كاف شاف يقول سبحانه وتعالى: { وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} (38) سورة الأنعام ،ويقول سبحانه: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِن أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (89) سورة النحل ، فما حاجتنا إلى السنة وفي القرآن اكتمال كل شيء، وتبيان كل شيء أيضا؟
* يضيف المتشككون أن التعهد الإلهي بحفظ القرآن الكريم لا يشمل السنَّة: التي هي كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهي غير محفوظة، وكلام النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بشر ينسى كما ينسى الناس، ويغضب كما يغضب الناس، فكيف نسجل جميع أحواله ونتعبد بها لله تعالى، خاصة فيما لم يقم عليه دليل في القرآن الكريم ؟ .
* علاوة على ما سبق، فقد حذر النبي - صلى الله عليه وسلم - بنفسه من خطورة الكذب عليه، في الحديث المتواتر: « مَن كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ » [10] . فما حاجتنا إلى السنة؟ خاصة وهي غير محفوظة كالقرآن، والنبي - صلى الله عليه وسلم - بشر، وتعمد الكثيرون الكذب عليه، فما حاجتنا إلى السنة؟
الردُّ على شبهة الاكتفاء بالقرآن
1.الدفع الأول: اثبتوا دعواكم من القرآن الكريم
إذا كان فهم المتشككين لآيات الله تعالى صحيحا، وأن القرآن لم يفرط في شيء، وفيه تبيان كل شيء، فعليهم إثبات دعواهم بالاكتفاء بالقرآن ونبذ السنة من القرآن الكريم، هذا هو المصحف، فأين الآيات التي تأمرنا بالاكتفاء بالقرآن؟ وتطالبنا في نفس الوقت بنبذ سنة نبينا صلوات الله وسلامه عليه. ومطلبنا هذا تعلمناه من القرآن الكريم، في قوله تعالى: { قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (111) سورة البقرة ، ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: « الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى وَالْيَمِينُ عَلَى مَن أَنْكَرَ » . [11]
2.الدفع الثاني: القرآن والسُّنَّة من مشكاة واحدة
* القرآن الكريم كلام الله القديم، نزل به جبريل جملة واحدة إلى السماء الدنيا، ثم نزل منجما على قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وذلك قوله سبحانه: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى(3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5 [النجم/3-5] ، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - المعصوم لا ينطق إلا بوحي من رب السماء والأرض.
(1) - الانصاف في بيان أسباب الاختلاف لولي الله الدهلوي - (ج 1 / ص 50) وعقد الجيد في أحكام الاجتهاد والتقليد- (ج 1 / ص 15) وحجة الله البالغة - (ج 1 / ص 302) حاشية ابن عابدين: 1/63؛
(2) - سير أعلام النبلاء (16/405) (293 )
(3) - ملخص إبطال القياس ص 98 والإحكام 7/54
(4) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (ج 1 / ص 3)
(5) - الفقيه والمتفقه للخطيب (1068 )
(6) - الشرح الكبير 4 / 284 ، والمغني 10 / 129
(7) - قال الدارقطني فيه أبو بكر بن مريم ضعيف ( 3 / 148 )
(8) - المنتقى شرح الموطأ 3 / 331
(9) - راجع التعليق الممجد 3/79-81 والنيل 7/93-94
(10) - صحيح البخارى (1291)
(11) - السنن الكبرى للبيهقي (ج 8 / ص 123) (16882و21042 و21741 ) صحيح لغيره